آخر تحديث:13:28(بيروت)
الأربعاء 17/04/2019
share

غامبينو يبيع الحقائق.. ثم يدخن الحشيش

حسن الساحلي | الأربعاء 17/04/2019
شارك المقال :
  • غامبينو يبيع الحقائق.. ثم يدخن الحشيش
    تشايلدش غامبينو في مهرجان "كوتشيلا"
  • تشايلدش غامبينو
    تشايلدش غامبينو
  •  تشايلدش غامبينو
    تشايلدش غامبينو
لم تكن حفلة مغني الهيب هوب، تشايلدش غامبينو (هو الاسم المستعار للممثل والمغني دونالد غريفورد الصاعد بقوة في عالم الهيب هوب الأميركي هذا العام)، ضمن مهرجان "كوتشيلا"، مثل الحفلات الأخرى التي يستضيفها المهرجان الأضخم في الولايات المتحدة من حيث الإنتاج والعروض. فلم يعتمد المغني على مئات الراقصين كما حصل العام الماضي، كما أنه لم يستعن بقدرات التكنولوجيا الإبهارية من تأثيرات وتقنيات، بل قرر اتخاذ نمط مختلف من العروض لا يضعه أصلاً في منافسة مع الآخرين، ويمكنه من خلاله تكريس موقعه النقدي تجاه السائد الذي يعتبر بمثابة هوية فنية يرتكز عليها الفنان في أعماله المصورة وأغانيه.

بدأ صاحب This is America الحفلة بالطلب من جميع الموجودين إطفاء هواتفهم المحمولة لأنهم موجودون في "كنيسة هو كاهنها، وعليهم التقيد بقوانين المكان". سبب منع التصوير، لم يكن فقط انزعاجه من الظاهرة التي غيرت أساليب المشاهدة في السنوات الماضية، مع تحويلها الجمهور إلى مجموعة من النقاط المضيئة والمزعجة، بل أيضاً لإجبار الموجودين على الإنغماس في ما يشاهدونه، ومنعهم من التشتت والإنشغال بكاميراتهم، تمهيداً لفرض كاميرا واحدة مهيمنة تحتكر التوثيق البصري لما يحدث، وتلاحق المغني أينما ذهب على المنصة وتعرض على شاشات ضخمة خلفه أدق تفاصيله وتعابيره بشكل مضخم. 
ظاهرة التصوير المفرط في الحفلات، ليست محصورة في "كوتشيلا"، بل تنطبق على جميع العروض المهمة، إلا أنها تكتسب معنى إضافياً في مهرجان يطلق عليه البعض من أجل السخرية اسم "مهرجان السيلفي" لأنه الأغلى في الولايات المتحدة (تبدأ أسعار البطاقات بـ450$)، ولا ترتاده سوى فئة معينة، يريد أفرادها أو الطامحون للوصول إليها، تأكيد تواجدهم في المكان وإعلام متابعيهم بذلك. ويمكن رؤية التصوير أيضاً استهلاكاً إضافياً للحفلة، تصبح فيه الكاميرا بمثابة حاسة جديدة يستقبل من خلالها الجمهور ما يحدث أمامه، وتضاف إلى الحواس الأخرى التي يرى ويسمع من خلالها.


قال غامبينو، الحائز أربع جوائز "إيمي" هذا العام عن أغنية واحدة، لتبرير طلبه إطفاء الهواتف، أن ما يقدمه ليس حفلة موسيقية، بل تجربة فنية يجب الإحساس بها و"إن كنتم تريدون سماع الأغاني يمكنكم فعل هذا في منزلكم". والحال ان تراجع أهمية الغناء الحي في هذا النوع من الحفلات، أصبح حقيقة معترفاً بها، منذ رواج الفيديو كليب وتفضيل مشهدية الرقص والعروض البصرية والضوئية التي كرست عدم مبالاة عند الجمهور بالصوت الذي أصبح يُستبدل بـPlayback، لكن طبعاً لن يجاهر بهذا سوى فنان من نوع غامبينو، يعرف جيداً أن الحقائق الصادمة تبيع وتلائم الصورة التي يبنيها عن نفسه.

أصبح المكان، وفق تعليق ساخر لأحد الموجودين، شبيهاً بالسينما: أكثر ظلمة بعد إطفاء الهواتف، وتوجُّه انتباه الموجودين نحو الشاشات الضخمة. ومع أن الإختلاف عن السينما هنا هو حصول الحدث مباشرةً أمام الجمهور، إلا أن الشاشات تعطي معنى آخر لما يحصل، مع تغير زوايا التصوير والتأثيرات البصرية والمونتاج المباشر. لذلك لم يكن تشبيه ما يحصل، بالسينما، بعيداً من الحقيقية. ارتكز العرض حول شخصية المغني في This is America، التي شكلت صدمة للجمهور عندما عرضت للمرة الأولى. الأغنية عادية باعتراف نقاد عديدين، وما أعطاها الدفع والشهرة كان الفيديو والرقصات المرافقة (تحولت بعض الحركات إلى تريند لا يزال ساري المفعول حتى اليوم)، والمشاهد الصادمة والمتناقضة عما يحصل في أميركا من قتل جماعي. لذلك بدا غامبينو أنه يمدد ما حصل في الفيديو كليب، إلى الحفلة، حيث أعطى الجمهور جرعات من الشخصية المتمردة التي أتت للإنتقام من المتاجرين بقضايا السود، مقدماً نموذجاً يتراوح بين القسوة التي يُعرف بها سلوكياً، والنعومة التي تظهر في الأداء الغنائي، لاعباً على التناقض هذا من أجل نقد الذكورية الطافحة في عالم الراب (والتي استكملها من خلال اعترافه بالإصابة بالعجز الجنسي في إحدى فترات حياته!).


من الأفعال الأخرى التي قام بها غامبينو في المسرح، لخرق الصورة المعتادة عن هذه العروض، هو إشعاله سيجارة حشيش خلال استراحة امتدت خمس دقائق، مع أحد الموجودين بين الجمهور (أتت أيضاً كحركة احتجاجية موجهة ضد صاحب المهرجان الذي يعمل على إلغاء تشريع الحشيش)، ونقلتها الكاميرات بشكل مباشر، بالإضافة لرفعه مرآة كبيرة أمام الجمهور في بداية الحفلة، لتأكيد حقيقة أن ما يشاهده هؤلاء على المسرح هو "أنفسهم"، وما يتكلم عنه في أغانيه موجود في كل منهم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها