آخر تحديث:12:34(بيروت)
السبت 02/03/2019
share

دانيا حمود .. "في خلفية الإيماءة الصماء"(*)

ترجمة روجيه عوطة | السبت 02/03/2019
شارك المقال :
  • دانيا حمود .. "في خلفية الإيماءة الصماء"(*)
    في تحريك جسدي من حوضه، أحرك موطني.
  • دانيا حمود
    دانيا حمود
(*)قدمت الفنانة الكوريغرافية، دانيا حمود، هذا النص بالفرنسية مؤخراً، حول عملها خلال نشاط في "المركز الوطني للرقص" بالضاحية الباريسية، بانتان، وذلك ضمن فعاليات "الاحتلال الفني" الذي شاركت فيه مع عدد من الفنانين.
وهنا ترجمته..
 
لطالما اهتممت بنية الإقدام على إيماءة أو فعل قبل أن يستقرا على شكلهما. نية القتل قبل تمثيله. هذا ما قادني إلى الانشغال بما أسميه تكثيف الحركة، أي خلق زمن مسكون بنية الفعل، بتوتره، بنظرته، وبإرادته أيضاً. هكذا، وما أن تصير الحركة مكثفة، لا يعود هناك ضرورة لتمثيل الفعل الذي أبغيه. فها هو، وبطريقة مسبقة، هنا.

لا تصدر الإيماءة في شكلها، في صورتها المتفق عليها، عن العضو الذي يجري اقرانها به. على سبيل المثال لا الحصر، المصافحة بالشد على اليد. لا تبدأ هذه الإيماءة بالإنطلاق من الذراع، بل تبدأ في مطرح آخر، في الحوض لدى البعض، في الصدر، أو في الظهر لدى البعض الآخر، كما تبدأ في النظر أيضاً.

بالتالي، شرعت في محاولة تطوير الأدوات، التي تتيح لي أن أجعل من هذا الطور طوراً مرئياً، أي طور النية، الطور السابق على استواء الإيماءة، أو الفعل في شكلهما.

أين وجدت الرقص؟ 
طرح صديق هذا السؤال عليّ. بعد قليل من الوقت، أجبته: في لحظات ومواقف اختبائي، وانقباضي. على أن ما ينقبض فيّ، يعود ويطلع من ناحية ما. يتحول.

ولدت وكبرت في مدينة احتراب، في مدينة لا تكف عن كونها ورشة بناء، وورشة دمار، وورشة إعادة بناء. لا شكل ثابتاً لها. ترابها، وكالرمال المتحركة، تختلج بفعل السخط من كل حدب وصوب. فقد وجد العنف منزله، وأقام فيه.

ما راكمته طوال الكثير من السنوات في هذه البلاد، انقلب إلى حركة، إلى حركة صماء. وهذا، ربما، من أجل التوازن مع الضجة، التي نغرق فيها.

حركة كثيفة ومتواصلة تتعادل مع الانقطاعات والكسرات في الحجر، في الأجساد، في التاريخ. حركة يحملها العنف الكامن.

لم أدرك الجواب على سؤال صديقي سوى بعد سنوات من الاكتساب، المشاهدة، التشكل، الرفض، التردد، الشكوك، الرغبات. حينها، طرحت على جسدي السؤال الآتي: أيها الجسد، أي عضو يبقيك على حركتك؟

قد يكون الجواب آنياً. ولكن، قررت عبور تجارب كثيرة، يعني ألا أنطلق من فرضية، بل أن أكتشف.
لقد اكتشفتُ الحوض.

الحوض: مجموعة عظام، عضل، سوائل، أنسجة، مكان الخصوبة، القدرة الحاضرة فينا. حمال معنى، مملوء بالتأويلات، بالمحرمات في الكثير من المجتمعات، كما أن الكثير من الأديان، وبالمعنى الواسع للدين، تسعى إلى ستره لكي تقلص قدرته.

عديدون هم الذين يجدون، وعن خطأ ينتجه التسرع والاستسهال، في انشغالي بالحوض، صلة بالرقص الذي يسميه الغربيون الرقص الشرقي، والذي يدعى بلدي.

ما يهمني فعلياً هو دواعي انتباه كل هذه المنطقة من العالم إلى هذا الجزء من الجسد. ما الذي دفعها إلى ذلك، وما الذي دفعها إلى تحريكه؟
من خلال البحث، وحدي بدايةً، ولاحقاً، مع غيري من الراقصات والراقصين الذين تعاونت معهم، حول الحوض، وحول قدرته على تحريك الجسد بأكمله، وصلت إلى الكثير من الملاحظات حوله. أذكر بعضها. 
في تحريك جسدي من حوضه، أحرك موطني.

حين نعيش في مجتمع، حيث الكثير من الحقوق غير موجودة، لكن المطالبة بها لا تتوقف، وحيث هناك تاريخ ثقيل من الاستعمار، من الغزوات، من النزاعات الداخلية، من التوترات المستمرة، نلح على حقنا في فضائنا الأكثر حميمية، على حقنا في جسدنا.

ملاحظة أخرى، تتعلق بالحيونة. الحيونة التي يحملها كل واحد منا في داخله. غريزتنا. حاجاتنا المعوية من أجل البقاء على قيد الحياة. تتكشف هذه الحيونة عبر نوعية حركة معقدة في منطقها، وظيفية في غايتها، ولا يشوبها تزيين ولا إفراط. ما يؤدي إلى استفهام حول الضرورة الدقيقة للإيماءة.

على إثر كل هذا، من الممكن أن أتيقن من لازمة تظهر في كل أعمالي: الوقوف.
إنه عمل فيزيقي بقدر ما هو استعارة عن كينونتنا في العالم.

في بداية كل عمل، كل اشتراك مع أجساد أخرى، أحث، وبالإنطلاق من وضعية مريحة على الأرض، تجرية الوقوف بالاستناد إلى الحوض، وهذا، لاكتشاف الحالة الجسمانية المنتصبة لكل شخص. هذه الحالة مشحونة بتاريخ الجسد وبذاكرته، التي كابدت طريقه نحو "صيرورته الاجتماعية". صيرورة بائسة أو فرحة بحسب السياق، بحسب الأوضاع المختلفة طبعاً.

الحوض هو بادئ الحركة، كل حركة. هذا ما أتاح لي أن أجعل كل أجزاء الجسد الأخرى مترابطة في فعلها، وهذا، في نفس الوقت وعلى نفس المستوى. وهذا حتى لو كانت الايماءة هي تفصيل من اليد على سبيل المثال.

عملي هو عمل مستمر. واستمراره هذا يجري في صعيدين. الصعيد الأول، يتعلق بالبحث حول الحركة بوصفها موضوع تفكير. الصعيد الثاني يتعلق بالموضوعات والهواجس التي تتطور وتتقدم على أساس كل خطوة نقدم عليها مع أشخاص، تواريخ، أجساد أخرى، نتقاسم مغامرة الإبداع معها.

لا إيمان عندي بالحالة صفر. ثمة دائماً وقت سابق، تجربة سابقة. أثر التجربة الماضية موجود في التجارب الحاضرة، ثم، في التجارب اللاحقة.
في الانقطاع، هناك فقدان للطاقة، طاقة لا يمكن إعادة تدويرها، لأنها، وفي الكثير من الأحيان، طاقة مدفونة وممحية.

تدمير وتجزئة الفضاء، الأراضي، البلدان، الزمن، ثم إعادة هيكلتها لتكون في خدمة النظام الذي نعتقد أننا نحاربه. هذا النظام الذي جعلنا، ومنذ وقت طويل، نعتقد بكوننا مستقلين، وهذا، في حين أننا أكثر اتكالية وزوالاً. 
غالباً ما نكون في مواقف من الإكراهات\التناقضات، بين الإرادة والخضوع، إنها لازمتنا جميعنا على ما أعتقد.

هذا التناقض، هذا التوتر هو، وبوضوح، محرك الحركة، وهو، وفي الكثير من الأوقات، يشكل وسيلة من وسائل الحض على الرقص. ولكن، ما يجذبني في هذا التناقض يتعلق بحالة الكينونة التي تنتج عنه. إذ أنه ليس وسيلة فقط، ولكن، رهان بذاته أيضاً. 
تشكل الأعمال، التي تنم عن هذا التناقض، وبحسبي، خيارنا. حرية الاختيار هي أقصى الإرادة في خضوعنا الأبدي. خضوع إلى القوانين الفيزيقية بدايةً، إلى الجاذبية، إلى قوانين الطبيعة، إلى قوانين المجتمع، الثقافة، المعتقدات، الأخلاق، والمال.

حاجتي (وخياري) إلى الاستمرارية في الحركة، وفي كل فعل وخيار في الحياة، ينطلق من كل هذه المعاينات. البناء في الإستمرارية، وفي كل مسعى إلى اقتصاد الطاقة.
كل كائن في رحلة تفتيش، متفاوتة الوعي، متفاوتة المرئية.
رحلة تفتيشي، أحاول أن أسميها، مثلما تحضر في خاطري اليوم، ومثلما من الممكن اختصارها بكلمة: التماسك.
أفسر. 
التماسك يتضمن في ظني، وبالضرورة، الخسارات، الحادثات، الطفيليات، المصائب (ومن يقول مصيبة، يقول نزاع). على أن رحلة التفتيش عن التماسك تقع بين الفكر والأفعال، بين المسعى وموضوعه.
غير أنني لا أجد نفسي معنية باليوتوبيا. لم أحسبها يوماً من الممكنات، كما أنني لم أجدها قابلة للإدراك، ولا حتى تشكل فانتاسم من فانتاسماتي. بلا أن أضيف نزاعات على هذا العالم، لا أبغي المضي الى السبات. أعيش في الراهن، وأعي وأهتم بالأزمات. وهذا، لو أنني أفضل تسميتها النتائج.

العيش في لبنان، في هذا البلد الصغير، في صراعاتنا الداخلية والخارجية، في ظل حربنا الأهلية، التي قيل أنها انتهت، ولكنها، دائمة الكمون، وتنتظر الانفجار، العيش فيه هو مواجهة مستمرة مع المشكلات السياسية والثقافية والاقتصادية. لقد فهمنا أن المال يتوجه إلى بلدان مأزومة، لكي ينتج الفنانون أعمالاً حول هذه الأزمات، ولاحقاً، يجري عرضها في بلدان تغذي الأزمات إياها. 
إنه فن موعز بالمال.
لكل منا أن يحدد خياراته، ومواقفه.

السياق السياسي، والإجتماعي، هو، وفي الكثير من الأحيان، مصدر الموضوعات، التي أسعى إلى معالجتها، الاستفهام حولها، ولكن، اخترت ألا أضغط نفسي لألاحق الراهن. أفضل العيش في العمل، لا أن أنشغل بـ"رد فعل على"، ولا أن أضع عملي في فضاء "الفن الخادم لـ".

الإبداع هو الولادة المتكررة في هذا العالم. الابداع هو الولادة المتكررة للكائن في العالم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ترجمة روجيه عوطة

ترجمة روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب

حكايات الريح لغسان سلهب الثلاثاء 24/01/2017