آخر تحديث:11:32(بيروت)
السبت 20/04/2019
share

عبد المنعم رمضان: سأموت كما الجاحظ.. تحت كتبي

أحمد شوقي علي | السبت 20/04/2019
شارك المقال :
عبد المنعم رمضان: سأموت كما الجاحظ.. تحت كتبي العبودية لما نحب، المرأة والكتاب، الاثنان هما البابان المفتوحان على المعرفة
في حوار موضوعه الغناء، أجريته مع الشاعر المصري عبد المنعم رمضان، أملى عليَّ (كمن يقرأ من كتاب مفتوح)، بينما يجيب على أحد الأسئلة، قصةً عن مغنٍّ من "كتاب الأغاني" للأصفهاني، كاستدلال على تحولاته السماعية. كان في ذلك اللقاء يهاجم أم كلثوم، وكانت القصة ربما أطول من إجابة لسؤال (تجاوز عدد كلماتها الخمسمئة)، فحذفتها من الصياغة النهائية مراعاة لحجم الحوار، وظنًا مني بأن النص يكتمل معناه من دونها. لكني لم أتخلص منها، بل احتفظت بها في ملف منفصل، لأنها تصلح كاقتباس طويل، قد أعود إليه عند الحاجة، عوضًا عن البحث المرهق في كتاب "الأغاني"، متأكدًا من أنها لن تخطئ المعنى الذي أراده أبي الفرج في شيء، وربما لم تخطىء الألفاظ نفسها التي خط بها كتابه، فرأس عبد المنعم رمضان مكتبة.

وفي هذا الحوار الذي نجريه مع رمضان عن علاقته بالمكتبة، ضمن ملف بعنوان "قصصي مع الكتب"، كان يفترض، كصياغة منطقية، أن يتضمن الأسئلة التي حضرتها على نحو: "هل تذكر أول كتاب اقتنيته؟ متى نشأت لديك الفكرة في تكوين مكتبة؟ ما حجم مكتبتك الخاصة؟ هل سرقت الكتب يومًا؟ هل تعير الكتب؟ وهل تواجه صعوبة في استردادها؟"، وغيرها من الأسئلة. لكن إجاباته التي جاءت -وذلك عادي بالنسبة للشاعر السبعيني- متصلة كنص أدبي مكتمل، وليست نتيجة تداعٍ حرّ لفكرة طارئة يثيرها السؤال الموجه إليه، بدت أشبه بشهادة أدبية عن مكتبته والقراءة وأيام شبابه، لذلك حذفت الأسئلة واستعضت عنها، فقط، بعناوين جانبية، كي لا يختل المعنى بحضورها.

وإلى النص:


مكتبتي
مكتبتي أكبر مما يسمح به بيتي، حتى أن الكتب أصبحت فوق الدولاب، وتحت الأسرّة، وتحت كراسي الصالون، وتحت السفرة، وفي الفراندة، وفوق السفرة، زوجتي تشكو، وتهدد، وها نحن نبحث عن شقة جديدة، نأمل أن ننتقل إليها، علّنا نجعل شقتنًا الحالية خزانة، خزانة فقط، هل أستطيع أن أفعل ذلك؟ لا أدري.

بداية، الكابوس الذي يطاردني وأشعر أنني أخشاه وأتمناه، هو أنني سأموت بطريقة الجاحظ، سأموت تحت كتبي، أرفف مكتبتي الآن أكبر من قلبي ورأسي، أكبر حتى من عمري. في المدرسة الابتدائية، كنت صبيًا خاملًا في الظاهر، أخجل من الكبار، وأخاف من الصغار، وألوذ بنفسي. رأس امتلأ بحكايات أبي، وصراعات جدتي وأمي غالبًا، وغنائهما معًا وفي صوت واحد أحيانًا. لم تكن الكتب تشغل حيزًا من بيتنا باستثناء المصاحف. في المدرسة الإعدادية فُتحت عيناي على الفضاء الجديد الذي أحاطتني به شوارع كوبري القبة، أحد أحياء القاهرة، وكنت أشعر بالهيبة عندما أمر أمام باب قصر القبة. صادفت أحيانًا نوبة تغيير الحرس عند باب القصر، وعلى الرغم من أن جمال عبدالناصر كان يحيطنا من كل جانب كأنه يراقبنا، على الرغم من ذلك، فإنني شغفت بحكايات سمعتها عن الأميرات اللواتي أقمن في القصر ذات زمن، وتمنيت أن أعرف أكثر.

في تلك الفترة كان يمكن أن ألتقط في الطريق بعضاً من ورق الصحف وأقرأها في أثناء عودتي من المدرسة. بعضهم قال لأبي، هل تعلم أن ابنك يمشي دائمًا بمفرده؟ هل تعلم أنه يقرأ أثناء سيره؟ كلهم كانوا يسألونه باستغراب. في المدرسة الثانوية دخلت أكثر من مرة حجرة المكتبة، وتعرفت فيها على ديوان ابن خفاجة الأندلسي، وديوان إبراهيم المازني، وشرعت في كتابة تقلدهما. في المدرسة الثانوية، ذهبت للمرة الأولى إلى معرض بمنطقة الأزهر. كنا في شهر رمضان، واشتريت أول كتاب، كان رواية للروائي المصري محمد عبد الحليم عبدالله، لعلها كانت لقيطة، وبعدها اشتريت كل روايات محمد عبدالحليم عبدالله. شاهدتني أختي وأنا أمسح دموعي بينما الكتاب في يدي. في ما بعد سوف أمر على "دار الهلال" وأقرأ على أحد جدرانها خبر موت عبد الحليم عبد الله، وسيشاهدني المارة وأنا أمسح دموعي، كان حزني قويًا إلى حدّ أنني لم أخجل.


أيام الجامعة، كنت قد بدأت الانحياز إلى كتابة الشعر. أيامها قدمني الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي إلى القراء، عندما كتب مقالته الأسبوعية في مجلة "روز اليوسف" تحت عنوان "نداء إلى شعراء المستقبل"، وختم المقالة بذكر اسمي كاملًا عبد المنعم رمضان أحمد حسن، وتنبأ بأنني سأضطر إلى اختصاره في المستقبل. من هذه المقالة أحسست بمسؤولية أن أكون شاعرًا، ولما شرعت في قراءة ما يجب، انتبهت أنا وآخرون إلى إشارات كثيرة قادتني وقادتهم نحو ضرورة التعرف على كتاب أرشيبالد ماكليش "الشعر والتجربة"، لكنني لم أجده. لما تعرفت على محمد خلاف، وكان يسكن في شارع العباسية، أخبرني أن الكتاب موجود في مكتبة "البارودي"، وهي مكتبة عامة تابعة لوزارة الثقافة وقريبة من بيت خلاف. ذهبنا معًا، أمسكنا الكتاب بفرح، لم نكن أعضاء في المكتبة، محمد خلاف فاجأني بأن فصل جسم الكتاب عن غلافه الجلدي (الـhard cover)، ووضعه في بطنه تحت ثيابه، ووضع الغلاف على الرف في مكان الكتاب، وقرأناه مثل فاكهة محرمة. ولما أصبح "الشعر والتجربة" إنجيل الجيل الذي أنتسب إليه، كنا قد حصلنا على نسخ جديدة قرأناها مرات حتى أصبحت فاكهة قديمة.

الذي سرقني
حدث ذات مرة أن تعرفت على صديق كان يحب شعر محمد عفيفي مطر، ويدأب في روايته. لا أستطيع أن أتذكره الآن من دون أن أتصور أنه كان بطلًا في رواية، وكان طوال الوقت يتصور أنه لا بد أن يدعو الناس إلى بناء سفينة نوح، سفينة النجاة من الطوفان، ويوهمهم بأنها لهم جميعًا. لكنه كان يعرف أن الطوفان والسفينة لن يسمحا إلا بركوب أفراد الفرقة الناجية، وكان يبذل جهده في سبيل تمييزهم، وذات يوم وجد ضمن كتبي كتابًا أصر على استعارته، كان الكتاب آنذاك محظورًا من دون قرار حظر. المؤلف عبد الرحمن بدوي، والعنوان "من تاريخ الإلحاد في الإسلام". أخذه ومضى به، وعاد بعد فترة غياب طويلة، فسألته عن الكتاب، فأخبرني أنه نسيه ذات مرة على مقعد في الأوتوبيس. الآن أحاول ألا أستعير كتابًا من أحد، لكنني أمتنع عن الإعارة، وأخفف هذا الامتناع باستعدادي إتاحة فرصة عمل صورة للكتاب، حتى لا أشعر بأنني أطفئ الشمس، هل هناك عبودية نبيلة؟ نعم، العبودية لما نحب، المرأة والكتاب، الاثنان هما البابان المفتوحان على المعرفة، المفتوحان على النعيم والجحيم، المفتوحان على ذاتك، هكذا.. هكذا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها