آخر تحديث:14:01(بيروت)
الجمعة 19/04/2019
share

في مئوية ثورة 1919.. ما زال المصريون مُحتلّين

ناصر كامل | الجمعة 19/04/2019
شارك المقال :
في مئوية ثورة 1919.. ما زال المصريون مُحتلّين سعد زغلول ورفاقه قبيل ثورة 1919
منحت وقائع الأيام القليلة الماضية فى مصر، النظر إلى بعض وقائع ثورة 1919، زخماً وطاقة فريدين. فمع استعادة المشهد التأسيسي: حديث 13 نوفمبر1918، الذي دار بين الثلاثي: سعد زغلول وعبدالعزيز فهمي وعلي شعراوي، والسير رجنلد ونجت، المندوب السامي البريطاني في مصر، ووضعه بإزاء أحداث اللحظة الراهنة، تبدو الوقائع متداخلة، والحدود الزمانية وكأنها انزاحت، وكأن التفكير في الثورة المستعادة رتق لذاكرة ثورة يناير المجهضة، أو كأنها أضواء وأصوات منبهة إلى الثورة المقبلة.
 
الحدث الراهن هو التعديلات الدستورية التي تعمل السلطة على تمريرها خلال أيام، وهو متصل ومرتبط بما جرى منذ ليل 25 يناير 2011 حتى اللحظة، كما يتصل حديث "دار الحماية" بما جرى قبله، بدرجة اتصال شعارات الزمنين: الاستقلال التام أو الموت الزؤام، عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية.

يمهد عبد الرحمن الرافعي في كتابه "ثورة 1919 تاريخ مصر القومي من 1914 إلى 1921"، لسرد وقائع الحدث التأسيسي بعرض سريع لما جرى في مصر منذ نشبت الحرب "العظمى" فى يوليو 1914، حتى يوم اللقاء المشهود. فيذكر سلسلة من الاجراءات، منها ما اتخذته سلطة الاحتلال البريطاني مباشرة، ومنها ما أجبرت الحكومة المصرية على اتخاذه. ففي 18 أكتوبر 1914، وضعت الحكومة قانوناً لمنع التجمهر والعقاب عليه، واعتُبر تجمهراً كل اجتماع من خمسة أشخاص على الأقل في طريق أو محل عمومي ولو لم يكن له قصد جنائى، متى رأى رجال السلطة أنه يجعل السلم العام في خطر. وفي 2 نوفمبر، أعلن الاحتلال الأحكام العرفية و"صار القطر المصري تحت الحكم العسكري من تاريخه"، ووضعت الرقابة على الصحف تبعاً لذلك. ثم وضعت الحماية على البلد كله "وبذلك زالت سيادة تركيا على مصر"، وفي اليوم التالي خُلع الخديوي عباس الثاني، وتولى الأمير حسين كامل عرش مصر.

يصف الرافعي، خلع عباس وتولية حسين بـ"الانقلاب"، ويؤكد: "من الواجب أن نعترف بأن انقلاب 1914، وإن كان قد قوبل من الشعب بالألم والدهشة، فإنه لم يقابَل إلا باحتجاج يسير ضيق الأفق، محدود الأثر. ولعل بسط الأحكام العرفية البريطانية على البلاد، للمرة الأولى فى تاريخها الحديث، كان له دخل فى إيثار الأمة جانب الصمت والوجوم، وكبت الألم في النفوس. كما أن تدفق القوات المسلحة على البلاد كان، ولا ريب، أهم العوامل في ما عراها من ضعف واستسلام للقوة الغاشمة، وهذا الأثر يحدث مثله في معظم البلدان التي تحتلها جيوش أجنبية".

وفي المشهد الافتتاحي من رواية "بين القصرين"، الذي تجري وقائعه في أحد أيام شهر أكتوبر 1917، يقدم نجيب محفوظ تلخيصاً كثيفاً لطبيعة العلاقات الاجتماعية المهيمنة. "السيد أحمد عبد الجواد"، يعود إلى بيته ليلاً من إحدى سهراته المعتادة، ويبادر بإلقاء التحية: مساء الخير يا أمينة. فقالت بصوت خفيض ينم عن الأدب والخضوع: مساء الخير يا سيدي. ثم يبادر مرة أخرى وكأنه يخاطب نفسه: يا له من رجل كريم الأمير كمال الدين حسين! أما علمت بما فعل؟.. أبى أن يعتلي عرش أبيه المتوفي فى ظل الانكليز. ولم تجد ما تقول ولكنها- مدفوعة بعواطف الإجلال للمتكلم- كانت تخاف ألا تعلق على كل كلمة يقولها بما يرضيه فقالت: رحم الله السلطان وأكرم ابنه. فاستطرد السيد قائلاً: وقبل العرش الأمير أحمد فؤاد أو السلطان فؤاد، كما سيدعى من الآن فصاعداً، وقد احتفل بتوليه اليوم، فانتقل فى موكبه من قصر البستان إلى سراي عابدين... وسبحان من له الدوام. أمينة كما تبدو في للوهلة الأولى، تجهل، كما فتاتيها اللتين تجهلان مثلها العالم الخارجي جهلاً تاماً، تعرف ما يفضله "سيدها"، فتقول: ربنا قادر على أن يعيد إلينا أفندينا عباس. فهز الرجل رأسه وتمتم قائلاً: متى؟.. متى؟.. علم هذا عند ربي.. ما نقرأ فى الجرائد إلا عن انتصارات الإنكليز، فهل ينتصرون حقاً أو ينتصر الألمان والترك في النهاية؟ اللهم استجب".


زال كل هذا، واستقلت مصر وجلت قوات الاحتلال عن أراضيها، وبقي "منع التجمهر" قيداً على حريات المصريين، حتى اللحظة. بل إنه بمرور الوقت، ومع قيام الجمهورية التي ورثت القانون من دولة "الاستقلال" الملكية، غلظت العقوبات. فقبل أيام أطل القانون، عبر رفض التصريح بوقفة احتجاجية كانت الحركة المدنية الديموقراطية (تجمع أحزاب وشخصيات سياسية معارضة) قد تقدمت بطلب تنظيمها للتعبير عن رفضها للتعديلات الدستورية التى يناقشها مجلس النواب. وجاء الرفض "استناداً لتهديد هذه الوقفة الاحتجاجية للأمن والسلم العام، فضلاً عن امكانية اندساس العناصر الارهابية ضمن هذه المظاهرة مستهدفة العناصر الأمنية التي تتولى تأمين الوقفة الاحتجاجية، فضلاً عن خشية اندساس العناصر التي تعمل ضد الدولة خلال هذه المظاهرة واعتدائها على المشاركين في الوقفة الاحتجاجية حتى توحي للعامة بأن أجهزة الأمن هي التي تعتدي على المشاركين في هذه الوقفة الاحتجاجية بالمخالفة للحقيقة وهو ما يؤثر على السلم والأمن العام".

إجراءات الاحتلال خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 1914 بدت "ضرورية" بموجب ظروف حرب "عظمى" طالت لأربعة أعوام، وهي مدة أقصر بكثير من الحرب المستمرة الآن في مصر منذ ستة أعوام قريباً، والمُعلنة منذ أن طلب وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي تفويضاً فى 26 يوليو 2013 لمواجهة "الإرهاب المحتمل"، ولا يبدو أن بشائر نهايتها قد أذنت، وبالتالي لا يبدو أن ضروراتها ستكف عن تقييد حريات المصريين في وقت قريب.

بشائر نصر الحلفاء كانت قد لاحت بإعلان الرئيس الأميركي وودرو ويلسون؛ في 8 يناير 1918، أي بعد مرور تسعة أشهر فقط على دخول أميركا الحرب فى صف الحلفاء عن "المبادئ الـ14"، وأثار أحدها حماسة المصريين، وهو: "ضمان سيادة الأجزاء التركية وإعطاء الشعوب الأخرى غير التركية التي تخضع لها حق تقرير المصير". وبإعلان الهدنة في 11 نوفمبر، أخذت "الشعوب الصغيرة"، كما يذكر الرافعي، "تتأهب لإرسال وفودها إلى المؤتمر (مؤتمر الصلح فى باريس) لتحقيق آمالها القومية تطبيقاً لمبادئ الرئيس ويلسون".

ذهب الثلاثي إذن (زغلول وفهمي وشعراوي)، للتحدث إلى ممثل الاحتلال فى طلب الترخيص لهم بالسفر إلى لندن، لعرض مطالب البلاد على الحكومة الإنكليزية، فسأل صراحة: ما أغراض المصريين؟ وجاءه الرد من سعد: نحن نعترف الآن أن إنكلترا هي أقوى دولة في العالم وأوسعها حرية، وإنا نعترف لها بالأعمال الجليلة التي باشرتها فى مصر، فنطلب باسم هذه المبادئ أن تجعلنا أصدقاءها وحلفاءها صداقة الحر للحر، وإننا نتكلم بهذه المطالب هنا معك بصفتك مشخصاً لهذه الدولة العظيمة، وعند الاقتضاء نسافر للتكلم فى شأنها مع ولاة الأمور فى إنكلترا، ولا نلتجئ هنا لسواك ولا في الخارج لغير رجال الدولة الإنكليزية".

غادر الثلاثي "دار الحماية"، وذهبوا للقاء حسين رشدي باشا، رئيس الوزراء، فأستقبلهم مؤيداً لهم في مسعاهم ومطمئناً لهم بأن الوزارة ستشد أزرهم، ثم ذهب للقاء المندوب السامي الذي قال له "يدهشني أن ثلاثة رجال يتحدثون عن أمر أمة بأسرها، من دون أن يكون لديهم ما يخولهم صفة التحدث باسمها".. وكأن كلامه "تعويذة"، أو أصل نَسَخ عنه الحكام العرب سؤالهم المعاد: من أنتم؟

في المساء بحث الثلاثي مع آخرين، في الطريقة التي يعلنون بها صفتهم في التحدث عن الأمة، فاتفقوا على تأليف هيئة تسمى "الوفد المصري" إشارة إلى أنها وفد مصر للمطالبة باستقلالها، وأن تحصل هذه الهيئة على توكيلات من الأمة تخولها هذه الصفة. ووضعوا للوفد قانوناً جاء في المادة الثانية منه "إن مهمة الوفد هي السعي بالطرق السلمية المشروعة حيثما وجد السعي سبيلاً في استقلال مصر استقلالاً تاماً".

أما في الرد، في يومنا هذا، على قرار منع الوقفة الاحتجاجية، فقد أصدرت الحركة المدنية الديموقراطية بياناً جاء فيه: "إننا كنّا وما زلنا حريصين على المسار الديموقراطي وخلق قنوات للحوار السياسي الذي يؤمن ذلك المسار ويدعمه... منطلقاتنا في العمل كانت وستظل الحفاظ على استقرار وأمن مصر ومسارنا ديموقراطي سلمي وهدفنا هو مصر دولة مدنية ديموقراطية حديثة. وتعلن الحركة عن تمسكها بموقفها الرافض بكل حسم للتعديلات الدستورية المقترحة، وتؤكد أن مجرد طرحها يعد انتهاكاً صريحاً للدستور وتحدياً لإرادة الشعب وضرباً للحريات وللديموقراطية في مقتل، وهدماً لكيان الدولة المدنية، وتأسيساً صريحاً للدكتاتورية والاستبداد ولحكم الفرد المطلق".
ويبقى في حديث 13 نوفمبر 1914 ما يكسب صورة الواقع أبعاداً أخرى دالة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها