آخر تحديث:11:18(بيروت)
السبت 30/03/2019
share

سياحة الموت: يوم في تشيرنوبيل

شادي لويس | السبت 30/03/2019
شارك المقال :
  • سياحة الموت: يوم في تشيرنوبيل
    المفاعل مر من هنا
  • تشرنوبل
    تشرنوبل
  • مفاعل
    مفاعل
انطللقنا في الثامنة صباحاً، من وسط العاصمة الأوكرانية كييف، وكنا 14 راكباً، وباستثناء ثلاثة كنت منهم، كان الجميع في العشرينات من العمر. وحمل الباص شعاراً مثيراً للسخرية المقبضة: "تشيرنوبيل للسياحة"، وفوقه علامة تحذير من الخطر الذري. "لماذا أنتم هنا؟ هل أنتم مجانين؟"، افتتحت المرشدة السياحية رحلتنا بسؤالها الاستنكاري، وأعقبته بسلسلة طويلة من النكات المضحكة، فهي كانت خفيفة الظل بالفعل، على عكس التنميطات العابسة عن الأوكرانيين. لم تنتظر "ألبينا" أجوبة لأسئلتها، لكن مدة الساعتين التي استغرقتهما الرحلة إلى نقطة التفتيش العسكرية الأولى كانت كافية للتفكير فيها. 

توقفنا عشر دقائق، تأكد خلالها ضابط غير مسلح من جوزات سفرنا وتصاريح المرور التي استخرجتها شركة السياحة نيابة عنا، وسُلّم كل منا مقياساً للإشعاع كان علينا تعليقه على صدورنا، فنحن كنا قد دخلنا المنطقة المعزولة الأولى، والتي تمتد مسافة 30 كيلومتراً من المفاعل على الجانب الأوكراني وداخل روسيا البيضاء، التي لم تكن حدودها تبعد عنا أكثر من ساعة. تحرك الباص بنا، وودعنا آخر ملامح للعمران. فعلى الجانبين كانت تشير لنا "ألبينا" إلى بقايا الـ140 قرية التي أُخلي سكانها، وهدم معظمها، ودفنت تحت طبقة بعمق نصف متر من التربة ألقت بها طائرات الهليكوبتر بعد أيام من الكارثة، وبمشاركة أكثر من نصف مليون من العمال. وبطول الطريق الخالي تماماً من علامات الحياة، كان يمكننا تصور المشهد، صفاً طويلا من ألوف الباصات وهي تحمل السكان، الذين ظنوا أنهم عائدون بعد يومين أو أسبوع على الأكثر.

توقفنا في القرية الأولى، واستقبلنا ثلاثة كلاب، وكان أحد السائحين الألمان برفقتنا جاهزاً بعبوة من الطعام المخصص لها. اخبرتنا ألبينا بأن عدداً من السكان القدامى عادوا إلى المنطقة، وهم من يطلق عليهم "المستعمرون الأفراد"، منهم امرأة مسنة كانت تعيش وحدها، وتوفيت في سن التسعين، قبل عامين. كان التجول في القرية، التي هجرت قبل 33 عاماً، مثل رحلة في الماضي. الطبيعة زحفت على الشوارع والميادين الصغيرة التي كستها غابة من الأشجار، لكن حطام سيارة "لادا" كان شاهدا على الزمن، وبقيت المنازل الريفية قائمة كما هي، وكان يمكننا الدخول إليها والتأمل في محتوياتها. وفي الشارع الرئيس، دخلنا إلى المتجر، والبنك، وقصر الثقافة الذي حمل مسرحه شعاراً ضخماً بالروسية غطته الفطريات والنباتات المتسلقة: "الشيوعية هي مستقبل البشرية المبهر".

دعتنا "ألبينا" للتجمع حول شجرة أمام حضانة الأطفال في القرية، وأخبرتنا بإثارة غير مصطنعة، بأننا نقف على واحدة من "النقاط الساخنة" حيث غسل عمال "التطهير" معداتهم، مالت إلى الأرض ووضعت جهاز الإشعاع، فارتفع المعدل إلي ضعف المعدل الطبيعي، وفي لحظة أخرى قفز إلى خمسة أضعاف، وبعدها بدأ الجهاز في الصفير بصوت عال، واستمر العداد في الصعود، حتى وصل إلى مئتي ضعف المعدلات الآمنة. كانت قد أصابتني رعشة خفيفة، فلم أكن متصوراً أننا سنتعرض لهذا القدر من المخاطرة، إلا أني سرعان ما انضممت للجميع لالتقاط صورة تذكارية لجهاز قياس الأشعاع، وللرقم المريع على شاشته.

كانت تلك واحدة من رحلات "السياحة المظلمة"، وكان ذلك لقاءً مع الموت، بمعانيه المادية والرمزية، لقاء آمن إلى حد كبير، ومخاطره محدودة لا تخلو من إثارة الاقتراب من حافة الفناء، والتقاط "السيلفي" معه، ومن ثم الهرب. أخبرتنا مرشدتنا بأننا يمكننا الدخول إلى الحضانة، لكن يجب علينا المغادرة سريعاً، فالتعرض للإشعاع في هذه المنطقة لمدة أطول ربما يكون خطيراً.

غاب الجميع في الداخل أكثر من اللازم، فمشهد الأسرة الصغيرة المصطفة بالداخل، ولعب الأطفال وكتب القصص المصورة الملقاة في غرف الحضانة كان كمشهد واحد من أفلام الرعب الحزينة. التقطنا عشرات الصور للمشاهد التي بدت كديكور لاستديو، فيما كنا نتصور آلاف الأطفال الذين ضربهم السرطان في السنوات اللاحقة للكارثة.

عدنا للباص، وبعد دقائق من القرية، أشارت ألبينا إلى تمثال للينين على الطريق، وأخبرتنا أنه الوحيد في شمال أوكرانيا الذي لم يُحطم بعد سقوط الإتحاد السوفياتي، وأضافت وهي تضحك: "فقط الخوف من الإشعاع هو سبب نجاة لينين من أيدي الناس". مر الباص بسرعة على منطقة الغابة الحمراء، تلك التي كساها الغبار الذري بطبقة سميكة بلون دموي قاني، وفي أقل من عشر دقائق، كنا وصلنا إلى المنطقة المعزولة الثانية، تلك التي تمتد على بعد عشرة كيلومترات فقط من المفاعل. وعبرنا حاجزاً عسكرياً ثاني. ولم أكن أتصور أن نقترب إلى هذا الحد. توقفنا بمدينة "بريبيات"، الأكبر في المنطقة، مدينة المستقبل السوفياتية التي أنشئت خصيصاً لعمال المفاعل، بحمام سباحتها البديع حتى بعد خرابه، وقصر ثقافتها الهائل، ومدينة ملاهيها التي كان لها أن تفتتح بعد أيام من الانفجار. كل شيء بدا ذكرى ليتوبيا الشيوعية التي ذهبت بلا عودة، وساحة لـ"النقاط الساخنة" التي تجمّعنا حولها لالتقاط الصور مع قياسات تعدت ألف ضعف معدلات الإشعاع الآمنة.

أخبرتنا ألبينا بأن جدتها مازالت تترحم على أيام السوفيات الجميلة، وأن عمال الوحدة 3 من المفاعل التي أغلقت أبوابها في العام 2000 فقط، كانوا يبكون أمام الكاميرات في يوم العمل الأخير. وكان تلك لحظة مؤثرة لنا، ثمة جاذبية في الخرائب، ربما الشحنة الغامضة من الحنين إلى الماضى، حتى إن لم يكن يخصنا.

انتهت رحلتنا على بعد 40 متر من سور المفاعل نفسه، التقطنا صوراً مع الموت نفسه، مع قدرة التدمير الهائلة التي امتلكها البشر وأفلتت منهم. كان الأمر لا يخلو من رعونة بالطبع، ونحن نحتفل ضمناً بإفلاتنا نحن من الموت، وبانتصار البشر مرة أخرى على الوحش الذي صنعوه. كان يحمينا من الإشعاع هيكل معدني ثُبت في العام 2016 لعزل المفاعل، وداخله يعمل روبوت على تفتيت المفاعل ونقله للدفن في مكب "فيكتور" للنفايات النووية. ستنتهي المهمة في 2065، لكن ستظل المنطقة غير صالحة للبشر حتى عشرين ألف سنة مقبلة.

في طريق العودة كان تأمل الصور التي التقطتها كافياً لإدراك أن العرائس ولعب الأطفال في الحضانة وأقنعة الغاز المعلقة على الأشجار، كانت جميعها موضوعة عمداً وبشكل ديكوري، فالمنطقة يرتادها سنويا عشرات الآلاف من السائحين الباحثين عن الرعب والحزن، ولا مانع من بعض الرتوش الخفيف لإرضائهم. القليل من مشاعر الإثارة بقي معي حين وصلنا إلى كييف، لكن ما لم أكن اتوقعه هو ذلك الشعور العميق والدافئء الذي انتابني، بالإجلال لمئات الألوف من العمال الذين عملوا لشهور في ظل الحصار والخطر بعد الكارثة، وكان معظمهم مدركاً للأخطار التى يواجهونها، وحجم المسؤولية التي يحملونها تجاه العالم، فأكملوا مهمتهم حتى النهاية، إذ لم يكن هناك بديل آخر. 




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها