آخر تحديث:13:18(بيروت)
الإثنين 04/03/2019
share

أبو بكر يوسف.. رحيل رسول الأدب الروسي

هشام أصلان | الإثنين 04/03/2019
شارك المقال :
أبو بكر يوسف.. رحيل رسول الأدب الروسي أبو بكر يوسف
1
من القصص التي لا أنساها لأنطون تشيخوف، قصة ساخرة بعنوان: "رسالة إلى جاري العالم". وهي عبارة عن رسالة ترحيب يرسلها أحد سكان قرية روسية إلى جاره الجديد الآتي من مدينة الثقافة والعلم سان بطرسبرغ، خصوصًا بعدما سمع أن هذا الجار عالِم. أرسل خادمه بالرسالة بادئًا إياها بتعريف الجار أنه في حسابات المسافة بين المنزلين مفترض أن تصل رسالته في ساعة معينة، لذا فإن على الجار صفع الخادم لو وصلت الرسالة متأخرة عن الموعد المفترض. ثم بعد التحيات والترحيب وكثير من التبجيل، يناقش الرجل جاره في أشياء سمع أن العلماء يؤمنون بها لكنها ليست منطقية من وجهة نظره. كان يخاطبه بـ"سيدي العالِم".

قال إنه لا يؤمن بما يقوله معشر العلماء عن نظريات التطور واحتمالية وجود حياة على سطح القمر. مثلًا، لو صحيح أن الإنسان "سيد العالم وأذكى المخلوقات" جاء في الأصل من قرد غبي وجاهل، لكانت لدينا ذيول وأصوات أكثر خشونة، كما أنه لو كان هناك حياة على سطح القمر، فإن سكانه قطعًا سيحجبون عنّا ضوءه بمنازلهم وبناياتهم، وبما أن تلك ستحتاج إلى الماء يصبح بديهيًا أن يسقط ذلك الماء فوق رؤوسنا من أعلى بحكم قانون الجاذبية الأرضية.
وهكذا، استكمل الرجل رسالته، متكئًا على دلالاته البسيطة ومتصورًا أنه يحطم ما يسوقه العلماء، ويطوح بنظرياتهم يمينًا ويسارًا، لكن بشديد التهذيب ولياقة الحديث، ليختتم تشيخوف قصته بتوقيع الراسل:
"صف ضابط متقاعد بقوات الدون من النبلاء، جاركم فاسيلي سيمي".

2
يحدث أنك إذا قرأت عملًا مُترجمًا واحتفظت به ذاكرتك، فإنك لن تنسى، أبدًا، اسم المُترجم الذي قدم لك هذه الخدمة الكبيرة. وأنا لم أنس أبدًا اسم أبو بكر يوسف، الذي لم أعرفه شخصيًا أو أقابله ولو مرة واحدة، منذ قرأت اسمه قبل نحو عشر سنوات في المجلدات الأربعة التي أصدرتها دار الشروق، في إعادة طبع، لتضم مختارات من قصص تشيخوف ورواياته وأعماله المسرحية. وبالأمس استيقظنا على خبر رحيل أبرز مترجمي الأدب الروسي إلى اللغة العربية.
أعلن رئيس رابطة خريجي الجامعات الروسية في مصر، شريف جاد، رحيله، عن 75 عامًا، بعد فترة مرض، مشيرًا إلى كيف كانت مساهمة يوسف في تعريف القارئ العربي بالأدب الروسي محط تقدير بين المهتمين في الأوساط الأدبية هناك، بوصفه "أحد أبرز مترجمي الأدب الروسي للعربية، خاصة أعمال أنطون تشيخوف، التي عرفها القراء عبر ترجماته".

اللافت، أن أبو بكر يوسف هو أول من ترجم الأدب الروسي الذي وصلنا عن اللغة الروسية مباشرة، ذلك أن جميع ترجماتها قبله كانت عن لغات أخرى أعمّها الفرنسية، بما فيها ترجمة السوري سامي الدروبي الشهيرة والرائدة لدستويفسكي، والتي أشرف أبو بكر يوسف منذ سنوات على إعادة طبعها. المتخصصون يثمنون الترجمة عن لغة الكتابة مباشرة، أكثر من ترجمتها عن لغات وسيطة.

وبينما خرجت للأوساط الثقافية المصرية، أسماء معروفة عبر بعثات دراسية مصرية، شهيرة، إلى موسكو، كان أبو بكر يوسف بين أبناء الجيل الأول لهذه البعثات، فأقام هناك منذ الستينيات وحصل على الدكتوراه في الأدب الروسي، وقضى سنوات مترجمًا للعربية في دار التقدم الروسية للنشر، قبل الانتقال إلى دار رادوغا للنشر، والتي تُرجمت عبرها غالبية الأعمال الروسية المعروفة في السبعينيات، كان ليوسف فيها عشرات الأعمال، منها مختارات لبوشكين وليرمنتوف وغوغول ومكسيم غوركي وكوبرين وشولوخوف، فضلًا عن المختارات الشعرية لتوتشيف وبريوسوف وبلوك، والإشراف على إعادة طبع الكثير من الكلاسيكيات التي تُرجمت عن لغات وسيطة، لأدباء مثل جنكيز آيتماتوف وبيكوف وماركوف وغيرهم.

لم تكن عضوية اتحاد أدباء روسيا الشرفية، التي كان أول عربي يحصل عليها، هي التقدير الوحيد الذي ناله الرجل في الأوساط الثقافية الروسية، ذلك أنه حصل منذ سنوات على ميدالية بوشكين بتوجيه من الرئاسة، لجهوده "في الحفاظ على الأدب الروسي". وهي تعتبر من أهم الأوسمة الرسمية الروسية، وتُمنح للأجانب البارزين في مجالات التعاون الثقافي بين روسيا والدول الأخرى. وقتها، وفق تغطيات صحافية قديمة، تحدث ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي، عن تقدير روسيا "العالي لإسهامات أبو بكر يوسف في تعريف أبناء الشعب العربي بإبداعات كبار الكتاب والشعراء الروس، وسعيه لتوطيد العلاقات الثقافية بين روسيا والعالم العربي".

3
كان ممكنًا ألا تكون لأشكال الاحتفاء الروسية، الرسمية خصوصًا، بأبو بكر يوسف أية قيمة حقيقية، وأن يقف تلقينا للمسألة عند الحدود العادية لبديهية الاهتمام بمترجم درس وعاش سنوات بين هؤلاء القوم، غير أن ما أعطى لهذا كله قيمة، هو شعورنا نحن، قراء العربية، بقيمة الرجل، والأدق: بقيمة المُنجز الذي بين يدينا بتوقيعه، ما ظهر بوضوح في تلقي رحيله بين المهتمين المصريين والعرب. مترجمو الأدب الكبار أنبياء، لولاهم ربما صرنا نُسخًا متطورة من بطل قصة تشيخوف "صف ضابط متقاعد، فاسيلي سيمي". وأبو بكر يوسف يجلس، بارتياح، في الصف الأول لهؤلاء الأنبياء.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها