آخر تحديث:12:04(بيروت)
الأحد 31/03/2019
share

مقتل أرملة عفيفي مطر.. دهشة لا تنقطع

أسامة فاروق | الأحد 31/03/2019
شارك المقال :
مقتل أرملة عفيفي مطر.. دهشة لا تنقطع ولدت حيث قتلت في قرية رملة الأنجب
كان قلبي معلقا بين مخالب طائر جارح محموم بالسياحات في الأعالي، علوه فزع ورعب، وانطلاقاته كارثة احتمالات، ومناوشاته لعب فوضوي بين الأمل والموت، وكلما حط ليستريح نفرته الدهشة بزياراتها المباغتة، وانفتحت مسالك الأفق أمام المعرفة المرة والغربة الفسيحة".
محمد عفيفي مطر
كان القدر رحيما بالشاعر محمد عفيفي مطر ليرحل قبل أن يشهد الرحيل المفجع لزوجته التي عثر عليها قبل أيام في منزلها في قرية الأنجب بمحافظة المنوفية موثقه من الخلف وغارقة بدمائها.

لم يكن ليتحمل هذا المنظر القاسي، كانت ستقتله الدهشة هذه المرة وهو من شكل الفقد وعيه وأحاط به الموت من كل مكان، كان يشّبه نفسه بمحور الرحى الذي "يدور حوله حجر الموت" ليطحن إخوته واحدا تلو الآخر؛ مات قبله ثلاثة إخوة، ومات بعد ولادته ثلاثة آخرون وأخت "وأنا أقف بين هاتين الموجتين الرجراجتين بعصف الموت، أحيا قصص من سبقوني، وأتجرع غصص من تخطفهم الموت من بين ذراعي".

جاهدت أمه لتكسر تلك الدائرة الجهنمية التي تلتف لتخطف أبناءها، بكل ما أتاحه لها وعيها القروي في ذلك الزمن البعيد، يحكي في سيرته "أوائل زيارات الدهشة" أنها أخذته طفلا في عتمة الفجر، ومرت بسبعة أبواب لأصحابها اسم واحد هو "محمد" لتطلب قرشا فضيا مثقوبا ورغيف خبز من البيوت السبعة، أطعمته الأرغفة في سبعة أيام، وصنعت من القروش فردة خلخال وضعتها حول قدمه اليمنى وحذرته من خلعها لأي سبب، ولم تكتف بذلك لكسر اللعنة المجهولة بل باعته لامرأة في القرية ليكون ابنا لها بالبيع والتبني، وشهد في منزلها أحد أكثر أيامه رعبا، يصف ما جرى وقتها فيقول: "أدخلتني المرأة من طوق جلبابها الواسع وأخرجتني من الذيل الواسع للجلباب سبع مرات وأنا أنحدر صارخاً فوق جسدها العريان، ثم قالت أمي بحزم: هذه أمك، وقد كنت أمانة عندي وها أنا أردك إليها"، تركته أمه التي ولدته ليبيت ليلة كاملة عند أمه الأخرى التي اشترته، قضى ليلته متخبطا في أسئلته منكمشا على نفسه مرعوبا "انقضت الليلة وأنا أتقلب وأبكى وأحاول الفهم والتصديق واستنبات مشاعر الانتماء لهذا البيت الجديد، وأسال نفسي: فمن يكون أبي إذا؟".

في صباح اليوم التالي قالت له المرأة الأخرى اذهب إلى أمك. نجحت خطة الأم ونجا لكنه منذ تلك اللحظة، أصبح يؤمن أنه ولد من امرأتين "بعد الإفلات من مناجل الموت شرحت أمي وأفاضت في تفسير الوقائع والمعاني، لكنني ظللت أحس أعمق الإحساس بأنني وليد امرأتين، مزدوج الوجود والعمر، ومزدوج الفجيعة بموتهما".

قبل رحيلها إلى القبر، وقبل رحيله هو عن المنزل ليدور في العالم الواسع، اعترفت أمه، بأنها لم تكتف بكل ما فعلته لتضمن ابتعاد الموت عن نسلها، فأسرت له بأنها أجهضت مرة وأهل الدار نائمون، كان "السقط" ولدا، عيناه رائقتان كعين الديك، وشعره أسود فاحم يتدلى على وجهه كالقمر، ولحمه شفاف تظهر منه عظامه كأسلاك الفضة، قالت: يعز على أن أدفنه في الأرض، لقد سددت فمها بما دفنت من أبناء، أما هذا فسأجعله حرزا و"تحويطة" وأضعه في شق الحائط الغربي وأكسو الشق بالطين وهو الذي سيجلب البركة ويملأ عين الموت فلا يطوف بنا بعد اليوم.


الخراب
بعد نصف قرن يعود الشاعر إلى المنزل القديم حيث حل التراب على كل شيء، وأكل الموت والزمن كل من فيه، باحثا عن "الحرز" القديم فلم يجده "كنت أشهق وأسأل نفسي: هل بلى الحرز وبددته الريح فحل بالبيت الخراب!".

في بيته برملة الأنجب ربما كان هو نفسه الحرز، فبعد رحيله بسنوات قلائل، فرغ المنزل إلا من أرملته، بعد زواج الأولاد وتفرقهم في البلاد. تعرض المنزل للسرقة، ثم تكرر الأمر قبل أيام لكن هذه المرة لم يكتف اللص بالسرقة فقط، بل أزهق روح الزوجة والملهمة ورفيقة الدرب.

عملية بحث استغرقت أسبوعا –لا أعرف إن عادت أرقام الأم القديمة لتعطى دلالة ما هنا- لتعلن الشرطة بعدها إنه بعد تتبع العديد من الخيوط، توصلت التحريات، إلى أن مرتكب الجريمة هو من أشارت له بالحروف الأولى "عادل س. م."، 24 عاما، نجار مسلح ومقيم في قرية الأنجب. المعلومات الأولية التي قدمتها الشرطة أشارت إلى صلة قرابة بين الضحية، ووالدة المتهم ابنة عم الشاعر محمد عفيفي مطر، لكن بعض الأقارب نفوا تلك المعلومة مشيرين إلى أن هناك تشابه في الأسماء فقط، ربما تفاديا لإثارة العداوات العائلية القديمة التي أشار إليها مطر أكثر من مرة.

في اعترافاته قال المتهم، أنه ارتكب الجريمة، لمروره بضائقة مالية، حيث توجه ليلا إلى مسكن الضحية، وظن أن كنزا في انتظاره هناك، فقام بكسر الشرفة، مستغلا خبرته في مجال النجارة، وأثناء دخوله تفاجأ بها تستيقظ من نومها على أثر صوت الباب، أثناء فتحه، مما دفعة إلى قتلها حتى لا ينكشف سره، وعثر على مبلغ مالي قدرة 4 آلاف جنيه، وفر هاربا.

مجددا تعود الحكايات القديمة لتفرض نفسها، نفس اللغط القديم الذي أثير حول والد عفيفي مطر، حيث ظنت القرية أن له حسابا متضخما في أحد البنوك، حتى ابنه نفسه ظن أن الحساب كان يتضخم في علاقة طردية مع عدد الرقع في ملابسه هو نفسه، حيث ظن أن تقتير الأب عليه كان المقابل والنتيجة الطبيعة لزيادة الحساب البنكي. لكن بعد الوفاة اكتشف الجميع واكتشف هو أيضا أن الحساب صفر!

فقر أخفاه التعفف، وعزة النفس، والسيرة العطرة، رغم قسوة المأساة التي لازمت تلك العائلة، والشقاء الذي كتب عليها منذ البداية، فالحكاية التي يمكن استخلاصها من روايات الشاعر الراحل عن والده،  تقول إنه –الأب- وحيد بلا أخ أو أخت، مات أبوه في صباه فلا يتذكر منه إلا بقايا صور وأخيلة، وأمه من قرية بعيدة، فلا أخوال ولا خالات بالقرب منه، وأبناء الأعمام يتربصون به مستغلين تلك الوحدة، فلو مات أو قتل آل إليهم ميراثه من الأرض، كبر في ظل هذا الفزع الدائم من الأعمام وأبنائهم الذين لا يكفون عن إيذائه وتهديده بالقتل، ولا يمر يوم بغير الاعتداء على أمه بالضرب أو اغتصاب الزرع وإتلاف المحاصيل. حفظ القران فأركبته أمه جملا مزينا ودارت به في دروب القرية ترقص وتزغرد "العفيفي ختم القرآن.. وأبوه في الجنة فرحان" أرسلته إلى الأزهر، وزوجته إحدى قريباتها، لكن تتراكم عليه المحن والخطوب، ففقد أمه وطلق زوجته ومعها ابنه الأول، وانطلق ليبدأ حياته مجددا في مكان آخر. حين تلتئم للابن الشاعر كل سطور الحكاية يصف نفسه باليتم الضائع بين أيتام الأمة الباحثين عن أبوة جماعية ترد عنهم يتم الهزائم والضياع..

ورغم توتر العلاقات بينها دائما، فلم يجد محمد عفيفي مطر ضيراً من إكمال مسيرة والده في طلب العلم، حاملا على أعناقه تاريخ الشقاء الطويل، ليضيف إليه بالنضال والمعارضة تاريخه الجديد، برفقة زوجته التي لاقت ذلك المصير المفجع قبل أيام، وكانت ابنه لصديق أبيه محمد أفندي قنديل، آخر عناقيد "السلالة المباركة" التي آمن بها محمد عفيفي، هؤلاء المخلوقون من طينة أخرى تخمرت بالعلم وعجنت بنور المعرفة والثقافة وسحر الكلام الجميل، اقترب منه وكان أحد معلميه الأوائل، يحكى عنه في مذكراته: "صرنا صديقين وانمحت بيننا فروق العمر ومهابة الأستاذ، وحلت محلها صلة عميقة من التعاطف المتبادل وندية الحوار والمشاكسة" حين علم بتراجعه في الدراسة بسبب انشغاله بالقراءة والكتابة حذره بعنف قائلا: "إن الشعر لا يطعم الخبز ولا يقيم الأود، ولا يرفع أسقفا فوق البيوت"، ويرد مطر: "بل هو الحياة ذاتها ولا معنى للخبز أو البيت أو كنوز الدنيا في غياب الشعر" ويصف بعدها احتدام الدم في عروقه بعد هذا الرد حيث تبرق عيناه في غضب ويرد على تلميذه وصديقه: "يا ابن الكلب ستضيع نفسك ويقتلك الأشكيف".

لذا كان طبيعيا أن يذهب الدم من عروقه حين أتى إليه طالبا يد ابنته نفيسة، فهو كما فهم مطر، كان في حيرة عاصفة ما بين صداقة ممتدة يحرص عليها وبين خوف شديد على ابنته من مستقل غامض تخيم عليه من التمرد والفقر وصلابة الإرادة، ظلال مصير مجهول، قال لابنته ينصحها "هذا شاعر منشغل لا يمتلكه شيء سوى الشعر، عيناه نهمتان وروحه متقدة وحواسه لا تشبع ولا أمان معه"، لكنها تمسكت به وقالت أنها تعرف أنه فقير متمرد قد يخرج من سجن إلى سجن –وهو ما حدث فعلا- وأنه نذر حياته لما يؤمن به، ورغم ذلك كانت تتمنى أن يختارها واختارها، رغم أنه يعود ليقول "أظنها ندمت ندما شديدا وهي ترى نبوءاته تتحقق، فقد وصفتني مرارا بأنني بومة في خراب الهزائم، وحصان الحرية الجموح في براري القهر والأهواء وصراحة الغضب واتقاد الحواس، وأن الدنيا أضيق من خطاي..".

لكن لعلها مبالغات الشاعر، فالواقع لم يظهر غير الحب والتعلق غير المحدود حتى بعد الرحيل، حيث ظلت الراحلة مخلصه لتاريخ زوجها وأشعاره متابعة لكل ما يدور حولها، افتتحت مكتبته في قريته، وتابعت الجائزة التي أنشئت باسمه، واحتفظت برسائله إليها خلال تاريخهما الطويل معا، وهي بأي حال لم تكن بعيدة عن عالمه في أي وقت، ولها العديد من الدراسات النقدية حول أشعاره، وأيضا حول أشعار أمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي وغيرهما.

ولدت حيث قتلت في قرية رملة الأنجب بمركز أشمون بالمنوفية في 10 فبراير عام 1946، وتخرجت في كلية التجارة، وحصلت على الدبلوم العالي في الشريعة الإسلامية؛ وجاورت عفيفي مطر في رحلة العراق، حيث عاشا هناك لنحو 8 سنوات؛ وأنجبا ثلاثة أبناء، وعملت نفيسة قنديل كاتبة وصحافية وناقدة في مجلة الأقلام العراقية في الفترة من 1978 إلى 1982، رافقت الشاعر الراحل لمدة 43 عاما، وعانت مرارة اعتقاله لسنوات عديدة، حتى رحل في 28 يونيو 2010 ولحقت به بعد 9 سنوات تقريبا.

ماتت الكاتبة والناقدة، زوجة الشاعر الحاصل على جائزة الدولة، وأحد أهم صناع الحداثة الشعرية، من أجل 4000 جنية! وما الذي حدث؟ لا شيء. جريمة عادية تحدث كثيرا في وطن الصدفة العمياء كما أسماه الراحل الكبير.
 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها