آخر تحديث:12:27(بيروت)
السبت 13/04/2019
share

"وردة" غسان سلهب: روحانيات لوكسمبورغ.. هرباً من الخيبة

حسن الساحلي | السبت 13/04/2019
شارك المقال :
  • 0

  • "وردة" غسان سلهب: روحانيات لوكسمبورغ.. هرباً من الخيبة
    روزا
  • تتقاطع خيبات جيل المخرج مع خيبات لوكسمبورغ.
    تتقاطع خيبات جيل المخرج مع خيبات لوكسمبورغ.
يصادف هذا العام، مرور قرن على اغتيال اليسارية روزا لوكسمبورغ التي عرفت بمواقفها الداعمة لشعوب العالم الثالث وآرائها المتقدمة عن زمنها في ما يخص علاقة الشيوعيين بالديموقراطية. لكن قليلاً ما يضاء جانب آخر من فكرها لا علاقة له بالسياسة، وهو جانب إنساني وروحاني يظهر بشكل خاص في مجموعة رسائل كتبتها بين العامين 1917 و1918، عندما كانت داخل السجن، وذلك قبل عام واحد من مقتلها على أيدي ميليشيات تابعة للحكومة الألمانية إثر فشل الثورة التي شاركت في قيادتها في العام 1919. 

يعتمد المخرج اللبناني غسان سلهب، الآتي من خلفية يسارية أيضاً، على رسائل لوكسمبورغ ليقدم فيلماً (عرض ضمن فعاليات أيام بيروت السينمائية) يبدو في بعض أجزائه استمرارية لهذه الرسائل، ومعادلاً بصرياً لـ"الشغف بالحياة" الذي تظهره من خلالها. صوّر الفيلم في مدينة برلين حيث عاشت لوكسمبورغ وقتلت، منطلقاً من الجسر الذي رميت منه جثتها والأمكنة المحيطة به، في رحلة تعكس فلسفة لوكسمبورغ عن الحياة، التي "لا تتمركز حول الإنسان كما عوّدتنا الإيديولوجيات وأكثرية الأديان، بل التي ترى الإنسان كجزء متناغم مع العالم".

منذ المشهد الأول، يحاول الفيلم رؤية العالم بعيني لوكسمبورغ، حيث يظهر النهر متحركاً ببطء، مع خلفية صوتية تبدو آتية من مصدر واحد، لكنها لا تلبث أن تتبعثر تدريجياً لعشرات الأصوات مع تعدد المشاهد والعناصر البصرية. تتنوع الأصوات بين طبيعية الأشجار والحيوانات المختلفة، أو اصطناعية تخص الإنسان وأدواته وآلاته، في رحلة يختلط فيها حب الطبيعة بالحذر من الشر الكامن فيها، مع خلفية روحانية تعكسها أصوات كنسية متسربة من مكان بعيد. 


تقدم رسائل لوكسمبورغ حكايات ومشاهد من عوالم الحيوان التي تتفاعل مع بعضها ومع الإنسان، في "جانب لغوي بقوة بصرية" عززها لا بد الظرف الذي كتبت فيه من داخل السجن. تعكس الرسائل رغبة عارمة في الحياة عند لوكسمبورغ، حتى من خلف الجدران المرتفعة، وتصل أحياناً حد الإبتذال. تقول في أحد المقاطع: "أريد أن أصرخ من وراء الجدار. أرجوكم انتبهوا إلى هذا النهار الرائع، حتى لو كنتم على عجلة من أمركم، منهمكين بانشغالاتكم الطارئة لا تنسوا أن تتوقفوا للحظة وترفعو رؤوسكم إلى أعلى وتختلسوا النظر إلى السحب الضخمة والمحيط الأزرق الذي تسبح فيه".

لا يمكن فصل الرسائل التي كتبتها لوكسمبورغ عن السياق الزمني الذي حدثت فيه. فيمكن رؤيتها كهروب من الحرب التي حدثت للمرة الأولى بهذه الضخامة، من حيث الدمار وأعداد القتلى. كما يمكن رؤيتها كهروب من الفشل الذي أصيبت به الثورة في ألمانيا التي عادت وقتلت لوكسمبورغ بسببها. لذلك تبدو الرسائل أحياناً تراجعاً ميلانكولياً عن عوالم السياسة وخيباتها، لكن مع الإقرار بضرورة "التفكير مجدداً في الطريقة التي يجب أن نعيش فيها حياتنا... لأننا لم نخسر بعد كل شيء". يستعير الفيلم كلمات صامويل بيكيت: "لا أستطيع الإستمرار. أستطيع الإستمرار." (I can continue, I cant continue).  

يقول سلهب إنه لم يصنع فيلماً عن روزا لوكسمبورغ، بل "من خلالها"، مستخدماً الصدى الذي خلقته المرأة بعد غيابها، من مواد فنية ومقاطع شعرية لأشخاص تأثروا بها، من دون الإعتماد على المواد الأرشيفية. ينتقل الفيلم في منتصفه تقريباً إلى لبنان، وتحديداً إلى إحدى غابات الجبل، حيث تقرأ تاتيانا دحدح مقاطع لوكسمبورغ، وتدندن أغنية لبريخت كتبها بعد عام من مقتلها، تدعو للسير على خطاها وعدم التوقف عن القتال. لكنها تغنّيها بهدوء بعيداً من الحماسة التي تتسم بها الأغنية الأصلية لتصبح أقرب إلى النحيب، حيث تعيد الجملة نفسها عشرات المرات، مذكّرة بمقطوعة فريدة للموسيقي المعاصر غافن برايرز، ترتكز على جملة واحدة يعيدها رجل عجوز أكثر من ساعة، وتُعرف بتأثيرها في الجمهور الذي يصل حد البكاء. 


تتقاطع خيبات جيل المخرج، مع خيبات لوكسمبورغ. خيبة الأول تتجلى في المقاومة الفلسطينية التي رآها بعض الشيوعيين اللبنانيين بوابةً لثورة تحرر المجتمع والشعوب العربية، وتأخذ حيزها الخاص من الفيلم. أما الثانية، فخيبتها هي زوال العالم الذي كانت تعيش فيه، والفشل الذي باءت به ثورتها الخاصة. ترتبط لوكسمبورغ بخيوط خفية بالحدث اللبناني الذي أخذ اهتمام يساريين أوروبيين متأثرين بها، منهم غودار الذي صور الفدائيين في أحد أفلامه، واستعار سلهب المشهد ليكون صلة وصل بين العالمين. الصدى الآخر الذي نسمعه في الفيلم يأتي من الستينات والسبعينات أيضاً، وهي الفترة التي ينتمي إليها المخرج بلا شك، سياسياً، وسينمائياً. المغنية هذه المرة هي نيكو، التي لا تقل ثوريتها عن ثورية لوكسمبورغ، من النواحي السياسية أو الفنية. أما الأغنية فهي النشيد الألماني الذي أثار سخط الجمهور عندما رددته نيكو للمرة الأولى، بسبب ارتباطه بالأذهان مع المرحلة النازية، مع أنه يعود لزمن سابق عليها. أهدت نيكو هذه الأغنية، لشخصية ثورية من ألمانيا عرفت خلال تلك الفترة في منظمة بادر ماينهوف، ويمكن رؤيتها كجزء من "الصدى" الذي تركته لوكسمبورغ بعد موتها، وأحد القواسم المشتركة بين أجيال الثوار اللبنانيين والفلسطينيين والألمان، والتي تبنت أحلاماً كبيرة وواجهت أنظمة راسخة يمكن مقارنتها بأنظمة اليوم التي يواجهها جيل جديد من الثوار العرب الذين يعيشون فشلهم الخاص أيضاً، والذي لا يقل فداحة عن فشل الجيلين السابقين.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها