آخر تحديث:13:39(بيروت)
الأربعاء 13/03/2019
share

بدايات بطرس البستاني: أميركا في رأس بيروت.. وتحولات بروتستانتية

محمد حجيري | الأربعاء 13/03/2019
شارك المقال :
  • 0

  • بدايات بطرس البستاني: أميركا في رأس بيروت.. وتحولات بروتستانتية
  • المدرسة الوطنية
    المدرسة الوطنية
(*) اختارت الحركة الثقافية أنطلياس، العلامة بطرس البستاني، عنواناً لدورة 2019 من معرض الكتاب الذي تقيمه، وعددت مزايا "المعلم" وسبب اختياره في ذكرى 200 عام على ولادته. ونشر النائب فريد البستاني، نسيب "المعلم"، خبراً عن "الاجتماع التأسيسي الأول للتحضير للمئوية الثانية لولادة بطرس البستاني، وعرض احتفالاً أقامته "جمعية بطرس البستاني" في فندق فورسيزنز في بيروت، وحضرته "شخصيات روحية ثقافية وسياسية وفكرية وأكاديمية وعسكرية وحشد من وسائل الإعلام ورجال الصحافة"... ولا ضرورة الى العودة إلى المواقف الزجلية التي أطلقها الخطباء والوعاظ، وكان معظمهم من السياسيين وبعض الإعلاميين الذي يدورون في فلكهم.

بطرس البستاني، الماروني المتحول الى البروتستانتية، سيرته سيرة التحولات التي طرأت على لبنان ما قبل حرب 1860 وما بعدها. بل هي سيرة التأسيس للطائفة البروتستانتية في لبنان، والتي تُعلمنا أنه سليل "عائلة أدبية"، ولقبه "أبو التنوير العربي"، ومؤسس "المدرسة الوطنية" في زقاق البلاط، وصاحب شعار "الدين لله والوطن للجميع"، وكان أولّ مَن أنشأ دائرة معارف وأول مَن وضعَ معجماً عربيًّا بالتسلسل الأبجدي، وكان أيضاً مترجماً موسوعياً. ورغم جدارته الثقافية واندفاعه لإعطاء المرأة حقوقها في زمانه، لم ينجُ (اليوم) من زوابع الاتهامات، إذ يصفه بعض اليسار الممانع بـ"الاستعماري" بسبب ليبراليته، وتصفه أقلام إسلامية بـ"التغريبي". وهو في الواقع، وبحسب الباحث البروفسور في التاريخ، أسامة مقدسي، في كتابه "مدفعيّة السماء"(دار الآداب، ترجمة ريما العيسى)، "جسّد الإمكانات والمآزق لقرن تاسع عشر جديد أقلّ تنسكاً وتوحداً"، و"نادى بكل وضوح، وعمل في اتجاه شكل جديد من التعايش، مبني على المساواة، تعايش مستمد من اعتناق التنوع الديني للمنطقة، ولكن متحول عبر حوار شرقي غربي، مسلم ومسيحي".

"المعلم بطرس" الذي ولد في الدبية-إقليم الخروب، في 19 تشرين الثاني 1819، توفّي والده وهو في الخامسة من عمره. وقد فتح عينيه على عالم لبناني "تهيمن عليه الأسر المتنفذة التي حددت الجغرافية الاقطاعية لهذه البقعة من الأرض، حيث كانت القرية التي ولد فيها تحت سيطرة الجنبلاطيين الدروز". أُرسِلَ إلى مدرسة القرية، واحدة من مدارس "تحت السنديانة"، فبدأت "سمات الذكاء" تظهر عليه، ما لفت انتباه معلّمه الخوري ميخائيل البستاني الذي أخبر مطران أبرشية صيدا للموارنة عبدالله البستاني عن نجابته، والأخير أوصى بتعليم بطرس مع حفيد أخيه، في الكلية المارونية في "عين ورقة"، حيث أمضى عشر سنوات، تعلّم خلالها قواعد اللغة العربية، والسريانية، والتاريخ، والجغرافيا، والحساب، وبعض النظريات اللاهوتية، والفلسفية، ومبادئ اللغة اللاتينية، وأصول الحق القانوني، من دون ابداء رغبة في السفر الى روما لمتابعة دراسة اللاهوت، وذلك من باب الحرص على أمّه الأرملة التي لم تكن تريد فراقه.

والبستاني في حياته ومساره التعليمي، كان يشبه أسعد الشدياق الذي قضى تحت التعذيب من قبل الكنيسة (نعود إليه لاحقاً). فحين قرع باب المبشرين بحثاً عن عمل، في نهايات 1840، ارتاب المبشرون في نيّته بادئ الأمر، مع خشيتهم الأولية من "أننا ربما نقع على قضية أسعد آخر"، نظراً إلى التشابه في مساري الشدياق والبستاني في تلك الحقبة من صعود القوة البريطانية والإصلاح العثماني، ما دفع بالحنق البطريركي الماروني إلى أن يأخذ مجراه. وفي بدايات الأربعينات، كان البستاني يعلم العربية للمبشّر إيلي سميث في مدرسة عبيه التبشيرية ويتعلم منه الانكليزية، وساعد المبشرين في ترجمة بعض كتبهم، ومنها كتيب ألّفه سميث في شرح المذهب البروتستانتي، فترجمة البستاني بعنوان "الباب المفتوح في أعمال الروح"، وطبع في بيروت العام 1843.



وفي هذه المرحلة تسارعت وتيرة الأحداث. ففي أوائل شهر آب 1840، بدأت السفن الأوروبيّة تحاصر شواطئ بيروت عبر سواحل الكرنتينا وجونيه ورأس بيروت. ولما رفض سليمان باشا، حاكم سوريا ورئيس أركان الجيش المصري، تسليم بيروت والخروج منها، بدأت الأساطيل الإنكليزيّة والنمساويّة قصف المدينة، في 10 أيلول 1840، فدمّر القصف المنازل وأحرق المحال والحوانيت التجاريّة، ولم يستمر صمود المدينة كثيراً بسبب الضغط الدولي، فسقطت في تشرين الأول 1840، وجلا المصريون عن بلاد الشام. وبذلك انتهى الحكم المصري في المنطقة بعدما استمر تسع سنوات (1831-1840). وهذه الأحداث، لم تُعق توسع بيروت، التي سرعان ما عاد اليها المبشرون الأميركيون الذين غادروها بسبب الحرب. فأعيد افتتاح مدراسهم وكليّة الصبيان، رغم قرار المبشرين بنقلها بعيداً من المدينة لكونها لم تعد مكاناً هادئاً ومنعزلاً نسبياً.

لكن، مع هذا، أخفق التطور المديني لبيروت، والأمان والبحبوحة اللذان نعمت بهما الارسالية الأميركية وسط الاستقرار السياسي في جبل لبنان المجاور، في ايجاد حل لمسألة التحول، بحيث استمر المجلس الأميركي ومبشروه يكافحون في تعليل ندرة المتحولين (دينياً) في سوريا، في الوقت الذي شهد تحول الكثيرين في إرساليات اخرى. فبحسب مبشر متشائم، كانت الرعية المحلية في بيروت تتشكل، العام 1842، من "الخدم والمعالين والمترقبين"، رغم إقراره بأن البستاني قد بات "بروتستانتياً راسخ الإيمان وينطوي على ضمير حي ومحبّ". لكن الوضع تحسن نوعاً ما، بعد عقد من الزمن، حين اتخذ البستاني المبادرة من أجل تأسيس كنيسة بروتستانتية منفصلة للسكان الأصليين في المدينة، العام 1848، تضمنت 19 عضواً، وأربع نساء. على أن تحول بيروت، في حد ذاته، والفرص التعليمية التي وفرها الأميركيون، والتي جذبت البستاني وغيره إلى الإرسالية بداية الأمر، ولّدت قلقاً ملحوظاً بين بعض المبشرين الأميركيين. كان المبشّر اليسوعي، فرنسوا بدور، قد رثى زوال "اللباس الإبراهيمي" في مطلع الخمسينيات من القرن التاسع عشر، لمصلحة الأزياء الغربية في بيروت، مُنوهاً بأن "أكثر من واحد من عربنا قد تحرر من حزامه وثوبه وشرواله من أجل ارتداء البناطيل الضيقة وتدخين السيجار والتسكع في المقاهي وازدراء هموم الآخرة". وكان بدور يردّد صدى فزع المبشر الأميركي صاموئيل وولكوت فحسب، ذلك المبشر الذي دان بيروت ولعنها "لانفتاحها على أسوأ العناصر الأجنبية". وبحسب أسامة مقدسي، لم يكن الخوف العمومي من الحداثة، التي ذللت رغم كل شيء وبشكل غير مسبوق، العوائق أمام العمل التبشيري. بل كان الخوف من سطوتها "المفسدة" على السكان المحليين. كانت هناك وجهة عمليّة للقلق والتوجّس من ناحية واحدة على الأقلّ، إذ لم تكن الارساليّة راغبة في هدر مواردها الثمينة في إنتاج أفراد معلمنين لا يطورون هدفها المحدّد بدقّة، وكان لا بدّ من أخذ الاعتبارات المالية في الحسبان. على أن القلق، بحسب مقدسي، كانت "له دوافع عنصريّة ملموسة أيضاً"، بحيث اتكأت نظرية التبشير عند المبشر أندرسون، على مقدّمة تفترض فضاءات وطنية "منفصلة"، يحتلها كل من الأهالي والمبشّرين، بينما شجع التعليم العلماني الذي أخضع التبشير المباشر بكلمة الله لمقتضيات المعرفة العلمية، ما دفع أندرسون الى الشك في أنها "دوافع ارتزاقيّة جشعة بين المسيحيين المحلّيّين". إذ لم يكن هدف النشاط التبشيري الأسمى، تنشئة رجال ونساء متمدّنين يطمحون إلى رواتب متساوية مع الأميركيين، او على الأقل مستوى حياة أفضل ممّا في مستطاع ظروفهم "الأصلية" احتماله وتوفيره، وانما كان "تحويل الناس وهدايتهم نحو الله".

عمل بطرس البستاني، في أربعينيات القرن الثامن عشر، بمبلغ 300 دولار أميركي في السنة، في حين كان المبشر الأميركي يتقاضى الضعف، وأحياناً أضعاف أضعاف هذا المبلغ سنوياً. وقد ألمح بطرس، وهو المبشر غير المُعين، والذي عمل مترجماً في مقر الإرسالية، ثم في قرية عبيه، ألمح إلى نصيره المبشّر السابق ايلي سميث بعدم رضاه عن الراتب المتدني. واستغل البستاني، تقاطع الإصلاح الإمبراطوري والمساعي التبشريّة، إلا أنه، عاكَس المجلس الأميركي والمبشّرين الذين آمنوا بانقسام ثنائي ضيق بينهم كمبشرين أميركيين من البيض، وبين السكان الأصليين من العرب التابعين للامبراطورية العثمانية. لذلك، لم يكن هناك داعٍ للبستاني كي يعرّف نفسه في تضاد صارخ مع الأميركيين، وإنما التضادّ فقط في العلاقة بهم.

ساهم البستاني بحماسة، مع المبشر فان دَيك، في جمعية جديدة مستقلة عن الإرساليات الأميركية، تدعى "الجمعية السوري للفنون والعلوم"، وتأسست في بيروت العام 1847، واجتمعت بانتظام حتى العام 1852. تشكلت الجمعية في غالبيتها من السكان الأصليين، لكن رؤساءها كانوا من المبشرين الأميركيين، وقد اجتمعت شهرياً لبحث مسائل تتعلق بالفنون والعلوم مع رفضها اللافت الولوج "في العقائد والطقوس الدينية". عكس انشغال البستاني وضلوعه في هذه الجمعية المجاهرة بـ"علميتها" - الطابع الذي لا يُخفى للإنجيليين الأميركيين. وقد أدرك البستاني أنّه نما إلى حد كبير في ظل الإرسالية، وكان لا يزال مؤمنا آنذاك بالتعاون مع أولئك المبشرين الذين اعترفوا بواقع محلي خارج نطاق الإرسالية، مضطرين الى التفاعل معه، رغم قيود أندرسون وتضييقاته على التعليم العلماني.

تزوج البستاني برحيل عطا، التي نشأت في كنف سارة سميث - الزوجة الأولى للمبشر ايلي سميث. وقد جسد الاثنان معاً ثنائياً من "السكان الأصليين" شبه نموذجي: بروتستانتي مؤمن ومتعلم ومثقف وأديب في خدمة الارسالية، متزوج بامرأة مثقفة تقية وورعة... لذلك لم يكن مستغرباً التطابق الكلي لخطاب البستاني عن تعليم المرأة الذي طرحه على شكل محاضرة في الجمعية السورية العام 1850، من منظور تبشيري جنسوي للأسرة المسيحية النموذجية.



نادى بتربية المرأة على أيدي "رجال ورعين وأتقياء لإخراجهن من الجهل"، وحث مستمعيه الذكور على التأمل في حقيقة "كون المجتمعات لا تتطور من دون تعليم مناسب للنساء"، كما لا يعتبر الرجال أصحاب معرفة وأحرارا ضمنياً، إذا لم يشركوا نساءهم في هذه المعرفة والحرية. غير أن جرأة حجج البستاني عن ضرورة تعليم المرأة، والتي أعلنها قبل زمن طويل من رسالة "تحرير المرأة" التي أطلقها المصري قاسم أمين العام 1899 وناقشت كون تحرير النساء التدريجي لا يتعارض مع الاسلام، كشفت الى أي مدى أعاد البستاني إنتاج إطار تبشير أميركي قسم العالم شعوباً وقبائل متطورة ومتخلفة. وقد أثنى البستاني، على سبيل المثال، على الاستعمار البريطاني للهند، لأنه حرر النساء ظاهرياً من الساتي (التضحية بالأرامل)، وأوضح أنه يعتبر نساء سوريا في منتصف المسافة بين نساء أوروبا "وبرابرة الدينا"، جامعاً بهذا نساء الهند وأفريقيا ونساء أميركا الأصليات في سلة واحدة. وعكست مناداة البستاني بنهضة الحضارة العربية، التي تبدأ بالنساء وتمتد الى سائر فروع المجتمع، اكتشاف المجلس الأميركي في منتصف القرن لـ"العرب"، بحيث صرحت الميشينيري هيرالد العام 1844 على سبيل المثال، بأن العرب شعب يمتلك عناصر الشخصية النبيلة. وقد صقل ايلي سميث هذا الوصف، بعد ست سنوات، بشرحه لجمهور من الأميركيين سبب كون "العرق العربي هو المفضل لدي: كان لديهم أدب وشعر وروح السمو".

في الواقع ذكر سميث الأعضاء العرب من مستمعيه، ولا بد أن البستاني كان واحداً منهم في اجتماع للجمعية السورية العام 1852 بقدرتهم على أن يصبحوا حداثيين، وعندما أسهب البستاني العام 1859، مذكراً بأمجاد العرب الماضية في العصر العباسي الوسيط، وحاثّاً أبناء قومه على "الصحوة" في القرن التاسع عشر. إذ كان البستاني، بحسب الظواهر، مثالاً للمعلم من السكان الأصليين، بحيث سهّل عمل المبشرين، كما شرعن الخطاب التبشيري وأعاد انتاجه. في المقابل، بُنيت إنجيلية البستاني على الوعد غير المنجز لقوة السكان الأصليين وفعاليتهم، إذ أن دعوته من أجل نهضة ثقافية عربية، عممت وعلمنت صراعه  الشخصي المعمق مع الإيمان الذي أيقظ شخصاً بفكر انجيلي، مما دُعي بالموت الروحي وتحدي الأرثوذوكسيات السائدة التي استتبعته... بيد أن نهضة العرب التي دعا إليها البستاني العام 1859، لم تغدُ ممكنة عبر الإخلاص والتفاني للعقائد البروتستانتية، وانما من خلال التقدير الواضح والمدروس من جانب أبناء وطنه، مسلمين ومسيحيين، للحظة متفردة من القرن التاسع عشر، جمعت، بحسب البستاني، بين مبشرين أميركيين محسنين، وسلطان عثماني إصلاحي. لذلك سخِر البستاني من اولئك الذين رفضوا الفكر الغربي وازدروه لكونه غريباً فقط، كما وبخ أولئك الذين دعاهم متفرنجين أو المسممين بالغرب لتبنيهم أزياء الغرب ولغته باستغفال وطيش، على حساب "لغتهم الشريفة". لقد "نظر الى الفوارق الثقافية على أنها مؤشر على إنسانية مشتركة متحققة بدرجات مختلفة". لكنه آمن، بخلاف المبشرين الأوائل وغالبية من خلفهم، بأن "التبشير الحقيقي يستدعي انفتاحاً على الآخرين"، وأنّ الفجوة الأخلاقية والعلمية القائمة بين الأمم الغربية و"المتمدنة" و"العرب" لا تدلّ على صراع بين المسيحيين والمحمدية يستدعي أن يقهر أحدهما الآخر. بل اعتبر البستاني ان التفاوت التقني والتعليمي البيّن بين رعاته المبشّرين وعالمه الشرقي، دليلاً على شرط تاريخي ناجم عن القرارات المصيرية للعرب أنفسهم، بحيث إن تطورهم وخلاصهم يعتمدان كلياً في نهاية المطاف عليهم.

(*) مقالة أولى من سلسلة مقالات في "المدن" عن بطرس البستاني وزمانه وذكراه، استناداً الى كتاب أسامة مقدسي وكتب أخرى.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"