آخر تحديث:08:59(بيروت)
الأحد 10/03/2019
share

"سلامبرلاند" لبول بيتي... السخرية من التمييز العنصري

المدن - ثقافة | الأحد 10/03/2019
شارك المقال :
"سلامبرلاند" لبول بيتي... السخرية من التمييز العنصري

تصدر قريباً عن منشورات "الجمل" في بيروت رواية "سلامبرلاند" SLUMBERLAND للروائي الأميركي بول بيتي، الفائز بجائزة البوكر العالمية للرواية 2016. ننشر هنا مقطعا من الرواية بالاتفاق مع الناشر، وهي من ترجمة وتقديم عهد صبيحة. 

يقول صبيحة في التقديم رأى كثيرون من النقَّاد أنَّ افتتاحيَّة رواية "سلامبرلاند" (2008) هي أحد أفضل المداخل إلى الرواية في تاريخ الأدب: "وتحسبُ أنَّهم تعوَّدوني الآنَ. أعني ألا يعرفون..." ..


    يستمرُّ بول بيتي في روايته الثالثة في منهجه الروائيِّ القائم على السخرية كأسلوب في سرد الأحداث وبناء الشخصيَّات وعلاقاتها مع بعضها، ويستلهم من فكرة إعادة التمييز العنصريِّ مادَّة خصبة ليمرِّر من خلالها سخريته الواضحة من هشاشة هذا المفهوم الذي تتغنَّى به الأنظمة الحديثة حاكمة العالم.

    بطل الرواية، فيرغسون، وهو منسِّق موسيقى مخضرم من أصول أفريقيَّة-أميركية، بذاكرة صوتيَّة عجيبة، يسافر من الولايات المتَّحدة إلى برلين في ألمانيا، في العام 1989، تماماً في الفترة التي تسبق انهيار جدار برلين، في رحلة بحثٍ عن "ذا شوا" الموسيقيِّ العظيم المختفي، في مسعى لتحقيق ذاته من خلال إبداع ضربة موسيقيَّة كاملة.

    يخلق بيتي عوالم خاصَّة وفريدة، وشخصيَّات هذه العوالم تكاد تكون أسطوريَّة، كما هي شخصيَّاته في معظم أعماله. أوَّل هذي الشخصيَّات البطل نفسه الذي يعمل ساعيَ فونوغراف آليِّ، ويملك ذاكرة صوتيَّة عجيبة. وهناك أيضاً عصبة الموسيقيِّين، زملاؤه المعروفون بالذين يحكُّون ذقونهم طوال الوقت. توجد أيضاً الشخصيَّة الظريفة لرجل وزارة أمن الدولة في ألمانيا الشرقيَّة، الذي يسجِّل موسيقى "ذا شوا" على أفلام خلاعيَّة (منها فيلم يظهر فيه بنفسه وهو يضاجع دجاجة!)، لأجل المحافظة على الإرث الموسيقيِّ لفنَّان مختفٍ عُدَّ أسطورة زمانه في موسيقا الجاز.

    يبدو سعيُ البطل إلى تأليف قطعته الموسيقيَّة سعيَ العاجز إلى أن يلتقي "ذا شوا" آخر الأمر، ويتمكَّن معه، بمساعدة باقي أبطال الرواية، من إقامة جدار صوتيٍّ يقسم مدينة برلين من جديد، ويعيد الفصل إليها (سيعيد فكرة فصل المدينة في روايته التالية (الخائن)، الصادرة باللغة العربيَّة عن منشورات الجمل في العام 2018). حينها فقط يحقِّق البطل، بإلهام من "ذا شوا"، ضربته الموسيقيَّة، مقطوعتَه الكاملة.

    بول بيتي Paul Beatty (مواليد 9 يونيو 1962) كاتبٌ أميركيٌّ، وأستاذ مادَّة الكتابة في جامعة كولومبيا. حاصل على شهادتَي ماجستير في الآداب من جامعة بروكلين، وفي علم النفس من جامعة بوسطن. صدر له ديوانا شِعر: Bib Bank Take Little Bank في العام 1991، وJoker, Joker, Deuce في العام 1994، كما حرَّر أنطولوجيا الأدب الفكاهيِّ الأفريقيِّ- الأميركيِّ Hokum: An Anthology of African-American Humor في العام 2006. برع في الرواية، وصدرت له أربع روايات: (مراوغة الولد الأبيض) The White Boy Shuffle في العام 1996، و(الحجر البركانيّ) Tuff في العام 2000، و(سلامبرلاند) Slumberland في العام 2008، و(الخائن) The Sellout في العام 2016، وهي الرواية التي استحقَّ عليها جائزة حلقة نقَّاد الكتاب الوطنيَّة الأميركيَّة National Book Critics Circle Award، وجائزة مان بوكر Man Booker Prize العريقة، وهو أوَّل أميركيٍّ يحصل على الجائزة بعد أن أصبحت متاحة لروائيِّين من خارج دول الكومونولث، منذ العام 2014.  


الجزءُ الأوَّل-- الذين يحكُّون ذقونَهم

    وتحسبُ أنَّهم تعوَّدوني الآنَ. أعني ألا يعرفون، بعد أربعة عشر قرناً، أنَّ تمثيليَّة السَّواد قد انتهت؟ فنحن السُّود، الرائعون دائماً، القوم الذين كانوا دقيقين، كما هو توقيت غرينيتش، هم الآن، في وقتنا الحاضر، كما في الأمس، مثل الأدوات الحجريَّة، والدرَّاجات الهوائيَّة الأولى، وقصبات الشرب الورقيَّة، لديهم كلُّ خصائصهم؟ الزنجيُّ هو الآن إنسانٌ رسميّاً. كلُّ الناس، حتَّى البريطانيُّون، يقولون ذلك. لا يهمُّ إن كان أحدٌ ما يعتقد هذا فعلاً، فنحن عاديُّون ودنيويُّون مثل باقي الأجناس. وأرواح موتانا المضطربة هي الآن حرَّة في أن تكون ما هي عليه أصلاً تحت غشاء الحضَر البدائيِّين؛ في وسع "جوزيفين بيكر"[1] الآن أن تُخرج العظمة من أنفها، ويعود هيكلها العظميُّ الأصدف إلى عدد عظامه المئة والستّة الصحيح، وشبح "لانغستون هيوز"[2]، مفطور الفؤاد، يستطيع أن يضع الآن قلمَ الحبر من ماركة مونبلان (الهديَّة) ويفتح فمه عريضاً، ليس لأجل أن يقرأ شِعره الشعبيَّ المقفَّى، بل لأجل أن يلعق ويمصَّ قضيباً ضخماً لنذلٍ من أنذال "هارلم"، ويمارس ما هو، في أيِّ حال، التقليد الشفويّ الحقيقيّ. يمكن للثوريِّين فينا أن يلقوا أسلحتهم. انتهتِ الحرب، ولم يعد مهمّاً مَن ربح. خُذ مسدَّساتك الرخيصة، من عيار 9 مم، الأسلحة التي كنتَ ترفعها مرَّة لتقضيَ على الرجل الأبيض وأنت ثمل أمام الأولاد، خُذ تلك الأسلحة وضعْها في صناديقَ زجاجيَّة حيث تستلقي دون مقاومة، بسكون على اللبّاد الأحمر إلى جانب البندقيَّة القصيرة والقربينة البرتغاليَّة وبندقيَّة المستعمر الأوَّل، المــُسكيت، قديمة الطراز. وصراخ المعركة حتَّى لدى أشجعنا "سأراك في الجحيم!" لم يعد موجوداً، بل أصبح "سأراك في المحكمة"، لذلك إذا كنت لا تزال مستاءً من التاريخ فاطلب محامياً عبرَ الهاتف، وحاول أن تجمعَ بعض العمَّال لأجل تعويضاتهم عن زمن العبوديَّة. لقد ولَّى زمن السَّواد، وأنا تحديداً لا يمكن أن أكون أسعد حالاً، لأنَّني الآن حرٌّ في الذهاب إلى صالون تسمير البشرة إذا أردتُ ذلك، وأنا أريد ذلك.



 سلَّمتُ المضيفةَ القسيمة. على وجه القسيمة ثمَّة صورة ملتقطة من الجوّ جميلة للشاطئ الكاريبيِّ. صارت تحقِّق فيها، في حين تقلِّب نظرها في شكٍّ بين وجهي وأعلى القسيمة التي كُتب عليها: صالون التسمير الشاطئيّ الكهربائيِّاشترِ عشرَ قسائم استحمام خفيف واربح واحدةً مجَّاناً. تحت الإعلان، في سطرين من أصل خمسة، عشرُ دوائر بقياس قطعة نقد "بفنينغ" ألمانيَّة، مختوم عليها. في كلِّ دائرة رسمٌ لشمس مُشعَّة بحبر أحمر، تكشف عن أسنانها بابتسامة، وترتدي نظَّارةً شمسيَّةً. اليومَ هو اليوم المجيد الذي أحرِّر نفسي فيه بالتعرُّض المجانيِّ للشمس، لكن على نحو ما، هذه المرأة التي ختمت، على الأقلِّ، على سبعٍ من الشموس المبتسمة، تتردَّد في تعيين غرفة تسمير لي. عادةً، هي تختم قسيمتي، وتحت أنفاسها تهمس "ماليبو"، أو "إيكيكي" أو "آيبيزا" وأنا أكمل ما أفعله عادة.

    علت وجهَها نظرة ذهول معروفة، نظرة تقول: ربّما شاهدتك في مكان ما قبل الآن. ألم تغتصبني الثلاثاء الماضي؟ ألستَ مدرِّس ابني للرقص النقّري؟

    "آكابولكو".

    أخيراً، كتبت اسمي بقلم الرصاص في دفتر المواعيد. أشرتُ إلى المرهم الواقي من الشمس في الخزانة الزجاجيَّة خلفها.

    "كابرتون"، قلتُ.

    بدت أنبوبة كريم الخلطة الاستوائيَّة على النضد مثلَ طوربيد مصغَّر. عامل الوقاية من الشمس من الدرجة 2 ليس قويّاً بما يكفي. إذا كان مرطِّب الشفتين الأبيض كبياض الفانيلا على شفتَي المضيفة من درجة الوقاية من الشمس من الدرجة 3 فإنَّ بشرتي الطبيعيَّة لا تقلُّ درجتها عن 6. قصفت جبهتها وأعدت المرطِّب « Zu schwach. Ich brauche etwas Stärkeres[3]» قلتُ طالباً شيئاً أقوى.

    ربَّما ينبغي على الثدييّات أن تُصنَّف وفقاً لدرجة عامل الوقاية من الشمس، أنثى متزوِّجة درجة الوقاية من الشمس لديها 3، العمر 35، تبحث عن غير مدخِّن، رجل، درجة الوقاية من الشمس لديه 4 أو أقلَّ، لأجل علاقة سرِّيَّة، انقراض حيوانات وحيد القرن ذوات الوجوه التي تبلغ درجة الوقاية لديها من الشمس 7. إنَّ درجة الوقاية من الشمس رقم 2 لدى الحوت، فوق كلِّ الأشياء، هي التي تروِّعني. لكن، كيف آمل في شرح نفسي هنا؛ ومع ذلك، وعلى نحو عشوائيّ، عليَّ أن أشرح نفسي، وإلَّا فإنَّ كلَّ هذي الفصول ستضيع هباءً.

    حجرة «آكابولكو» التي لا نوافذ لها، فيها هذا الشعور الرهيب مثل ذاك الذي في عيادة السرطان في «تيخوانا». صالونات التسمير في برلين، مثل متاجر الخمور، وملاعب الكرة، وواجهات الكنائس الخلفيَّة في البلدة القديمة، هي ملاذ متوافر في كلِّ مكان. الملاذ الأخير للمرضى الذين استعصى علاجهم، للفقراء والمخطئين الميئوس من عودتهم، والشاحبين دائماً. أماكن تذهب إليها عندما يخبرك الأطباء أن لا شيء بعدُ يمكن أن يقدِّموه لك. حينما يخبرك العالم أنَّك لا تقوم بعملٍ كافٍ.

    تدور مروحة سقفيَّة بفاعليَّة في الجوِّ العفن. وعلى حائط داكن بلون الزبرجد عُلَّقت لوحتان، شهادتان جامعيَّتان رسميَّتان، واحدة مصدَّقة من إدارة برلين للصحَّة والأمان، والأخرى، مكتوب عليها بخطٍّ مزخرف، درجة علميَّة من كلّيَّة «كوليدج أُف إيترنال هارفيست» في اختصاص يُدعى «علم التعرُّض للشمس». في منتصف الغرفة يوجد سرير التسمير، دواء لجميع الأمراض، مصنوع من الزجاج والكروم، من السماء، أو على نحو أكثر دقَّة من تايوان. خلعتُ ثيابي، ومسحت جسمي بالكريم، تاركاً الباب مفتوحاً قليلاً.

    بعد سنين من تسمير البشرة، فقدتْ بشرتي كثيراً من نضارتها، فإذا ضغطت على ساعدي فإنَّ الجلد المتكتِّل سيبقى كذلك لبضع ثوانٍ قبل أن يعودَ ببطء إلى تمدُّده. لقد أصبحت بشرتي أكثر سواداً على نحو ما؛ لا تزال رقيقة، ولا تشكِّل تهديداً لسمرتي الزنوجيَّة الساخرة، لكن الآن ثمَّة مسحة لون أرجوانيّ بلون الرمَّان خافت تحت ضوء محدَّد يُكسبني لمعاناً بغيضاً. نصف معلوماتي عمَّا هو جديد في ثقافة البوب الأفريقيَّة -الأميركيَّة يأتي من أبناء برلين حين يوقفوني في الطريق ويقولون لي Du siehst aus wie[4]…، فأذهب بعدها إلى البيت لأبحث في الإنترنت عن «أوركيل» و«هومي المهرِّج» و«ديف تشِبيل». في الآونة الأخيرة، نحَتِ التشبيهات نحوَ الشخصيَّات الأكثر شرّاً، والأحلك سواداً، من أفلام رخيصة التكلفة مقتبسة من روايات إلمور ليونارد[5] الرخيصة الشائعة.

    استأجرت تلك الأفلام: جاكي براون، خارج الرؤية، قصيرة، وشاهدتها وأنا أركض جيئة وذهاباً من أمام شاشة التلفاز إلى مرآة الحمَّام. لا أظنُّ أنَّني أبدو مثل هؤلاء الرجال، هؤلاء الممثِّلين الذين يقومون بأدوار سيِّئة وجامدة، وجاذبيَّتهم الوحيدة هي في أصواتهم الجهوريّة، ونشاز أصواتهم حين يقول أحدهم «يا بنَ العاهرة». سام جاكسون، ودون تشيدل، والأحمق السمين من فيلم كن لطيفاً، إنَّهم أذكياء دائماً، وسُود، لكنَّهم ليسوا أذكياء بما يكفي ليخدعوا الرجل الأبيض، أو سُود بما يكفي ليرتكبوا أيَّ جريمة شنيعة حقيقيَّة.

    أعتقد، في كثير من الأحيان، أنَّه كان من الأسهل لي لو كنت نشأت مع جيل والدي. حين كبر كان هناك أربعة زنوج فقط يمكن أن يبدوَ شبيهَ أحدهم: جاكي روبنسون، وبيل روبنسون، ولويس آرمسترونغ، وآنكل بين، الرجل ذو الشفتين الغليظتين وهو يرتدي قبَّعة الطاهي فوق علبة الأرزِّ سريع التحضير. اليومَ، يبدو كلُّ رجل أسود مثل شخص ما. أحد الرياضيِّين، أو أحد المغنِّين، أو أحد ممثِّلي السينما المغفَّلين. في أيَّام والدي، إذا شبَّهت رجلاً أسودَ بشخص ما لا يعرفه هو، يمكنك القول إنَّه، لحظتها، سيبدو مثل ذاك الزنجيِّ الذي سيركلك على قفاك، أمّا الآن فتقول له إنَّه يشبه ماجيك جونسون أو كريس روك، وسيبدو، لحظتها، مثل ذاك الزنجيِّ الذي سيقبِّل قفاك.

    معظم المراهم التي ندهن بها جلودَنا باردٌ ومهدِّئٌ، لكنَّ حالة مرهم واقي الشمس ليست كذلك، فرائحته مثل رائحة ماء البحر، وله لزوجة الزبد الفاسد، ويبدو أنَّ جلدي الداكن يرفضه، ومهما كانت شدَّة تدليكي إيَّاه على جلدي فهو لا يختفي أبداً، والرطوبة تقلُّ على الفور. الدوامات الدهنيَّة استقرَّت هناك، على جلدي، مثل شمع سيَّارة غير ملمَّعة. أوقفتُ مروحة السقف من خيطها المتدلّي. لا أستطيع إخباركم ما إذا تباطأت حركة المروحة أو ازدادت سرعتها، الاختلاف نفسه. بصعوبة، جررت نفسي من على سرير التسمير، ثمَّ رفعت يدي حتَّى أصبحت شفرات المروحة تلامس أصابعي، وعلى نحو تدريجيّ تحوَّلتْ إلى حالة الوقوف. كان ثمَّة علائق زيتيَّة على كفِّي، مسحتها بالحائط.

     


[1]  جوزيفين بيكر (1906-1975)، راقصة ومغنّية سوداء أميركيّة. اشتهرت في فرنسا بعد هروبها من سياسة التمييز العنصريّ ضدّ السود في أميركا. (م)

[2]  لانغستون هيوز (1902-1967)، صحافيّ وكاتب وناشط أسود أميركيّ. هرب من أميركا بسبب سياسة التمييز، وصوّرت أعماله هذه السياسة. (م) 

[3]  بالألمانيّة في الأصل: «ضعيف جدّاً. أريد شيئاً أقوى». (م)

[4]  بالألمانيّة في الأصل: إنّك تبدو مثل... (م)

[5]  إلمور ليونارد (1925-2013)، روائيّ أميركيّ. معظم رواياته تحوّل إلى أفلام. (م)


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها