آخر تحديث:12:39(بيروت)
الإثنين 04/03/2019
share

"وحش" جاك مارون يلتهم جمهوره

منى مرعي | الإثنين 04/03/2019
شارك المقال :
  • 0

"وحش" جاك مارون يلتهم جمهوره نجح مارون في إعادة كارول عبود على الخشبة وبالإشتغال معها
وجب الإنتظار طويلاً قبل أن يحظى المشاهد اللبناني بعرض يحبس الأنفاس كعرض "الوحش"، وهو العمل الأخير لجاك مارون الذي أعاد كارول عبود الى الخشبة اللبنانية ويا لها من عودة.

هي عودة محمومة بأكثر من احتفاء: الاحتفاء الأول هو احتفاء بـThe Black Box، فضاءٍ مسرحي جديد، وهو أشبه بمسرح الغرفة وقد كوّنه جاك مارون في محترف الممثلين الذي يديره. فضاءٌ حميمي، لا يتسّع لأكثر من خمسين مشاهد، حيث يبدو أصغر تفصيل على الخشبة بوقعٍ مختلف: مجرد أن يكون المشاهد بهذا القرب من دوري السمراني وكارول عبود، فهنا تجربةٌ أدائية، وجب القول أنها فعلاً فريدة.

جاك مارون الذي عمل منذ وصوله الى لبنان على نصوص مسرحية أميركية معاصرة، وصل في هذا العرض الى مرحلة التميز، وليس هنالك من مبالغة إن قيل أن عرض "الوحش"، هو أفضل ما قدمه المخرج حتى اليوم. ليس في الأمر انتقاصاً من عروضه السابقة، ولكن كما كل أعمال مارون التي، تركز على استحضار نصوص، تستفز وتحرّك الروح بتطرفها، يبدو أن نص الكاتب الأميركي جون باتريك شانلي، الذي كتبه عام ١٩٨٤، وتولت ترجمته الكاتبة المسرحية اللبنانية أرزة خضر، قادر على استحضار المزيد من الإهتمام والدهشة.

داني وبرتا، هما شخصيتان تعيشان على الهامش... في أسفل الدرك. في الحضيض. 
كلاهما عنيفٌ على طريقته: داني، سائق حافلة، سريع الغضب ومعروفٌ بافتعاله المشاكل. حين يدخل الى فضاء العرض حيث الحانة ويجلس على طاولته، يشعر بألمٍ شديد في يده... هو عائد من مشكلٍين تمّا في ساعات. برتا، أم مطلقة لطفل تعيش مع والديها، وتعاني من تعنيف والدها. تبدو لا مبالية. تقضي معظم لياليها في الحانات، ترقص وتشرب الكحول.



عدائية داني ولا مبالاة برتا يجتمعان بين طاولتين وزجاجتي بيرة، ليمخضا وِِِِحشة هذا العالم. أحاديث بدأت دنيوية وتصاعدت شيئاً فشيئاً، لتنتقل الى التعبير لكره كلاهما لوالدهما. والد برتا أجبرها على الزواج. شخصية برتا فريدة، بريئة ومنحرفة في نفس الوقت، لا مبالية ولديها ميول إنتحارية أحياناً، تحتفي بجسدها ثم تعاقبه بشتى الطرق لارتكابها فعلا مشينا رداً على العنف الذي يمارسه عليه والدها. داني الذي يعيش مع والدته، يعزل قدر الإمكان نفسه عن البشر لأنهم يغضبونه. الأب غائب في حياتيهما، وإن ذُكِر فسيُذكر كمنبع لممارسة العنف دون الغوص كثيراً في تفاصيل الممارسات.

يعتقد داني أنه قتل أحدهم في الأمس، وترى برتا أن فعلتها مع والدها أكثر شناعةً من فعل القتل بحد ذاته.

على أنقاض جسدين كبرت فيها الذنوب كأنها دمامل انتهى كل من داني وبرتا بقضاء الليل معاً. بعد أن مارسا الجنس في غرفة برتا العلوية، تتكشف هشاشة هاتين الشخصيتين أكثر فأكثر. وجد داني في برتا بعضاً من اهتمامٍ لم يحظ به. كشفت تلك المرأة منابع عنفه وهشاشته معاً، واستخدمت اسلوبه في التعنيف، استفزته، ثم انتهيا في غرفتها.

وجدت برتا في داني مرآة للقسوة التي تخفيها في دواخلها. الا أن هذه القسوة هي القسوة مع الذات: كلاهما وسيلة للآخر للوصول الى التسامح مع الذات. كل ما يبحثان عنه أن يسامحا أنفسهما على ما ارتكبا اذا ما توفرت مساحة صغيرة من العطف.

ما يدهش في نص شانلي وفي ترجمة خضر، هو الوصول الى تلك الحالات والمعاني دون إيلاء الكثير من التفسير والإستفاضات: اكتفى شانلي بانقلاب المواقف وبفظاظة شخصياته. عبّر عن الهشاشة بحوارات فجة وشرسة فيها كل الإنزلاقات اللازمة نحو انحرافٍ فطيبةٌ، تتسلّل فجأة فسلوكيات طفولية تؤدي الى طلب زواج.

الأمر اللافتُ في عرض الوحش هو أناقة السينوغرافيا لتالار مسروبيان والذكاء في استخدام الفضاء الضيق والحميمي، هنالك مرونة وسلاسة في تغيير عناصر الديكور التي تتحوّل  من المشهد الأول الى الثاني، وهذا الإبداع في تحوّل الأشياء تحت إضاءةٍ خافتة يثير الإعجاب.

يُحسب لجاك مارون بشكل عام حسن انتقاء نصوصه وحسن إدارة ممثليه. لا يترك هذا المخرج الآتي من مدرسة الـActors Studio أصغر تفصيل في الأداء دون أن يظّهره على أكمل وجه، مضفياً الكثير من الأبعاد على النص بحد ذاته. وهذه المرة نجح مارون في إعادة كارول عبود على الخشبة وبالإشتغال معها على دورٍ استثنائي، وأداءٍ فريد من نوعه. كارول عبود بدورها هذا، كانت هي الوحش الحقيقي للعرض. كما أنّ مارون قدّم وجهاً جديداً على الخشبة اللبنانية وهو دوري السمراني، الآتي من عالم التلفزيون، والذي لم يدرس التمثيل من قبل الا في محترف التمثيل الخاص بمارون. حاول دوري السمراني، قدر الإمكان، مجاراة براعة عبود... وبرزت الجهود التي بذلها، ولكن من يستطيع مجاراة لبوءة صامَت عن الخشبة لسنوات، وعادت لتلتهم كل من يحيطها... بمن فيهم الجمهور؟  
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها