آخر تحديث:13:31(بيروت)
الجمعة 19/04/2019
share

أقباط السودان في ثورته

شادي لويس | الجمعة 19/04/2019
شارك المقال :
أقباط السودان في ثورته يظهر أقباط السودان في ميادين الثورة السودانية، اليوم، بشكل أوضح (غيتي)
بعد ستة أشهر من انقلاب "الإنقاذ الوطني"، في السودان، وفي ديسمبر 1989، أعلنت السلطات السودانية الجديدة إلقاء القبض على مساعد طيار، يعمل في الخطوط الجوية السودانية، ويدعى جرجس يسطس، بتهمة حيازة نقد أجنبي ومحاولة تهريبه إلى خارج البلاد. وجرجس قبطي سوداني والده كان قساً قبطياً. وبعد أسابيع فقط من الوقوف أمام "محكمة خاصة"، حُكم على جرجس بالإعدام، بتهمة التآمر على تخريب الاقتصاد الوطني، وفي فبراير 1990، نفذ الحكم في سجن "كوبر"، وهو السجن نفسه الذي يُحتجز فيه البشير اليوم. وكان جرجس واحداً من أوائل الضحايا المدنيين لنظام "البشير- الترابي"، وإعدامه المحمل برسائل مقصودة، كان مقدمة لتلاعب النظام السوداني طويلاً بالورقة الطائفية والعرقية لتمزيق المجتمع السوداني، وتمهيداً لإشعال صراعات مسلحة ستحصد أرواح ملايين الضحايا، وتشرد ملايين من السودانيين في دول الجوار.


كانت السودان لوقت طويل، منفى الدولة المصرية الحديثة. المنفى بمعناه القانوني والمعنوي أيضاً. فالقوانين المتعاقبة التي أصدرتها إدارة محمد علي لم تخل من جرائم ومخالفات عقوبتها الإبعاد، وكان أقساها هو النفي إلى السودان. وكان موظفو الدولة غير المَرضِى عنهم، والمعاقبون إدارياً، ومثيرو المشاكل، يُنقلون إلى الصعيد، كعقوبة ضمنية غير معلنة، وأسوأهم حظا ينتهي بهم الأمر في عطبرة أو أم دورمان. لكن الأقباط وجدوا في السودان، غير المرغوب فيه، فرصة سانحة للانخراط في الهيكل الوظيفي للدولة، والصعود إلى قمته بشكل أيسر مما هو في مصر.


وبعد سحق الثورة المهدية، والاحتلال الإنكليزي-المصري للسودان (1898- 1958) تزايدت هجرة الأقباط إلى السودان، وأضحوا عصب الإدارة المدنية هناك. ولم تكن تلك الهجرة بسبب وضع تفضيلي ناله الأقباط في السودان، بل بسبب سياسات الاحتلال البريطاني لمصر، إذ صفّت نسبة كبيرة منهم، وأبعدتهم عن الوظائف الحكومية في مصر، وأحلّت محلّم موظفين مسلمين. وحتى الثمانينات من القرن الماضي، كانت شكوى الأقباط من "الإعارات" التي ترسلها الحكومة المصرية إلى الدولة العربية، هي أنهم لا ينالوا حظوظ زملائهم المسلمين في الذهاب إلى دول الخليج الغنية، وينتهي معظمهم إلى الإعارة في السودان، وفي أفضل الأحوال نسبة صغيرة منهم أوفر حظاً إلى العراق والجزائر. كان صديق طفولتي في الكنيسة في القاهرة، من مواليد الخرطوم، فوالده كان مدرساً هناك، وكان أحد أساتذتنا الأقباط في المدرسة الثانوية، قد عمل لعقدين في وادي حلفا، وقضى معظم حصصه في الحديث عن ذكرياته هناك وعن مغامرات خيالية كثيرة مسلية ومن الصعب تصديقها، ليقضي بعدها القليل من وقت الحصص المتبقي في تدريسنا منهج الكيمياء.

كان هؤلاء الجيل الأخير من الهجرة القبطية إلى السودان، التي بدأت منذ أكثر من قرنين. ومع أن إدارة الإحصاء السودانية، أضافت الأقباط السودانيين كقبيلة سودانية في مسوحها السكانية قبل سنوات، لكن لا تقدير متفقاً عليه لعددهم. فالتقديرات، بحسب مصدرها، تتراوح بين بضعة آلاف، ومئات الألوف، وفي أحيان كثيرة تصل إلى ثلاثة ملايين تضم جاليات المهجر.


يظهر أقباط السودان في ميادين الثورة السودانية، اليوم، بشكل أكثر وضوحاً. فعشرات المقاطع المصورة تظهرهم يرنّمون في الاعتصامات، أو يرفعون الصلوات هناك. وكان تجمع المهنيين السودانيين قبل أسبوع قد دعا مسيحيي السودان، ومن بينهم الأقباط، ومعهم رجال الدين المسيحيين والمبشرين، للمشاركة في إقامة صلاة جماعية في اعتصام القيادة، يوم الأحد الماضي. وكانت المناسبة فرصة لتداول المزيد من الصور التي يحمي فيها أقباط السودان إخوانهم المسلمين وهم يصلون، من أشعة الشمس الحارقة، والتأكيد على الوحدة السودانية الوطنية.


تعيد تلك المشاهد، ذاكرة مشاهد تبدو مشابهة تماماً في ميدان التحرير، ويستقبلها أقباط مصر ببعض من الحذر في أفضل الأحوال، وبكثير من التشكك في الأغلب. فالمقارنة لا يمكن تجنبها بالطبع، والخوف من انقلاب لحظة اليوتوبيا الثورية إلى عكسها، كما حدث في مصر، ليس بعيداً من الأذهان.

إلا إن تلك المقارنة تظل غير دقيقة. فأوضاع أقباط السودان، رغم تطبيق الشريعة الإسلامية منذ حكومة النميري، أفضل كثيراً من أقباط مصر. فهم لم يتعرضوا لعنف أهلي، أو استهداف من قبل جماعات مسلحة، كما في مصر. ومع حالة التعايش التي يتمتعون بها بين مواطنيهم السودانيين، فإن خصومتهم غير المعلنة كانت مع نظام البشير تحديداً، وسياسته للتمييز الطائفي والعرقي. وهذا على العكس تماماً من وضعية أقباط مصر، الذين كانوا ومازالوا عرضة لعنف أهلي، وتواطؤ مجتمعي واسع، لا تبدو معه ضمانة لسلامتهم سوى الرهان على استقرار الأنظمة الحاكمة وحماية أجهزة الأمن.

لم تعلن كنائس الأقباط السودانيين موقفاً سياسياً من الأحداث حتى الآن، لكن حضوراً واضحاً للأفراد، ومشاركتهم في الحراك بين إخوانهم من المسلمين والمسيحيين السودانيين، يعيد للأذهان تاريخاً طويلاً ومشتركاً من الهجرة المتبادلة والنفي والتعايش والحرب والتوتر، بين مصر والسودان، وبين مسلمي وادي النيل ومسيحييه وأديانه وأعراقه الكثيرة جداً. كما يذكر بالخراب الذي ألحقته الأنظمة الحاكمة بمجتمعاتها، والأهم يذكّر بالأمل الذي يهبه لنا حراك الجماهير، وانتفاضاتها وتضامنها في العيش معاً بكرامة وسلام، وفي دولة مواطنة للجميع.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري