آخر تحديث:14:05(بيروت)
الإثنين 15/04/2019
share

عندما سَرَقْتُ كانط

طارق أبي سمرا | الإثنين 15/04/2019
شارك المقال :
عندما سَرَقْتُ كانط إيمانويل كانط بريشة تمارة فاخوري
دخلْتُ المكتبةَ مُرْتَعِباً مُتَعَرِّقَ الكَفَّيْن، عازماً على سرقة "نقد العقل المحض" لكانط. كنتُ أودّ لو ينتهي الأمرُ بلمح البصر. لو أستطيع، مثلاً، الركضَ بأقصى سرعتي نحو القسم الذي سبق أن رأيتُ فيه الكتابَ، فأنتشله من موضعه وأعود أدراجي بالسرعة إياها لأَخرُجَ من المكتبة وأصلَ أخيراً إلى برّ الأمان. أو لو يمكنني، على العكس تماماً، العدولَ عن قراري: أغادر المكانَ بلا الكتاب، أو أشتريه، إذ كان في محفظتي ما يفوق ثمنه. لكني كنتُ قد صمّمتُ على الإثبات لنفسي أني لست جباناً. 

كنتُ في السابعة عشرة، وأكترث لمثل هذه الصفات. وكان التخاذل، بعدما صرتُ في المكتبة، سيودي بي إلى خِزي أبديّ. لذا ربطتُ جأشي وأمسكته، وسرتُ قدماً، بطيئاً بطيئاً، كي لا تشرع ساقاي في الركض في غفلة منّي.

تردّدت عندما أصبحتُ مُقابل الرَّفِ مُحدِّقاً في "نقد العقل المحض". الفرنسيون يستسيغون كُتُبَ الجَيْب: كانت تلك الترجمة لمؤلَّف كانط، تُشبه قزماً بلغ مِن السُّمنة حدّاً لا يُعقَل. ليس هذا كتاباً وإنما حَجَرٌ اقتُلِعَ من رصيف!، فكَّرْت. لا أعلم لماذا لم أنتبه كم هو سميك في المرات الكثيرة السابقة التي رأيته فيها، ولا لماذا لم أُعدِّل توّاً خطَّتي فأسرق بدلاً منه "نقد العقل العملي" النحيف والرشيق، المُلاصق له على الرَّف. مهما يكن من أمر، بقيت واقفاً في مكاني، مُتظاهراً بتَصفُّح كتابٍ تلو آخر، ومنتظراً اللحظة المُناسِبة.

كانت المكتبةُ خاليةً من أيّ زبون سواي. أمّا الموظّفون القليلون فكانوا يتحادثون بعيداً منّي. كلُّ لحظّةٍ راحت تبدو مواتيةً، لكن بعد انقضائها. هكذا انبسط أمامي بحرٌ من الزمن كلُّ موجةٍ من أمواجه لحظةٌ مواتيةٌ، فلم أعرف في أيٍّ منها أغوص. شَعَرْتُني أنفصلُ عن الزمن فيما خفقات قلبي آخذة في التسارع. فجأةً، رأيتُني شخصاً آخَر يقوم بحركاتٍ آليّة كأنّما لستُ أنا بفاعلها: أُمسِكُ الكتاب، أفتَحُه، أتصفَّحُه، أخبِئُه تحت الـ"تي شيرت"، بين خصر "الجينز" والبطن، مُبتلعاً معدتي إلى أقصى حدٍّ، ثم أستدير وأباشرُ السَيْرَ نحو المدخل بخطًى واثقة وئيدة.
عندما صرتُ في الخارج، على مسافة من المكتبة، توقّفت مقابل جدارٍ، ظهري إلى الشارع، وسحبت غنيمتي من تحت الـ"تي شيرت". ثم أرخيتُ معدتي وتابعت سيري ممسكاً الكتاب بيدي. وحينما أشعلتُ سيجارة، غمرتني نشوة النصر. 
مراراً حاولت عبثاً قراءة "نقد العقل المحض"، فلم أفلح في ذلك إلّا بعد سنوات ست من سرقته.

***
هذا ما أتذكّرُه، أو الأحرى ما أتخيُّل أنّني أتذكّره. لقد رويتُ هذه الحادثة لنفسي مراراً حتّى غدت قصّةً مُعلَّبةً جاهزةً للسرد الفوري، مثل نصٍّ حُفِظ عن ظهر قلب فصار يمكن استظهاره أصواتاً بلا معنى، لا تَستحْضِر أيَّ صورةٍ في الذهن. لكن إذا تأمَّلتُ الآن في تلك الذكرى البعيدة، ولم أكتفِ بمجرّد استعادتها آليّاً، أبصرُها ضبابيّةً مليئةً بالثغرات. وأوّل ما لم أعد مُتيقّناً منه هو ما إذا كان حقّاً كتاباً لكانط ذاك الذي سرقته يومذاك؟ فلَربّما هو لِمؤلِّفٍ آخَر. 
إنْ كنتُ في الحقيقية سرقتُ كتاباً آخَر، فما الذي يفعله كانط في قصَّتي كما ترسَّخَت في ذهني؟ أعتقد أنه دخل إليها مِن الباب نفسه الذي تدخُل منه عناصرُ مُختَلَقَةٌ كثيرةٌ إلى الذكريات: كذبةٌ طفيفةٌ نُزيِّن بها حادثةً ما فيما نرويها على مسامع آخرين، وينتهي الأمر بنا إلى تصديقها بعدئذٍ. 

أظن أنّ كانط اقتحم حكايتي، وأصبح جزءاً لا يتجزّأ منها، منذ سَرَدْتُها لأحد أصدقائي. أذْكُرُ تماماً أنني قلتُ له آنذاك أنني سرقتُ "نقد العقل المحض". ولعلّني ابتدعتُ ذلك التفصيل الصغير تباهياً بسماكة مؤلَّف كانط أمام صديقي المواظب على نهب المكتبات، وتالياً بخطورة عمليّة السَّطْو الوحيدة التي كانت في رصيدي. فكأنني كنتُ آمل أن تُضاهي ضخامة الكتاب العددَ الكبير من الكُتبِ الهزيلةِ التي اختلسها صديقي. وربما أردتُ أيضاً إبهاره بالمُفارقة الكامنة في سرقةِ كتابٍ لفيلسوفٍ بلغت صرامتُه الأخلاقيّةُ حدَّ اعتباره جريمةً أن تكذِبَ على قاتلٍ يُطاردُ شخصاً ويسألُكَ ما إذا كان ذلك الشخص مُختبئاً في دارِك.

كان صديقي قد بدأ يَدرُس الفلسفة في الجامعة، ففطِن توّاً لتلك المُفارقة وانفجر ضحكاً. أعجبته قصَّتي كثيراً، فصار يُردِّدها على مسامع آخرين عندما أكون برفقته.

***
لكن، إذا كان عنوانُ الكتابِ في حكايتي مُختَلَقاً، فذلك ينسحب على أمور كثيرة أخرى: سماكة الكتاب، اضطراري أن أبتلع معدتي لإخفائه، وإبصاري "نقد العقل العملي" إلى جانبه على الرّف. وماذا أيضاً؟ ربّما كلّ شيء، الحكاية كلها.
أتذكّر تلك الحادثة على نحوٍ مُجَرَّدٍ يخلو من أيّ عُنصُرٍ حِسيّ ينبض بالحياة، تماماً مثلما قد أتذكَّر معلومةً تاريخيّة أو علميّة قرأتُها في كتاب أوّ مجلّة. لعلّني، إذاً، ألَّفْتُ الحكايةَ من ألفها إلى يائها وأنا أقصُّها على صديقي طالب الفلسفة، فراقت لي لسبب ما وتحوَّلت من كذبة إلى ذكرى. راقت لي، على ما أظنّ، لأنها لخَّصت صورةً عن نفسي كنتُ يومذاك أسعى إلى تكوينها مُتأثِّراً بما فهمته، ربّما خطأً، من بعض نصوص نيتشه: صورةُ المُثقَّفِ اللاأخلاقي، ذاك الذي يستطيع، مثلاً، أن يجمع بين متناقضَيْن، هما قراءة كانط وسرقة أحد مؤَلَّفاته.
لا أعتقد أنني أصبحت أكثر أخلاقيّة الآن، لكنني لم أعُدْ مفتوناً بتلك الصورة، بل حتّى أنني صرتُ أراها مثيرة للشفقة. لا أستسيغ المُراهقَ الذي كُنْته. أعجز عن فهمه وأجد أحلامه تافهةً مُضحِكة. ولعلّ سبب هذا المقت أن كثيراً من ذلك المُراهق لا يزال حيّاً فيّ. تماماً مثل تلك الذكرى التي لم أدرك أنها مُلفَّقة على الأرجح، إلّا بعدما باشرتُ سردها كتابةً.

لكراهية الذات أسبابٌ شَتَّى، ربّما أحدها حدسنا المُبهَم والمُتقطِّع أنّ جُلَّ ما يؤَلِّف ذاكرتنا وهويتنا مجموعةُ أكاذيبٍ وتلفيقات.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها