آخر تحديث:12:05(بيروت)
الثلاثاء 16/04/2019
share

أساطير نوتردام

المدن - ثقافة | الثلاثاء 16/04/2019
شارك المقال :
  • 0

أساطير نوتردام الشاهد والمشهد
يزخر تاريخ كاتدرائية نوتردام في باريس، التي لحقت بها خسائر فادحة بسبب الحريق الذي وقع أمس، بالكثير من الأحداث والحكايات والأساطير، وتعدّ تراثاً إنسانياً نادراً، وتاريخاً حافلاً بالمعاني..

"نوتردام" أجمل معلم تاريخي وسياحي على ضفاف السين، ونقطة التقاء في العاصمة الفرنسية، يجلب آلاف السواح المذهولين بدقة بنائه وجمال تصميمه الذي استمر قروناً من الزمن. زيارتها ليست عابرة، في موقعها وتصميمها جاذبية للصورة وللنظر، ويمثل مبناها تحفة العمارة القوطية التي سادت من القرن الثاني عشر وحتى بداية القرن السادس عشر، وعرفت باسم "ايل دوزانس".

وقبل 860 عاماً، حين تولى موريس دو سولي، منصب أسقف باريس، كانت في ذلك الموقع، كاتدرائية صغيرة على الطراز الروماني لم يرها الأسقف كافية لأعداد المسيحيين المتزايدة، فأمر ببناء كاتدرائية جديدة، ضخمة وشاهقة. في العام 1163، وضع حجر الأساس ولم يكتمل البناء إلا بعد نحو قرن من الزمان، لتصبح إحدى تحف العمارة القوطية الفرنسية.

وشيدت كاتدرائية نوتردام في مكان بناء أول كنيسة قديمة، وهي "بازيليك القديس استيفان" والتي كانت بدورها مبنية على أنقاض معبد جوبيتير الغالو الروماني. والنسخة الأولى من نوتردام كانت كنيسة بديعة، بناها الملك شيلدبرت الأول، ملك الفرنجة وذلك في العام 528م، وأصبحت في القرن العاشر بشكلها القوطي. وترتفع قبة الكنيسة 33 متراً، واستهلكت 1600 شجرة في بناء سقفها. وتشرف واجهتها على ساحة فسيحة تحمل اسم البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، حيث يحتشد الزوار والسياح في الساحة لتأمل الواجهة المزينة بعشرات المنحوتات.

الشيطان
تضم الكاتدرائية تماثيل مختلفة منحوتة، بعضها غريب وبشع، وبعضها بالأجنحة، وهي موجودة على الجدران والأجزاء العلوية للكاتدرائية إلى جانب تماثيل الملوك، ما يدعو إلى التساؤل، إذ يفترض بهذه الأماكن المقدسة ألا تحتوي على مثل هذه المنحوتات التي هي عبارة عن وحوش خرافية قيل "إنها تستيقظ ليلاً" بحسب الروايات الشعبية. وعرض تقرير في إحدى القنوات الفرنسية، من داخل كاتدرائية نوتردام، منحوتة لها قاعدة على شكل امرأة جاحظة العينين وفارغة الفاه وشعرها يتطاير من كل جانب. وقال التقرير إن منحوتات كهذه موجودة في كل زوايا الكاتدرائية وتذكّر بأن الشر موجود في كل مكان.



والمنحوتة الأشهر هي "الغراغول" وتعني "ذو الأجنحة"، من غير المفهوم تماماً إن كانت تمثل شيطاناً أو خرافة أو خيالاً فنياً صنعه مبدعون. وظهرت أسطورة فرنسية، العام 641م في مدينة روان، تحكي عن وحش يسمى غراغول، طويل الرقبة، ظهر في ذلك العام ويتغذى على دماء المخلوقات ويقتل ويشوّه الماشية، وهذا ما ينطبق إلى حد ما، شكلاً أو حتى اسماً، مع هذه المنحوتات الفريدة. وثمة من يقول إن تلك التماثيل نحتت لذلك المخلوق المخيف لطرد الأرواح الشريرة، ويقول أصحاب هذا الرأي أن تلك التماثيل عندما نحتت في القرون الوسطى، اعتاد المهندسون المعماريون استخدام الغراغول في التصاميم الفنية للكنيسة لنقل رسائل إلى عامة الناس أو هي مزاريب الغموض، وكانت الصور أفضل وسيلة لنقل الأفكار. ومع ذلك ينظر بعض رجال الدين في القرون الوسطى إلى الغراغول كشكل من أشكال الوثنية، فقال زعيم كنسية نوتردام آنذاك، والذي كان يدعى سانت برنارد: "علينا أن نستحي وأن نخجل من وضع هذه السخافات في هذا المكان".

وبحسب الأسطورة الشائعة، وقت بناء الكاتدرائية في القرن الـ13 وفي ورشة البناء، كان هناك صانع أقفال متدرب وكان شاباً موهوباً يدعى ديسكورنيه، كُلّف بمهمة تلبيس أبواب الكنيسة بالحديد. وفي ليلة واحدة فقط، استطاع الشاب نييه إنجاز تحفة فنية لأبواب الكاتدرائية، فجودة المفاصل والأجزاء المعدنية مازالت تبهر الزوار وتحير المتخصصين، والأكثر إثارة للحيرة هو أن ديسكورنيه، وبعد انتهائه من العمل تلك الليلة، توفي مباشرة في سريره إثر تشنجات. وبحسب الأسطورة، فإن روحه قد سلبها الشيطان الذي صنع أبواباً فنية مقابل روح إنسانية...

فيكتور هوغو  
لعلّ الحكاية الأكثر شهرة هي تلك المتعلقة بقصة الحب المستحيلة، والتي تدور أهم أحداثها في الكاتدرائية، بين الأحدب "كوازيمودو" والغجرية "إزميرالدا"، أي الرواية التاريخية للكاتب الفرنسي فيكتور هوغو "أحدب نوتردام". فقد اتخذ هوغو دائماً موقفاً ضد الظلم وغياب العدل، وأنصت لأصوات الضعفاء. فظاهرياً، وقع الأحدب "كوازيمودو" في حب شابة جميلة، محاولاً التضحية بحياته مرات عديدة من أجلها، وبدا أنه حب رجل لامرأة وارتفع الكاتب بمستواه بالقدرة على التصوير. لكن الواقع أن الأحدب، بعاهته وعرضته للنكران والقمع، وقع في حب دفء الجمال الإنساني الذي لطالما حُرم منه، والموجود أيضاً في أعماقه. جمال ظهر أمامه في صورة امرأة، عطفت عليه ولم تسخر من عاهته أو تشوّه جسده، وهو أكثر من مجرد حب رجل لامرأة. كان هدف تضحياته من أجلها، إبقاء هذا الجمال الإنساني في الحياة، فلا يحرم الوجود منه. لقد أدرك أن فناء جسده القبيح يعنى استمرارية أعماقه الإنسانية الجميلة. لقد ظل أحدب نوتردام قابعاً خلف جدران الكاتدرائية، منعزلاً عن العالم، عاجزاً عن أي اتصال خارجي، كرمز لعاهة تبعده عن العالم، وكاتهام لمجتمع يعزل العاهة ويخفيها ويحتقر الضعيف وينهش المحرومين. وتتحكم في ذلك كله، المنظومة الحاكمة التي حولت الأحدب إلى كيان منعدم وعاجز عن الفعل، حتى أتت شرارة الحب لتحدث التغير وتعطيه القدرة على تغيير مجرى الأحداث، وتصبح القوة في أيدي المُتحكَّم فيهم، ليتفوق أحدب نوتردام على الجميع بأن يصبح أفضل منهم.

"كوازيمودو" أحدب لقيط، قبيح المظهر، ابن عائله غجرية أتت إلى نوتردام بهدف السرقة، ولما اكتُشف أمرهم وهربوا، بقي "كوازيمودو" ليربيه القس في كنيسة نوتردام، الدوق كلود فرولو، حتى يدربه ليكون قارع الأجراس في كاتدرائية نوتردام. وفي أواخر العصور الوسطى في باريس، اختير "كوازيمودو" ليكون زعيم المهرجين في احتفال سنوي يسمى "احتفال المهرجين" وهذا ما لم يرده سيده، إذ أراده أن يقضي بقية عمره في الكنيسة وألا يظهر أمام الناس بسبب مظهره القبيح. وكانت الفتاة الغجرية إزميرالدا من الشخصيات المهمة في احتفال المهرجين، واكتسبت إعجاب الناس برقصها المغري، ولاحقها الرجال، ومنهم فرولو الذي يفشل في جذبها إليه، فيحاول أن يمتلكها بالعنف والاغتصاب.

عندما أصدر فيكتور هوغو، روايته، كانت كاتدرائية نوتردام مهددة بالانهيار، وقد سرّع نجاحها وانتشارها الإجراءات الإدارية التي أدت إلى ترميمها، وإن كان مصير الحبيبين في الرواية ليس سعيدا، فإنه في الواقع أنقذ الكاتدرائية من الخراب. استطاع هوغو أن يصل بروايته إلى أعلى مستويات الوصف...

أحداث
وشهدت كنيسة نوتردام العديد من الأحداث التاريخية المهمة. ففي العام 1185، دعا هيراكليوس قيسارية إلى الحملة الصليبية الثالثة من الكاتدرائية التي لم تكتمل.

وفي العام 1239، وُضع "تاج الأشواك" في الكاتدرائية سانت لويس، أثناء تشييد سانت-شابيل.

وفي خضم الحروب الدينية التي شهدتها فرنسا في القرن الـ16، ووسط التوترات بين الكاثوليكيين والبروتستانت، تعرضت تماثيل في الكنيسة للإتلاف على أيدي البروتستانت، الذين عرفوا باسم الهوغونوتيون، ونهبوا الكاتدرائية واعتبروا تلك التماثيل أصناماً تُعبد وتستحق التدمير.

خلال الثورة الفرنسية، وفي العام 1793، قام رعاع الثورة بتدمير الكثير من الكنوز، وحطموا رؤوس تماثيل لم يعثر عليها الا في العام 1977.

في نهايات القرن الـ18 وخلال أحداث الثورة الفرنسية، نُهبت الكاتدرائية من جديد، لتظل بعد ذلك مهملة إلى أن استولى نابوليون بونابرت على السلطة.
 

 
على مذبح نوتردام، أطلقت الكاتبة المكسيكية أنتونيتا ريفاس ميركادو، رصاصة على رأسها من مسدس عشيقها خوسيه فاسكونسيلوس، وماتت على الفور في 11 فبراير 1931.

ومع أحداث الحرب العالمية الثانية، تعرضت الكاتدرائية لأضرار قليلة، إبان عملية تحرير باريس من أيدي النازيين. وأقيم في كاتدرائية نوتردام، قداس خاص، في ثاني أيام تحرير العاصمة، في حضور الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول.

وفي هذا المذبح أيضاً، في العام 2013، وأمام حشود الزوار، أطلق المؤرخ الفرنسي دومينيك فينر الرصاص على رأسه، ومات.

في 8 سبتمبر 2016، عثرت الشرطة الفرنسية على سيارة محملة بالمتفجرات في مرآب الكاتدرائية، وكانت معدة للتفجير. وفي فبراير 2017، اعتقلت الشرطة أربعة أشخاص يقال إنهم أصوليون إسلاميون، بينهم فتاة في السادسة عشرة من العمر، بتهمة محاولة تفجير تلك السيارة.

وتحتوي الكنيسة، المدرجة منذ العام 1991 في لائحة التراث العالمي، على مئات اللوحات الفنية والقطع الأثرية. ويزور الكنيسة الباريسية 12 مليون زائر سنوياً، والدخول مجاناً استناداً الى اتفاقية بين الدولة والسلطات الكنسية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها