آخر تحديث:07:44(بيروت)
الأحد 03/03/2019
share

عن آباء طلال ديركي وأبنائه

تهامة الجندي | الأحد 03/03/2019
شارك المقال :
عن آباء طلال ديركي وأبنائه منذ البداية اعترف المخرج أنه ضلل مضيفيه
قرأتُ الكثير من الآراء المتضاربة حول فيلم طلال ديركي "عن الآباء والأبناء" لاسيما بعد ترشيحه لجائزة الأوسكار، وحين شاهدته شعرت باستياء كبير، ليس فقط لاختلافي معه في المقولة التي قدمها، إنما لإحساسي بالخديعة كمتلقٍ من حقه أن يحصل على صورة صادقة في فيلم وثائقي، فمنذ البداية اعترف المخرج أنه ضلل مضيفيه، ودخل المكان الذي سيلتقطه بعدسته متنكرًا بهوية المصوّر الموالي للفكر الجهادي والمعجب بالنصرة، خشية من البطش الذي يمكن أن يطاله لو كشف حقيقته، وعلى الفور قفزت إلى ذهني صورة ماري كولفين التي دفعت حياتها ثمنًا لقول الحقيقة في حمص. 

اختار المخرج منطقة صحراوية في الشمال السوري، تبدو نائية عن ساحة الصراع، والتقط بعدسته يوميات أسرة بسيطة، تنتمي إلى الوسط الشعبي، معيلها أبو أسامة، معتقل سابق، وأب لثمانية أطفال، يعمل على تفكيك الألغام التي زرعتها قوات النظام السوري قبل أن تُجبر على مغادرة المنطقة. صوّر مشاهد الفيلم بعين سياحية معادية، الأكل باليدين، القنص، الأسرى، ذبح الشاة، وانفجار لغم برب الأسرة أدى إلى بتر بساقه، وصولًا إلى تدريب الصبية على حمل السلاح.

حاور طلال أبا أسامة وعدداً من أولاده وضيوفه بنفس استعلائي ممزوج بالاشمئزاز، وورطهم بأحاديث مفككة، كانت قمتها التقاط تصريح الضيف المرتبك عن الخنزير الأميركي، وتأكيداته أن النصرة وحدها هي من تقاتل نظام الأسد، فيما يغفو ائتلاف قوى الثورة في الفنادق، وتنشغل معارضة الخارج باستجداء المال والمعونات. نقل عدسته من شخص إلى آخر، من دون أن يخبر المشاهد ما هي صلة هؤلاء بالنصرة، أو يسأل نفسه إن كان أولئك البسطاء الذين ضللهم يقولون الحقيقة؟ أم يجاملونه حسنًا للضيافة، أم أنهم مثله يظهرون الولاء خشية من البطش. 

قدم مقولة تحريفية خطيرة، أن ما يحدث في سورية منذ سنوات هو حرب بين نظام الأسد والنصرة، وختم الفيلم بصوته من وراء الكادر يقول، إنه يغادر هذا الكابوس إلى حضن أسرته في ألمانيا، ولم يكترث أو يبدي مجرد تعاطف لحال أولئك المدنيين الذين تركهم خلفه في الشمال السوري، محاصرين ومهددين بكل أشكال العنف والكوابيس.

تجاهل طلال تمامًا واقع الثورة السورية والحراك السلمي، تجاهل نحو ربع مليون من المعتقلين في سجون النظام السوري لانتمائهم أو لمجرد تعاطفهم مع الثورة، هل لا يزال زكي كورديللو وخليل معتوق وعلي الشهابي ورانيا العباسي قيد الاعتقال لأنهم من النصرة؟ هل قُتل بطل فيلمه "عائد إلى حمص" أسامة الحبالي بالتعذيب، ومعه الآلاف ممن وردت أسماؤهم في قوائم الموت لأنهم من النصرة؟ هل كانت صور الجثث المشوهة التي هربها قيصر من أقبية الزنازين صور لجماعة النصرة؟ هل اختنق السوريون بالسارين والكلور، وقُتلوا بالذخيرة الحية، وتهدمت بيوتهم، وتشردوا بالملايين لأنهم مع النصرة أو منها؟


هؤلاء هم الثورة السورية التي لم يلحظها طلال للأسف الشديد، الثورة التي قدمت نحو مليون شهيد من ضحايا جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية، ارتكبها نظام الأسد بحق معارضيه. لم يشر من بعيد أو قريب إلى أن العنف المفرط والممنهج الذي بقي بلا رادع أو حساب، هو من أفرز كل أشكال التطرف في المجتمع السوري. لم يلحظ وهو مشغول بالطفولة المعذبة الدورات التي تُقام في روسيا لتدريب الأطفال السوريين على حمل السلاح. كما أنه لم يلحظ ميليشيات حزب الله وإيران، وهي تصول وتجول على الأراضي السورية، تقتل وتعتقل وتهين من تشاء من السوريين، أم أنها ميليشيات علمانية، يحق لها أن تسحق شعب النصرة؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها