آخر تحديث:12:49(بيروت)
الجمعة 29/03/2019
share

بيرة في حرب أكتوبر المجيدة

أحمد ناجي | الجمعة 29/03/2019
شارك المقال :
بيرة في حرب أكتوبر المجيدة زمن الجبهة
لا أحد يعترف بذلك، لكن كثرة القراءة أحياناً ما تورث الغرور والاعتداد بالنفس، بل وتميت القلب.

تتولد لديك القدرة على التمييز بين الكتاب الجيد والكتاب السيء، وفق معايير جمالية وايديولوجيا مُختلفة، تمتلىء بالأحكام المسبقة لأن الوقت أقل من إضاعته في اكتشاف كتب وعناوين جديدة لا نعلم عنها شيئاً. ثم من حيث لا يحتسب المرء، يأتي كتاب مجهول بالنسبة إليك يهز قناعتك الجمالية، ويلطمك بما لا تعرف. 

منذ سنوات بعيدة لم أبكِ وأنا اقرأ كتاباً. لكن فجأة أثناء استماعي للكتاب، صوتياً أول مرة، ثم قراءته، وجدتني أغالب الدموع محتاراً لماذا أتأثر وأبكي من كتاب كُتب بهذا البساطة والتقشف الجمالي، بل وهو غارق في سذاجة الإيمان الايديولوجي؟ كتاب لا يمكن توصيفه بأكثر مما يحمله عنوانه "مذكرات جندي مصري على جبهة قناة السويس" لأحمد حجي.

أرتبط مع حكاية أحمد حجي، بخيط شبحي. فهو من قرية سندوب -كانت قرية ولم تعد كذلك الآن- مجاورة لبلدنا. وفي المرحلة الثانوية، تعرفت على أستاذي عبد الناصر الذي سأدين له بأفضال كثير في تشكيل وعيي في تلك المرحلة المبكرة. عائلة حجي كانوا جيراناً لنا في سندوب، وفي أحاديثنا كان شبح أحمد حجي حاضراً دائماً. لكنه لم يخبرني أبداً بكامل تفاصيل قصته..

شكلت سيرة حجي وشخصيته، مصدر إلهام لأجيال من شباب اليسار في المنصورة. ولد حجي العام 1941 في محافظة الدقهلية، وتخرَّج في كلية الطب البيطري العام 1967. بدأ نشاطه الاجتماعي في أواخر الخمسينيات، فافتتح مدرسة لمحو أمية الفلاحين والعمال والنساء في قريته بالدلتا. جُنّد في القوات المسلحة العام 1968 في مكان آمن في القاهرة، لكنه طلب بنفسه الذهاب إلى الجبهة حيث تولى الشؤون الطبية في الكتيبة التي خدم فيها حتى استشهاده العام 1972. انصب جهده الثقافي دائماً على محاربة الأمية والجهل ورفع مستوى الوعى، فكتب قصص الأطفال ونشر المقالات التي تناولت العلاقة الوطيدة بين العمل الثقافي والسياسي، وصدرت أفكاره في كتب عديدة أبرزها "الكلمات والبارود"، و"الفلاحون والعمل السياسي"، و"محو الأمية عمل لا بد منه".

لكني أبداً لم أقرأ أي شيء لحجي، سوى منذ أيام، حينما أنهيت للمرة الثانية مذكراته التي صدرت في طبعة جديدة عن دار الكرمة تحت عنوان "مذكرات جندي مصري على الجبهة". تبدأ مذكرات حجي منذ تجنيده، عندما انتهت فترة التدريب الأولى. يتحدث بلغة رومانسية عن الأخوة والمحبة التي تنشأ بين المجندين، بعد أكثر من أربعين يوماً قضوها معاً. حينما طلب من العريف الذي يسجل الرغبات أن يسجل رغبته في السفر إلى الجبهة، نظر له العسكري وقال له: "دا أنت غاوي قرف بقي".

تعكس مذكرات حجي صورة مختلفة لكل ما يمكن أن تقرأه أو تسمعه عن حرب الاستنزاف والسنوات من 1967-1973. والسبب في ذلك أنه لم يكن ضابطاً أو جنرالا من هؤلاء الذي كتبوا المذكرات ليتنافسوا في ما بينهم في العبقرية، ومَن هو العقل المدبر للانتصار. بل يصحبنا حجي إلى عالم المجندين والعساكر. مئات الآلاف من الشباب المصري أفنوا زهرة عمرهم وحياتهم في تلك الحرب، وفي النهاية لم يجنوا أي تقدير، بل ولم ينتظروه.

يميز حجي في كتابه دائماً بين الضباط والرتب العالية، وبين عالم الجنود. ومما يحكيه، نرى عالمين على الجبهة لا يلتقيان أبداً. بل بوعيه السياسي، يدرك حجي ويشير في أكثر من موضوع إلى أن معركة التحرر الوطني لا تتوقف عند تحرير سيناء فقط، بل تذهب إلى التحرر ومحاسبة المسؤولين عن الهزيمة.

في الفصل السادس من الكتاب، يروى حجي رحلته من موقع وحدته العسكرية، إلى المستشفى الميداني، لكي يأخذ التعليمات ويطلب أدوية جديدة، وكان يخوض هذه الرحلة الممتدة عشرات الكيلومترات، على قدميه. وأثناء مشيه، لمح سيارة عسكرية على الطريق، فأشار للسيارة، لكنها حينما اقتربت منه، ندم على إشارته، إذ وجد فيها ضابطين، وفي العادة لا يفضل الضباط صحبة العساكر معهم في سيارتهم. لكن السيارة توقفت له، وركب فيها منزوياً، بينما ثلاث ضباط شباب تبدو على ملامحهم الصحة الوافرة يتأففون من وجوده. ثم فجأة، سأل أحدهم زميله: "هل أحضرت الثلاجة الصغيرة؟"، فردّ الأخير بأنه نسى إحضارها لكنه سيرسل لاحضارها غداً. فرد زميله الضابط متأففاً: "مش ممكن أنا مقدرش استحمل الجو الحر دا من غير البيرة".

الغضب في التفرقة بين معاملة الجنود والضباط، حاضر على امتداد فصول الرواية. يروى حجي نقاشاً يدور بين العساكر، تعليقاً على خبر تصدر الصفحات الأولى من الجرائد، حول استشهاد ضابط بحري، فأقيمت له جنازة عسكرية مهيبة وتصدرت صوره الصحف مع وعد بإطلاق اسمه على مدرسة ما. شعر الجنود بالغبن، فمنذ أيام تعرضوا لقصف من مدفعية العدو وفقدوا الكثير من زملائهم، لكن لم يُنر أي خبر عن الجنود والعساكر الذين سقطوا، ويزعق عسكري وهو يلقي بالجريدة "ما طبعاً ما احنا ولاد الكلب".

طوال فترة انتظار الحرب، وتململ العساكر على الجبهة، يزداد الاحتقان بين الجنود والضباط. وعلى ما يبدو، لم تجد الإدارة طريقة لاحتواء هذا الاحتقان سوى استخدام أفيون الدين. يروي حجي في مذكراته عن يوم استيقظت فيه الكتيبة، لتجد سيارة عسكرية نزل منها شيخ معمّم. قال لهم الشيخ "جئت لأعظ الكتيبة، وأهديهم إلى الطريق القويم"، ورحب الضابط بالشيخ. وفي الليل، على صليل أكواب الشاي، اجتمع الشيخ بالجنود، وقال لهم: جئت لكي أوثق الصلة بينكم وبين الله عز وجل، فسأله أحدهم كيف؟، فردّ الشيخ: بالصلاة، الصلاة في أوقاتها تجعل الله يرضى عنا وتجعل النصر قريباً.

ردّ عليه جندى، ولماذا لا نواجه العدو أولاً، ألن يرضى الله عنا إن واجهنا العدو؟
اعترض الجنود على إصرار الشيخ بأن يقوموا جميعاً للصلاة. قالوا لا يمكن أن نترك المدافع ونتجمع جميعاً للصلاة، خصوصاً أن السماء كانت صافية في تلك الليلة، ما يرفع من احتمالات هجوم العدو علينا. يتصاعد الخلاف بين الشيخ والعساكر، فالشيخ يأمرهم بالصلاة والدعاء والطاعة، بينما انفجر الجنود في وجهه يشتكون من أن أسلحتهم قديمة تعود إلى سنوات الحرب العالمية الثانية، وأنهم يواجهون العدو في أرض جرداء بلا أى سواتر تحميهم من هجمات العدو أو من القنابل أو تفريغ الهواء الناتج عن الانفجارات. انفعل جندي على الشيخ وطلب منه أن يذهب ليعظ القادة المسؤولين عن هذا الوضع، ثم فجأة دوت قذائف العدو فوقهم. هرول الشيخ مختبئاً في الخندق، وبعد انتهاء القصف أصابه ذهول وهو ينظر حوله لآثار القصف، وبدلاً من أن ينادى عليهم للصلاة، انغمس معهم يحمل بيديه الأخشاب وزكائب الرمال ويعيد معهم بناء ما خربه القصف.

يميز حجي في ميدان المعركة، كذلك، بين الضباط كطبقة وبين الضباط كقادة للموقع، شركاء مع العساكر وقادة لهم. وعلى هامش المعركة، ينغمس حجي في وصف الطبيعة من حوله. فلدى وصوله أول مرة إلى موقعه على الجبهة، كان بجوارهم قرية صغيرة، بكل ملامح القرية المصرية في ذلك الزمان. ومع ازدياد القصف، يبدأ سكان القرية في هجرتها هرباً من الحرب، وكان عجائز يرفضون المغادرة، متمسكين بزراعة أرضهم. الحقول المزروعة بالفواكه والقمح، تتحول بعد هجرة الفلاحين إلى أحراش عشوائية. المساكن المأهولة بالبشر والحكايات، تتحول إلى أطلال. ولا يبقى سوى الكلاب، التي تصبح رِفقة الجنود الدائمة. وفي إحدى المرات، أثناء قصف العدو، تصيب شظية كلباً اعتاد جنود الكتيبة على وجوده، فيحمل جندي جثة الكلب ويدفنه بتبجيل تحت الشجرة.

ومثلما تخرج الحرب أحياناً لحظات من الرقة والرومانسية البالغة، التي يسجلها حجي، تنتج لحظات من الصلف والبجاحة. لكن، كما يكتب حجي في مذكراته: "الأمر كله مرهون برحمة يمكن أن تنقذ عالماً بأكمله".

استشهد حجي العام 1972، ومنعت المخابرات الحربية نشر مذكراته بعد وفاته، وبالطبع السبب معروف. فهذا الكتاب هو رواية مضادة لروايات القادة والسادة الضباط والرتب، عن انتصاراتهم. وجه آخر للحرب مكتوب بقلم جندي مخلص في مشاعره، ومدرك لطبيعة المشهد السياسي خلف الجبهة وأمامه، وبقلب قادر على رؤية الجمال في اللون الأخضر للأرض المزروعة تحت قصف المدافع والصواريخ.




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب