آخر تحديث:09:37(بيروت)
الأحد 10/03/2019
share

نسويات بدون النسوية

روجيه عوطة | الأحد 10/03/2019
شارك المقال :
  • 0

نسويات بدون النسوية تنضم فرجيس الى الرفيقات اللواتي لا يجدن في تلك النسوية الطاغية نسويتهن
صحيح ان البوليتولوغ والمناضلة فرنسواز فرجيس تشير في مطلع كتابها الجديد، "نسوية بدون استعمار" (دار لافابريك)، إلى مأزق النسوية الذي يفيد بكونها باتت في خدمة "الدولة والرأسمال والامبراطورية"، الا ان ذلك لا يدفعها سوى إلى المزيد من التمسك بنسويتها، التي، وعندما تكتبها بلا آل التعريف، تقلبها من اسم معرف الى اسم نكرة، من "النسوية" إلى "نسوية"، وبالتالي يصير قادر على تعدديته: نسويات في مواجهة النسوية الطاغية.

بهذا، تنضم فرجيس الى الرفيقات اللواتي لا يجدن في تلك النسوية الطاغية نسويتهن، بل ينظرن إليها كعائق مرفوع امامهن، ولكي يُطحن بها، يذهبن إلى إبداع نسوياتهن، وهي تشترك في كونها توصل الصراع ضدها مع صراعهن ضد القمع الذي يتعرضن له: نسويات في مواجهة الذكورية، وبالفعل نفسه، في مواجهة النسوية الطاغية، التي تؤلف درعها وقناعها.

للنسوية الطاغية سمات عدة. بداية، نظرتها إلى النساء بعد جعلهن نسخات متطابقة عن صورة واحدة، وهي صورة "المرأة"، التي تقدم على جوهرتها، فتحولها، من ناحية، إلى ضحية دائمة، ومن ناحية اخرى، إلى جعل كل ضحويتها هذه مطابقة لكونها مجردة من السلطة. الذكورية الجديدة في كل النواحي، من السياسة إلى الفن، أو ذكورية السوق على العموم، ما عادت تعمل من خلال التمسك بسلطتها، ولكن، عبر تسليمها لـ"المرأة"، التي تعمد إلى تكريسها على أساس أن تبوء سدتها كفيل بنقلها من موضع الضحية.

على أن استدعاء النظام لضحية سلطته لكي تشغلها يودي إلى جعل هذه الضحية تتجاوزها في ممارستها. فهذه السلطة التي تقصي النساء طبقيا وعنصريا واستطيقيا، وبعد أن تتسلمها "المرأة"، وعدا عن مواصلتها لاقصائهن، تمنعهن من الاعتراض: "لقد حصلتم على حقوقكن، فها هي المرأة على رأسي"، وبالتالي، اي اعتراض منهن هو، وبحسبها، خيانة لـ"المرأة"، وفي النتيجة، لذواتهن، كما أنه ليس سوى مزاحمة منهن على موقعها. فتنظر "المرأة" إلى النساء المعترضات عليها هكذا: "مشكلتهن، وهي مشكلة كل واحدة منهن، انهن يردن سلطتي، وهذا حقهن، غير انهن لا يشتغلن على حالهن كي يصلن إليها!". فـ"المرأة"، مثلما أرادتها الذكورية القديمة، كانت تنصح النساء بارضاء ازواجهن، الان، تنصحهن بالرضا بها، وهذا، بعد اقناعهن انهن نسخات عنها، ولكنهن، وباستمرار، متأخرات عن مكانتها. فكل النساء متخلفات في عين هذه "المرأة" التي تشبه أسماء الاسد كما تشبه غيرها!

تريد النسوية الطاغية، وهذه سمة أخرى من سماتها، ان تتستر على التراتبيات الاقصائية في كل مؤسسة، تسلم الذكورية فيها السلطة ل"المرأة"، وبما ان النساء هن الأكثر تضررا بهذه التراتبيات، فيجري التستر على وضعهن بالتحديد. في حال رفضهن له، يتكرر تذكيرهن انهن والسلطة واحد، انهن في السلطة، أو يتكرر تذكيرهن بأن أعداءهن الفعليين هم الرجال الذين يحضروا في وضعهن اياه، فإذا تذمروا من السلطة، هذا يعني انهن عملاء للرجال، اي خائنات. على عاملة التنظيف في مؤسسة نيو-ذكورية ما أن ترمي مسؤولية وضعها المزري على عامل التنظيف الذي يعاني مثلها، فالمهم الا يتعاونا في قلب ذلك الوضع رأسا على عقب، وفي الإطاحة بالمستفيدين منه.

تخاف النسوية الطاغية من وجود نساء خارجها، لا يخضعن لصورة "المرأة" التي تجرهن صوبها، مثلما تخاف من وجود "نسويات" غير منضبطة في حدودها. وبسبب هذا الخوف، حلمها الرئيس أن تصير مؤسسة شاملة، أن تجمع كل النساء والنسويات فيها، وتنقلهن إلى نظامها، بحجة انه "فرصتهن"، أو ظرف "نجاحهن"، اي إطالة عمره، والسهر على عمله، الذي لا يحصل، في الواقع، من دون تحطيمه لهن في أثناء تحطيمه الغالبية الساحقة من سكانه.

لكي تكون النسوية الطاغية مؤسسة، لكي تحقق حلمها هذا، توقف كل الصراعات النسوية على مزاحمة تتعلق بمنصب من هنا او بموقع من هناك، وتحول كل الخطابات المرافقة لهذه الصراعات إلى كلام شعاراتي، تبيعه في الارجاء السوقية. خلال ذلك، تجري رسكلة ثنائية رجل/مرأة بطريقة مبتذلة، ويسود كره النساء، يسود الحنين إلى سلطة الذكر المنصرمة، ويسود الفصل التطهيري، ويسود التورط المقزز. لكن، وخلال ذلك أيضا، تنتفض العاملات في "محطة الشمال" بباريس بلا اي اكتراث بذلك الحلم، وبصاحبته، وينتصرن. 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب