آخر تحديث:13:30(بيروت)
الأربعاء 10/04/2019
share

محمد الفولي لـ"المدن": مشروعي تعريب أدب كرة القدم.. و"المتتالية"

أحمد شوقي علي | الأربعاء 10/04/2019
شارك المقال :
  • 0

محمد الفولي لـ"المدن": مشروعي تعريب أدب كرة القدم.. و"المتتالية" "لدي قناعة بأني مترجم جيد"
يشبه المترجم المصري، محمد الفولي، في هيئته، الملاكم، ولا يختلف أداؤه كثيرًا عن لاعب يرتكن الحلبة، يتلقى ويسدد الضربات بلا هوادة، وإن كان يتفوق على الأخير في امتلاكه طاقة لا تخور بعد انتهاء المباراة. في العام 2016 قرر المترجم -الذي تخصص في الترجمة الصحافية عن الإسبانية، وعمل بها ما يزيد على عشر سنوات- الاتجاه إلى الترجمة الأدبية، وبداية من مطلع 2018 وحتى اليوم، أصدر 8 ترجمات(*)، متنوعة ما بين الرواية والقصة وأدب الرحلة والكتب النوعية، تدور في غالبيتها حول كرة القدم، مدشنًا سلسلة أدبية جديدة عن دار "مسعى" البحرينية متخصصة في ذلك الأدب وحده تحت عنوان "صافرة".

الرحلة التي تظهر شاقة ومليئة بمتاعب النشر، لا تبدو طويلة رغم ذلك لمترجم أنجز هذا الكم  من الترجمات اللافتة، قبل أن يعقبها بإصدار مجموعته القصصية الأولى "تقرير عن الرفاعية"، خلال فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته من العام الجاري. وهي مجموعة قصصية أكثر ما يلفت فيها، أنها لم تبد متأثرة، في لغتها أو عوالمها، بالأدب اللاتيني الذي أمضى الفولي (مواليد 1987) ثلث عمره تقريبًا في التعاطي معه، وإن كانت رغم ذلك غير مبتعدة في فلسفتها العامة عما طرحه عدد من الكتاب اللاتين، بداية من اسم المجموعة الذي استقاه الفولي من "إرنستو ساباتو"، ومروراً بعدد من القصص التي تشبه في بنائها واستراجيتها ما صنعه بورخيس في قصته "طليُن، أوقبار، أوريس، تيرتيوس"، التي تتبع خلالها قصة إحدى المفردات التي وقعت عليها عينه في موسوعة دائرة المعارف الأنكلو –أميركية، وهو البحث الذي يقوده لاكتشاف عالم طُلين الخيالي. ولا تختلف رحلة الفولي عما قام به الكاتب الأرجنتيني، أثناء البحث عن السبب وراء اطلاق اسم "المطرية" على الحي القاهري العريق الذي يعود تاريخه إلى الدولة الفرعونية.

ينطلق الفولي في مجموعته الأولى، من معرفته الذاتية، فهو بطل القصص جميعها، ومعه أفراد عائلته وأصدقاؤه القدامى، لكنه يعيد إنتاج ذكرياته وما مر به من أحداث، وفق إطار تخيلي لا يخلو من غرائبية وسخرية.

عن رحلته مع الترجمة ومجموعته القصصية الأولى، كان لـ"المدن"، مع محمد الفولي هذا الحوار...

- خلال فترة قصيرة لا تتجاوز العامين، أصدرت 8 ترجمات، كيف حدث ذلك؟

الأرقام قد تكون أحيانًا خادعة، إذا لم توضع داخل إطارها الحقيقي. صحيح أن ترجمتي الأولى وهي كتاب "الشرق يبدأ في القاهرة"، قد صدرت مطلع العام الماضي، والأخيرة وعنوانها "استسلام" في فبراير 2019، لكن مغامرة خوض غمار الترجمة الأدبية بدأت في 2016 واستغرقت المسألة عامين لكي ترى ترجمتي الأولى النور في 2018. دعني أخبرك أنني خلال 2016 قد ترجمت كتابين آخرين، بخلاف "الشرق يبدأ في القاهرة". فعلتها من دون الاتفاق مع أي دار. الترجمة من أجل الترجمة، من أجل حب الترجمة وممارستها. ما أقصد قوله هو إن نقطة البداية كانت في 2016 وفي فترة ثلاثة أعوام، ترجمت ثمانية كتب وألفت كتابًا، بواقع ثلاثة أعمال في كل عام، وهو رقم أراه جيدًا ومعقولًا، أما تتالي الإصدارات في فترة قصيرة مدتها عام وأربعة أشهر فجاء بالصدفة وكنتيجة حتمية للمجهود المبذول في الأعوام الثلاثة السابقة، خاصة ذلك الأول.



- يحرص الأديب عادة على ترك مسافة زمنية بين نشر أعماله، وهناك من يمنح نفسه استراحة بين صدور عمله وشروعه في كتابة نص جديد، كمساحة تمكنه من تقييم نصه بصفة شخصية وتلقي ردود الأفعال حوله، فكيف تسنى لك ذلك في ظل ما أصدرته من ترجمات متتابعة تفصل بينها شهور قليلة، بالإضافة إلى إصدارك مجموعتك القصصية الأولى؟

لا أجرؤ على وصف نفسي بكلمة "أديب" حتى الآن، فأن تصدر لي "متتالية"، مسألة لا تمنحني أحقية اكتساب لقب "أديب"، لكن من ناحية أخرى لدي قناعة كبيرة بكوني مترجمًا جيدًا. وانطلاقًا من هذه النقطة، فمسألة "كتابة نص جديد"، لا تنطبق بالضبط على حالتي، فما يفعله المترجم هو نقل نص موجود بالفعل من لغة إلى أخرى. المترجم لا يخلق نصًا من العدم، على عكس الأديب، بل تتوافر لديه مادة خام، هي النص في لغة المنبع، وبالمثل أدوات هي معرفته بمفردات وثقافة وأسرار لغتي المنبع والمصب، وتتمثل مهمته في استخدام هذه العناصر ليبني نصًا يوازي ويحاكي قدر الإمكان ذلك الأصلي، في كل سماته وقولبته، بما يتماشى مع لغة المصب. لم تكن ثمة نية مُبيتة لدي لتتابع الإصدرات بهذه الصورة كما أشرت، فالصدفة لعبت دورها بشكل كبير... على أي حال فغالبية ردود الأفعال التي وصلتني حتى الآن إيجابية، لكن كما الأرقام خداعة، فردود الأفعال سواء كانت إيجابية أم سلبية كذلك، والسبب هو اختلاف وتباين الذائقة من قارئ لآخر. لهذا أضع قناعاتي كأهم بوصلة أسترشد بها. أظن أيضًا أن ترجمة ثمانية كتب في خلال ثلاثة أعوام، وإصدارها في خلال عام وثلاثة أشهر، قد ساعدني كثيرًا لأطور مهاراتي كمترجم عبر التعاطي مع نصوص وإشكاليات مختلفة. إن الممارسة هي أساس أي تقدم. لا أخجل حينما أقول إنني كلما أنظر لترجمتي الأولى-وهي ليست سيئة- وأقارنها بتلك الأخيرة، أجد تلك الفوارق التي أحدثك عنها، وكله بفضل تلك المهارات المكتسبة والملاحظات التي أبداها محررون وبالمثل قراء أثق في رأيهم بخصوص انتاجي.

- ينصب اهتمامك على ترجمة نوع لم يعتَده القارئ العربي، وهو أدب كرة القدم، لماذا اخترت ذلك النوع تحديدًا، وكيف تقيّم تلقيه عربيًا في ظل ما قد تبديه "النخبة المثقفة" أحياناً من استخفاف باللعبة الجماهيرية؟

أكن معزة كبيرة لكرة القدم، ولهذا فإن ثلاثاً من أصل ثماني ترجمات صدرت لي، ترتبط بها. أعتقد أننا لكي نتحدث عن الكتب الكروية التي نقلتها إلى العربية، فعلينا الفصل بين "أدب كرة القدم" والأعمال ذات الأهداف الثقافية والمعارفية المتعلقة بها. بالنسبة إلى أدب كرة القدم، فهو شكل تتفرد به أميركا اللاتينية، وبالأخص الأرجنتين، وقد لفت أحد الأصدقاء انتباهي إلى وجوده فأخذت أتعرف على عوالمه. يتميز هذا النوع بتشعبه وحضوره في الشعر والرواية والقصة القصيرة، بل إني وجدت إسهامات لبعض الأسماء اللامعة فيه، مثل ماريو بينيديتي وبابلو نيرودا. ليس هذا فحسب، بل هو موجود أيضًا في أوروبا، إذ إن نوبل الإسباني، كاميلو خوسيه ثيلا، له مجموعة قصصية كاملة تتمحور حول كرة القدم. قد ترتبط الأعمال "أدب كرة القدم" بصورة مباشرة باللعبة، وقد تستخدمها كمنصة تنطلق منها نحو عوالم أخرى أو شؤون حياتية وسياسية وتاريخية لها ثقل أكبر، كما يظهر في مختارات "حكاية عامل غرف". لم أتعامل مع المسألة بمنطق الهواة، بل تتبعت جذورها منذ البداية، وهكذا عثرت على مصادر عديدة، من ضمنها مرجع لديفيد وود؛ أستاذ دراسات الأدب المكتوب بالإسبانية في جامعة شيفيلد، وعنوانه "كرة القدم والأدب في أميركا الجنوبية"، وساعدني كثيرًا في استكشاف هذا العالم بصورة أفضل.

بالنسبة إلى التصنيف الثاني، أو الأعمال ذات الأغراض الثقافية والمعارفية، ومنها على سبيل المثال "لماذا تلعب كرة القدم 11 ضد 11"، أو "أغرب الحكايات في تاريخ المونديال"، فهدفها الرئيس ليس القارئ النخبوي، بل دمج المعرفة بالتسلية، بصورة غير مُبتذلة. أظن أنها موجهة لفئتين هما: محبو كرة القدم من الشباب بوجه عام، والعاملون في مجال الإعلام الرياضي، فهي توفر لعشاق اللعبة مادة ربما لم تكن متاحة من قبل في المكتبة العربية للتعرف على أسرار اللعبة وكواليسها من مصادر موثوقة، وربما تدفعهم لاحقا لاستكشاف عوالم أكبر تتعلق بأحداث سياسية وتاريخية أثرت في اللعبة والساحة الدولية، كما تضع أمام العاملين في مجال الصحافة الرياضية مرجعية موثوقة لصنع محتوى أفضل.

أعتقد أن هذه الأعمال حققت نجاحاً معقولاً بين الفئات المستهدفة من عشاق كرة القدم، بصفة عامة، وبعض العاملين في مجال الإعلام الرياضي أو بعض المثقفين الذين تدخل كرة القدم في اهتماماتهم. أما بالنسبة لمسألة "النُخبة المثقفة"، فالبعض قد ثمّن المبادرة وأثنى عليها واعتبرها جريئة، في حين أن آخرين لم يتقبلوها، وهي مسألة أراها عادية لاختلاف الأذواق والقناعات.

- عادة، يحدد الناشرون عناوين بعينها للترجمة، بسبب سهولة الحصول على دعم لنشرها، أو سهولة الحصول على حقوق الملكية الفكرية الخاص بترجمتها، فكيف كانت تجربتك مع الناشر، خصوصاً أنك تختار عناوين ربما لا تتوافر فيها تفضيلات الناشر؟

التجربة لم تكن جيدة في البداية، لدرجة أن فكرة الإعراض عن الترجمة الأدبية قد دارت في رأسي، فبين الرفض التام للمقترحات، وتجاهل الرد عليها، وأحياناً -ولا أبالغ حينما أقولها- الاستهزاء بها، تنامى وحش الإحباط داخلي. أكثر ما آلمني حينها هي فكرة الرفض من دون الإطلاع حتى على عينة، فكيف يُمكن لشخص رفضَ مقترح من بابه من دون أخذ فكرة عنه؟ لم أكن أفهم حينها مسألة الدعم وأجندات الناشرين مع وكالات الحقوق الأدبية، ولهم كل الحق في الحفاظ عليها، لكن أظن أن واجبي كمترجم يمنحني أنا الآخر حق امتلاك أجندتي ورؤيتي ومشروعي والبحث عن ناشر تتوافق رؤيتنا بخصوصها. تحسنت المسألة بعد نشر "الشرق يبدأ في القاهرة" ثم تحولت إلى تجربة رائعة مع دار "مسعى"، إذ تحمس الناشر محمد النبهان للغاية لمشروعي في ترجمة كتب كرة القدم والروايات. هكذا ولدت سلسلة "صافرة"، وبالمثل بدأنا في تعريف القارئ العربي بروائيين، مثل البيروفي سانتياغو رونكاجليولو، والأرجنتيني فيديريكو جانمير، والإسباني راي لوريغا، وكلهم لهم ثقلهم حاليًا في الأدب المكتوب بالإسبانية وحصدوا جوائز دولية مرموقة، ونقلت أعمالهم إلى لغات متنوعة لم تكن العربية منها. إن مشروعي في الترجمة يرتكز أساسًا على هذه النقطة: تعريف القارئ العربي على مؤلفين يكتبون بالإسبانية لهم ثقلهم وسمعتهم الدولية، لكنهم لم يُنقلوا إلى العربية.

- على ذكر "النوع الأدبي"... تطرح مجموعتك القصصية "تقرير عن الرفاعية" إشكالية حول التصنيف، ففي حين صنفها الناشر قصصًا، تركتَ ملاحظة للقارئ بضرورة قراءة النصوص وفق الترتيب الذي جاءت عليه، فيما بدت النصوص مترابطة إلى حد كبير من حيث وحدة الشخصيات وزمن السرد، بل إن بعضها يستدعي الحوادث مما سبقها ويحيل بعضها الآخر إلى ما هو تال عليها في صورة أقرب إلى البناء الروائي منه إلى القصصي..

لا أعرف ما هو التصنيف الصحيح لـ"تقرير عن الرفاعية"، لكن الأفضل وصفها بكلمة "متتالية"، فهي ليست مجموعة قصصية بمفهومها التقليدي. إن فكرة المتتاليات غير شائعة بصورة كبيرة في الأدب العربي على حد علمي، لكنها موجودة في الأدب المكتوب بالإسبانية، مثل بعض أعمال أوسبالدو سوريانو. حينما أقول "متتالية" لا أقصد "متتالية قصصية"، بل متتالية لأنماط كتابية مختلفة: قصص قصيرة، تدوينات مُطولة ليوميات (أقولها رغم الطابع السلبي لهذه الكلمة عند البعض)، بل والـ"نوفيلا" أو الرواية القصيرة كما يظهر في القسم الثاني في الكتاب وعنوانه "ثلاثية الأفاعي". لكن هل يمكن الاستمتاع بكل قصة/تدوينة/ أو "ثلاثية الأفاعي" بمعزل عن البقية؟ الإجابة هي لا: لهذا وضعت التنويه في البداية.

- يؤثر التصنيف في آلية التلقي...

بالطبع يؤثر لأنه يُرسي حكمًا مسبقًا، لكن هل هو العامل الحاسم في الحكم النهائي؟ أظن أن الإجابة هي: لا. هل يضر بالنص؟ أرى أن ما يضر بالنص هو النص نفسه، قبل أي شيء آخر.

- أنت بطل المجموعة القصصية، وشخوصها من أفراد عائلتك وبيئتك المحيطة، وتبعاً لذلك فإنها تتقاطع مع حياتك الشخصية بصورة واضحة، وإن كانت تعيد إنتاجها وفق إطار تخيلي، وتلك سمة غالبة على الأعمال الأولى للكتاب. لماذا في رأيك؟

لأجيبك على هذا السؤال، سأقتبس جملة من رواية "أخف من الهواء" للأرجنتيني فيديريكو غانمير، تقول إن "غاية الخيال هي ملء الفراغات الموجودة في الحكايات". ثمة فراغ موجود في حياة كل إنسان. وأظن أن هذا الفراغ يتسع في حالة إن كان هذا الإنسان مؤلفًا، ولهذا يلجأ بعض الكتّاب -وأنا منهم- في أعمالهم الأولى، لسد تلك الفراغات الموجودة في حياة كل منهم عبر تشييد عالم يتقاطع فيه واقعهم مع الخيال. أعتقد أن المسألة تأتي كعلاج لمواجهة أزمة حقيقية وغير مفتعلة قد مروا بها. فإن نجح خيال المؤلف في ملء الفراغات الموجودة في حياته، يكون قد قطع شوطًا لا بأس به وتدرب على كيفية ملء الفراغات الموجودة في شخوص أي عمل أدبي مقبل له.

(*) صدرت لمحمد الفولي 8 كتب مترجمة عن الإسبانية، هي: "حكاية عامل الغرف" وهي مجموعة قصص من أميركا اللاتينية حول كرة القدم، و"أغرب الحكايات في تاريخ المونديال"، و"لماذا تلعب كرة القدم 11 ضد 11" للوثيانو بيرنكي، و"أخف من الهواء" لفيديريكو غانمير، و"استسلام" لراي لوريغا، و"أشد ألم" لسنتياغو رونكاغليولو.. وقد صدرت كلها عن دار "مسعى". إضافة إلى رواية "هذيان" للاورا ريستريبو، عن دار الكتب خان بالقاهرة، و"الشرق يبدأ من القاهرة" لإكتور آباد فاسيولينسي، عن دار صفصافة للنشر في القاهرة. وصدرت مجموعته القصصية الأولى "تقرير عن الرفاعية" عن الكتب خان.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها