آخر تحديث:14:11(بيروت)
الخميس 14/03/2019
share

مذكرات مي زيادة وخيالات واسيني الأعرج

شريف الشافعي | الخميس 14/03/2019
شارك المقال :
  • 0

مذكرات مي زيادة وخيالات واسيني الأعرج المذكرات التي اتكأ عليها واسيني الأعرج في كتابه هي مخطوطة لمي زيادة
مساران أساسيان تمضي فيهما الرواية التاريخية عادة، أولهما: الحدث المحوري المُسْتدعَى من كبد الحقيقة إن كان فعليًّا واقعيًّا أو من قلب الأسطورة، إن كان إرثًا مرويًّا، كتابيًّا أو شفاهيًّا. وثانيهما: فضاء التخييل والمجاز، بكل ما يحتمله من اشتغالات كاتب الرواية وتصرفاته في لب القصة وتفريعاتها المختلفة.

استنادًا إلى أن وجود هذه الاشتغالات الفنية في الرواية التاريخية، ضرورة حتمية للتفرقة بينها كصنف أدبي وبين كتابة التاريخ ذاته، فإن هناك درعًا واقية مسبقة التصنيع تحول بين مؤلف الرواية التاريخية وبين سهام انتقاداته المنطلقة من تحريفه للأحداث وزحزحته الوقائع عن مسارها، فمنطق النقد الأدبي قوامه التحليل الجمالي المجرد، والتعامل مع "الصورة" الفنية كأنها "أصل" جديد، فلا يقتضي الأمر التوقف طويلًا عند مطابقتها بالأصل الواقعي أو المرويّ، كما يفعل باحثو التاريخ.

الحدث التاريخي، وفق هذه المسلّمات العريضة، مجرد رافد ملهم ومفجر للحدث الروائي. والشخصية الروائية ليست مجرد ظل للشخصية التاريخية، بل هي كيان جديد من لحم ودم وأحاسيس وانفعالات، ومن ثم فإن مساحة التحرك واسعة أمام الكاتب ليدلي بدلوه في المتن وهوامشه، بالمحو والإضافة والتغيير.

هذه المواصفات والضوابط، بحذافيرها، قد تكون مستساغة بقدر مقبول في حالة الرواية التاريخية المكتملة فنيًّا كنسق إبداعي مستقل، أي التي تتحقق فيها عناوين الإبداع وشروطه في الواجهة. فيما تكتسي الخلفية بزي التاريخ، فوفقًا لتعريفها فإنها تلك الرواية التي يختلط فيها التاريخ والخيال، وتدور حول تصوير عصر ما أو حدث بعينه، جلّ أو صغر، بأسلوب روائي  مبني على إحداثيات التاريخ وركائزه، من غير إلزام بالتقيد الحرفي بما جرى على أرض الواقع بالفعل.

لا تشترط الرواية التاريخية كذلك وقوع الأحداث في الماضي، فقد تستعرض ميلاد أوضاع جديدة، وتعنى بمصائر لم تتبلور بعد، كما أنها قد تستوعب السباحة الداخلية في العمق الإنساني، وتحليل التوترات الذاتية للشخصيات، وصولًا إلى ذلك المزج بين الخبرات الفردية والملامح العامة للحياة الاجتماعية.

هذه الرواية التاريخية المكتملة الأركان، هي التي تعفي مؤلفها من المحاسبة بقوانين التاريخ، لأنها ليست تاريخًا، كما أنها لا يمكن مقاربتها بالآليات ذاتها التي يجري التعاطي بها مع "علم التراجم" مثلًا، الذي يتناول سير حياة الأعلام من الناس عبر العصور، فهو بدوره فرع من فروع علم التاريخ، وكذلك تبتعد الرواية التاريخية المستقلة عن أدب السيرة الذاتية والمذكرات والاعترافات وما نحو ذلك من كتابات تدّعي الالتزام التام بالمثال الذي تحكيه.

بقدر ما يكون هناك تحديد للون الكتابة، بقدر ما ينحسر الجدل وتقل الإشكالات المثارة حول هذه الكتابة التي تعرف وجهتها، والعكس صحيح بطبيعة الحال، فالكتابة عبر النوعية محل قلق وتوجس دائمين، فبقدر تمسحها بأنماط شتى من الآداب والعلوم، بقدر ما يجب عليها أن تتحمل المراجعة والمحاسبة بأكثر من منظور.

على عهدة دار "الآداب" اللبنانية، فإن غلاف كتاب "ليالي إيزيس كوبيا.. ثلاثمئة ليلة وليلة في جحيم العصفورية" للجزائري واسيني الأعرج (2018) يقطع الشك باليقين بتصنيف هذا العمل على أنه "رواية"، كما أنه مدرج في تبويب "روايات" في موقع الدار الرسمي.

على الرغم من ذلك، تخلط دار الآداب في مانفستو تقديمها للكتاب بين كونه إبداعًا روائيًّا تخييليًّا، وكونه "ترجمة أدبية" لمي زيادة تعاملت مع شخصيتها من مدخل نفسي (مثل تراجم العقاد الأدبية الشهيرة)، بل إن الدار تشير كذلك إلى إمكانية اعتبار الكتاب شهادة على العصر وتسجيلًا لمعاركه الحداثية والتنويرية، واستدعاء وثائقيًّا لمرحلة كاملة عاشت فيها مي زيادة ورفقاء جيلها.

عند قراءة "رواية مي"، بتعبير دار الآداب، تصبح مي زيادة الإنسانُ "على مسافة نَفَس منّا، فنسمع نشيجها وهي في قمَّة عزلتها في مستشفى المجانين، العصفوريَّة، الذي زُجَّتْ فيه ظلمًا، بهدف الاستيلاء على ميراثها العقاريّ والماليّ، ونُصغي إلى أنفاسها وهي تخبو بهدوء، قبل رحيلها الأخير عن دنيا حوَّلها الأهل والأصدقاء إلى جحيم".

وتستطرد دار الآداب: "تذهب الرواية إلى أبعدَ من ذلك، في تحليلها الفني لمشكلات العصر الخطيرة، إذ اختار جيل مي الحداثة، لكنَّه رفض دفع ثمنها. لطفي السيِّد، طه حسين، الرافعي، العقَّاد، جبران، شوقي، مطران، الريحاني، وغيرهم، هيكلوا فكريًّا مجتمعَ العشرينيَّات حتى الخمسينيَّات، لكنَّهم تركوه معلَّقًا داخل حداثة مستحيلة، شكّلتها المنظومة الدينيَّة والفكرُ المحافظ".

من جهته، ذهب واسيني الأعرج (65 عامًا)، الروائي والجامعي وأستاذ الكرسي بجامعتي الجزائر المركزية والسوربون بباريس، في لقاءاته الجماهيرية المباشرة في القاهرة وبيروت، وفي حواراته الصحافية، إلى اعتبار كتابه "رواية تاريخية"، وليس صنفًا آخر، مسهبًا في الحديث عن خصائص هذا النسق الإبداعي، من حيث بنائه السردي التخييلي، وعدم تقيده بالنقل الحرفي لأحداث الواقع.

إن الروائي، بحد تنظير واسيني الأعرج لعمله، لديه الصلاحية للتحلل من التدوين التاريخي الصارم لما جرى، حيث يستدعي نبض الحدث والتفاصيل الإنسانية الدقيقة لينسج من روح القصة ملحمته الخاصة، التي تعنى بالحاضر بقدر ما تتكئ على الماضي.

وفق هذا التصور الذي ساقه المؤلف، فمن المفترض أنه في كتابه لم يتجاوز "استلهام" مذكرات مي زيادة المكتشفة حديثًا، ليصوغ من وحيها "رواية تاريخية مكتملة مستقلة"، تتفاعل مع الواقع الحالي من جهة (وهذا هو الأساس)، وتقرّب (من جهة أخرى ثانوية) تلك المذكرات إلى المتلقي في صيغة سردية هي الأكثر رواجًا في سوق القراءة الحالية.

والمذكرات التي اتكأ عليها واسيني الأعرج في كتابه هي مخطوطة لمي زيادة بعنوان "ليالي العصفورية: تفاصيل مأساتي من ربيع 1936 إلى خريف 1941"، وقد كتبتها مي (1886-1941) في أثناء إقامتها بمصحة "العصفورية" للأمراض النفسية والعقلية في بيروت قبيل رحيلها، وظلت هذه المخطوطة مجهولة سنوات طويلة إلى أن تم اكتشاف نسختها الأصلية الكاملة في صحراء الجيزة منذ فترة وجيزة.

بالرجوع إلى كتاب واسيني الأعرج (روايته وفق تسميته)، وإلى حيثيات نشوء فكرة الكتاب وتبلورها لديه، وإلى مقالاته الصحافية التي سبقت صدور الكتاب وتزامنت معه وأعقبته، تتجسد الكثير من الشواهد المحيلة إلى رغبته في تقديم ترجمة أدبية في المقام الأول، لكن بمعطيات فن الرواية، فهي ترجمة ذات طابع انتقائي لسيرة مي ورفقائها ورفيقاتها، تركز على نقاط وحروف دون سواها، ولا يعني مثل هذه الترجمة الالتزام الأمين بوقائع تفصيلية بعينها وأحداث جامعة مسجلة بعناية، فهي لا ترى ذاتها أصلًا ترجمة، وقد ارتدت عباءة الرواية الفضفاضة، التي تسمح بأي تغيير أو حتى تحريف، بدعوى التخييل الفني والخلق الإبداعي.

تلك لعبة الدهاء، التي أعادت إفراز مخطوطة مذكرات مي زيادة في صورة نثارات مثيرة واستقطاعات جاذبة، من هنا وهناك، مجتزأة، منقوصة، تحت عنوان "الرواية" الجماهيري المراوغ، لتتشكل محصّلة توليفة "البيست سيلرز" المكثفة من عناصر يُشترط فيها التشويق والتفجير وحبس الأنفاس وربما الفضائحية، منها: المرض، الظلم الإنساني، الغربة، العشق، الخيانة، المثلية، الموت، وما إلى ذلك من مواضع الاهتمام في الكتاب، فيما لا يأخذ الاستطراد والتحليل العناية ذاتها في توصيف مي زيادة: القلم، العقل، الفكر، العمق.

مي زيادة، متعددة المواهب والأعمال الإبداعية بالعربية والفرنسية وصاحبة الصالون الثقافي القاهري والعلاقات الخصيبة مع رموز الفكر والأدب من أمثال جبران ولطفي السيد وطه حسين والعقاد، وغيرهم، لم تظهر في الكتاب كمبدعة ومفكرة بقدر ما ظهرت كامرأة، عاشقة ومعشوقة ومغدورة، ولم يظهر هؤلاء الرجالات، وغيرهم، كفطاحل وقامات في الثقافة العربية بقدر ما ظهروا كمتنافسين في عشقها، ومتخاذلين عن نجدتها في محنتها الأخيرة، حيث تعرضها للاحتيال من جانب أقربائها، وضياع ثروتها، وإيداعها المصحة النفسية، وتدهور حالتها وصولًا إلى موتها في القاهرة.

"أتمنى أن يأتي من ينصفني"، عبارة بقلم مي زيادة تتصدر كتاب واسيني، ومن بعدها تتوالى البكائيات، وما يسميها المؤلف بالأسرار الخفية في حياتها وعلاقاتها، التي يحبكها الكاتب سرديًّا إمعانًا في إنصاف الكاتبة بالتعرية، وقول كل المسكوت عنه، وإن كان لا يضيف إليها مجدًا، وقد يوجه إليها لومًا واستنكارًا، لاعتبارات يراها البعض بعيون أخلاقية (أي وجه من وجوه الإنصاف وإثبات القيمة الأدبية لمي زيادة في الخوض المجاني في أمر من قبيل المثلية الجنسية؟).

ارتكز الكتاب على كل ما هو ساخن ودامٍ بمذكرات مي، في دوامات عشقها خصوصًا، وفي مشوارها نحو الغدر والموت، بطعنة من ابن عمها جوزيف الذي أحبته ووثقت به، فقادها إلى التهلكة: "أخرجوني من بيتي قبل الرابعة بعد الظهر، وأوصلوني إلى مكاني في القطار، وغابوا عني. أرسلوني إلى العصفورية، بحجة التغذية. وباسم الحياة ألقاني أولئك الأقارب في دار المجانين أحتضر على مهل، وأموت شيئًا فشيئًا. جوزيف، كان قاتلي ومقتلي من دمي. قال لي: تعالي، يا مي. الكل ينتظرك في بيروت. الأهل لا ينامون، يتناوبون على انتظارك. ضيعتك بشحتول تنتظرك".

يختتم واسيني الأعرج ليالي "إيزيس كوبيا" (الاسم المستعار لمي زيادة)، معلنًا أن "الرواية" أصبحت اليوم أهم سلاح في وجه طغيان النسيان، وهزيمة الذاكرة، لتحرير التمثال العالق منذ قرون، بأعماق الصخرة الصماء، معتبرًا أن عمله بمثابة "استعادة امرأة بدأ النسيان الظالم يطويها، ويسرق منها وجودًا إبداعيًّا واجتماعيًا وإنسانيًّا".

وبعيدًا عن الكلام الشعاري الذي ردده المؤلف وبعض النقاد حول إنصاف الكتاب لمي زيادة "إبداعيًّا"، وانتصاره للمرأة العربية المقهورة على وجه العموم، وتبنيه قضاياها ضد الذكورية في كل مكان وزمان، وما إلى ذلك من تعميمات لا أصل لها (ربما لاحتواء الكتاب على صرخة مي: "ماذا أُساوي كامرأة أمام ذكورة متخلِّفة، حتّى ولو كان مستواي عاليًا؟")، فإنه يمكن القول إن أبرز جوانب إنصاف مي زيادة في الكتاب بالتحديد هو فضحه تفاصيل مؤامرة ابن عمها (حبيبها في الشباب المبكر) بعد وفاة والدها ووالدتها وجبران خليل جبران (الصديق والحبيب أيضًا)، حيث أصيبت مي في ذلك الوقت باكتئاب حاد، وفقدت الرغبة في الطعام، واستغل ابن عمها حالتها النفسية السيئة ليجعلها تتنازل له عن ممتلكاتها، وينتهي الأمر بتدميرها، ورميها ظلمًا بالجنون، وهي التهمة التي تنفدها تمامًا مذكراتها أيضًا، فكاتبة هذه السطور لها عقل وقلب سليمان نابضان متوهجان.

تتقصى تفاصيل الكتاب ما هو مثير ومشتعل من كؤوس العذاب التي تجرعتها مي زيادة في هذه الفترة المظلمة من حياتها، كتعرضها لإدخال الطعام إلى جوفها بالقوة عن طريق أنفها عندما أضربت عن الطعام، وتفاصيل علاقاتها بجبران ولطفي السيد والعقاد وطه حسين والرافعي وشكيب أرسلان وفارس الخوري، وكيف أن غالبية أصدقائها انفضوا من حولها عندما اتهمها الطامعون في ثروتها بالجنون، تقول مي: "كانت ذئاب تفترسني أمام الجميع، ولا من يحرك يده".

يعرّي واسيني بعض العلاقات الخاصة في حياة مي، استنادًا إلى مذكراتها، خصوصًا علاقتها بجبران: " حبيبي وأخي الذي يعرف جراحاتي التي لم يلمسها حتى الأقربون، رفضتُ أن أكون مجرد رقم في حديقة نسائه، لو قادني القدر نحو ذراعي جبران كنت طحنته بغيرتي وافترقنا بسرعة بشكل بائس وحزين وحقد لا يُمحى. نعم أنا سيدة الأقدار الحارقة، ورجل نشأ في الحرية ومات فيها لا يمكنه أن يدرك حرائقي مهما تواضع معي، كان سندي وصديقي وأخي الذي لم تلده أمي وحبيبي الآخر، وموته دمرني".

وتحكي مي عن العقاد ما يجد فيه واسيني مادة لإثراء توليفته الشيقة (على أن هناك من يشكك في مثل هذه السياقات، ويصفها بالاجتزاء المخل)، تقول مي وفق ما نقله واسيني: "كيف تجرأ العقاد أن يرميني بسهولة؟ ألم يكن حبيبي؟ كان من الصعب أن يراني امرأة خارج السيطرة، خارج سربه النسوي الذي أعرفه. منحته يومًا خاصًا به، الأحد. كان يتضايق من صالون الثلاثاء. لم أكن مهيأة للنوم معه، فكان يغضب كطفل صغير. شيء ما في داخلي يرجعني إلى تربيتي بالدير، أنا امرأة مسيجة بالممنوعات".

لقد فات قطار العمر بسرعة، وبقيت مي زيادة "واقفة على الرصيف القديم، تغزل الخيوط احتماء من برد شتاء كان على الأبواب، ونسيت أنه كان بداخلها"، وفي مذكراتها زرعت مأساتها الكاملة، بتقنية أدبية عالية، فهل كان الأوفق جني طرحها الناضج كما هو، أم بالاشتغال عليه في صيغة معالجة روائية مقترحة، على هذا النحو المثير للجدل والتساؤلات؟ 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شريف الشافعي

شريف الشافعي

كاتب وشاعر مصري