آخر تحديث:09:38(بيروت)
الأحد 10/03/2019
share

الشيعة العرب: المواطنة والهوية

المدن - ثقافة | الأحد 10/03/2019
شارك المقال :
  • 0

الشيعة العرب: المواطنة والهوية شيعة العراق

صدر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب الشيعة العرب: المواطنة والهوية، الذي حرّره حيدر سعيد، وضمّ أربعة عشر بحثًا من البحوث التي قُدِّمت في مؤتمر يحمل العنوان نفسه، عقده المركز في الدوحة في الفترة 27-29 شباط/ فبراير 2016.  

يتألف الكتاب من مقدمة وأربعة أقسام. أوضح سعيد، في المقدمة، أن تعبير ومفهوم "الشيعة العرب" نشآ وظلّا مسيّسين، وكانت الغاية الأولى منهما تبيان أن هؤلاء ليسوا جزءًا من جسم شيعي موحّد تقوده إيران. ومن ثم، يخفي التعبير والمفهوم وراءهما رغبوية سياسية. أما تعبير "الشيعة العرب"، على نحو ما يُستعمَل في هذا الكتاب، فلا يتضمن غائية محددة، إذ يشير إلى مجموعة ذات هوية متمايزة، يستند حراكها الاجتماعي والسياسي إلى هذه الهوية، سواء كان هذا أمرًا واعيًا لدى هذه الجماعة ويعبّر عنه خطابيًا، أم لا.  


في المخيال التاريخي

يضمّ القسم الأول من الكتاب، الشيعة العرب في المخيال التاريخي، ثلاثة فصول. في الفصل الأول بعنوان: "تعدد ’الهويات النصية‘ والأصول البعيدة للصراع السني–الشيعي"، يحاجّ الطاهر بن يحيى بأن جوهر الصراع الطائفي بين السُّنة والشيعة يعود إلى أسباب سياسية، أدت دورًا في تحويل هذا الصراع من كونه فكريًا أو أيديولوجيًا إلى كونه مسلحًا، لكن هذه الأسباب غير قادرة وحدها على تفسير الموجة الأيديولوجية التي تجتاح الخطاب العربي، وهي ذات نزعة إقصائية، يصبح معها الآخر عدوًّا للملة، وخطرًا على مبدأ التوحيد.

وفي الفصل الثاني الذي عنوانه: "إشكالية السرديات العثمانية والغربية عن الشيعة العرب: الهندسة الاجتماعية وسياسة التدامج والفصل في العراق العثماني المتأخر"، يتناول نهار محمد نوري النظرة إلى الشيعة العرب خلال الحقبة العثمانية المتأخرة، رابطًا هذه النظرة بإستراتيجية التخطيط الاجتماعي التي اتبعتها الدولة العثمانية، والتي قامت على ربط المجتمع العثماني عقائديًّا بالأيديولوجيا الحاكمة الممثَّلة بالمذهب السُّني الرسمي. لهذا تكرّست سياسة التدامج والفصل التي أسهمت في تأخر عملية اندماج المكوِّن الشيعي العراقي الكلي في المجتمع العراقي.

وفي تجاوز تخوم السردية الرسمية الإيرانية في صورها النمطية والمركزية المشكَّلة عن الآخر العربي الشيعي، سعى نصير الكعبي في الفصل الثالث، "الشيعة العرب في المخيال الشعبي الإيراني: فحص في رحلات الحج الفارسية"، إلى استكشاف فضاء مسكوت عنه، يتمثّل في رواية "المهمشين/الحجيج"، عندما يجتازون ذهابًا وإيابًا عالم الشيعة العربي بمحطاته الرئيسة (النجف وكربلاء وبغداد) إلى المدينة ومكة، مستندًا إلى نحو 50 رحلة حج مدوّنة بالفارسية منذ العصر القاجاري حتى الحرب العالمية الثانية.


إشكالية الهوية الوطنية

في القسم الثاني، شيعة العراق وإشكالية الهوية الوطنية، أربعة فصول. في الفصل الرابع الموسوم بـ "شيعة العراق وضغط الهوية الدينية: حفريات في معنى الهوية الشيعية"، يسعى حيدر سعيد إلى فهم ديناميات الهوية الشيعية وتطوراتها من حيث هي هوية حديثة، وكيف أعيد تعريف الجماعة الشيعية في العراق بوصفها جماعة دينية، وما استتبعه هذا من إعادة اكتشاف الروابط المذهبية العابرة للحدود؛ ومن ثم وضع الجماعة الشيعية العراقية في نسيج التكوينات المذهبية في سائر المنطقة.  

يربط عقيل عباس في الفصل الخامس المعنون بـ: "التشيع العراقي بين المعرفة الطهرانية والوطنية العراقية"، إدراك المؤسسة الدينية الشيعية لإشكالية الهوية الوطنية ومفهوم المواطنة بالآليات التاريخية لصناعة المعرفة داخل هذه المؤسسة. ويناقش أن هذه الآليات تقوم على افتراضات طهرانية تُقسِّم العالم إلى حيزين متصارعين: الطاهر والمدنَّس. ينتمي التشيع الإمامي إلى الطاهر، بينما يمثّل المدنَّس كل المعارف والتجارب المختلفة عنه التي تأتي من غير الإمامي.


الدولة والحوزة

جاء الفصل السادس بعنوان: "عقل الدولة وعقل الحوزة، أيّ علاقة؟ بحث في الهُوية والمواطنة في العراق المعاصر". وفيه يبلور علي الصالح مُولى التصورات الكبرى التي تحكَّمت في العقلين الحوزوي والدولتي، محاجًّا بأن العراق الغني بتنوع نسيجه المجتمعي لم ينخرط في مأزق تطييف وجوده الهُوَوي إلا في السياق الجيوسياسي المعاصر، وأن تحويل المذهب الشيعي في العراق إلى طائفة، ثم إلى حالة طائفية، كان عملًا اصطناعيًّا حادثًا في تاريخ العراق المعاصر.

"العلاقات الشيعية فوق الوطنية والدولة الوطنية في العراق" هو عنوان الفصل السابع، ويطرح فيه حارث حسن موضوع العلاقة بين التحالفات الشيعية فوق الوطنية والدولة الوطنية في العراق، بالتركيز على الديناميات التي نتجت من سقوط نظام صدام حسين عام 2003. ويجادل بأن التشيع هوية فوق وطنية.  

الهوية والمشاركة

جاء القسم الثالث من الكتاب بعنوان: المسألة الشيعية في لبنان والخليج: الهوية والمشاركة، في أربعة فصول. في الفصل الثامن "من الشيعية العاملية إلى الشيعية السياسية وأحوالها في لبنان"، يعالج وجيه كوثراني إشكالية العلاقة بين المذهبية عندما تتسيَّس ونظام (سستام) الطائفية السياسية؛ عندما يغدو السستام القائم أو السائد في مجتمع ما ودولة ما ناظمًا للعلاقات بين فئات المجتمع المختلفة، دينًا أو مذهبًا أو ثقافة، في سياق معيّن (أو كل هذا معًا)، أو عاملًا سلبيًّا مجزِّئًا، وأحيانًا مسبِّبًا وممهدًا لحروب أهلية في سياق آخر.

أما الفصل التاسع فخصص للحديث عن "المسألة الشيعية في الخليج: سطوة البنى التقليدية والتسييس المذهبي"، حيث سعى بدر الإبراهيم إلى فهم أسباب نشوء المسألة الشيعية في الخليج، من خلال فحص علاقة المكوِّن الشيعي بالدولة، مع التركيز على حالة السعودية، وحالة البحرين بدرجة أقل، في محاولة للخروج من اختزال المُشكلة الطائفية في منطقة الخليج في الدور الإيراني الإقليمي، وإعادة المسألة إلى بنية الدولة في الخليج، وعلاقتها بالمكونات الاجتماعية، وخصوصًا المكون الشيعي.

يقظة الهوية

كان عنوان الفصل العاشر: "موسى الصدر ويقظة الهوية الشيعية في لبنان"، وفيه تناول خليل فضل عثمان العوامل التي أفضت إلى تنامي حس الانتماء لدى الشيعة في لبنان إلى ذات جماعية شيعية. ويرصد التغيرات التاريخية التي صاحبت نشاط السيد موسى الصدر على الساحة اللبنانية؛ مثل ازدياد الهجرة الداخلية والخارجية من الأرياف ذات الغالبية الشيعية في الجنوب والبقاع الشمالي، وارتفاع نسبة التحاق الشباب الشيعة بصفوف الأحزاب اليسارية.

في الفصل الحادي عشر تحدث حسن عبد الله جوهر وحامد حافظ العبد الله عن "الشيعة والمشاركة السياسية: حالة الكويت"، وقد دافع الكاتبان عن فكرة مفادها أن الوجود الشيعي في الكويت يعود إلى بدايات نشأة الإمارة، ولا يمكن اعتبار الشيعة حالة طارئة أو متأخرة في البلاد، على الرغم من المساعي والمحاولات والجهود العديدة التي تحاول خلق هذا الانطباع. وأخذا في تحليل البعد الطائفي في علاقة المكوِّن الشيعي بباقي المكوِّنات الكويتية الأخرى من جهة، وبالسلطة السياسية من جهة أخرى.


تشييع ما وراء الحدود

في القسم الرابع، الشيعة العرب والتشييع ما وراء الحدود، ثلاثة فصول. في الفصل الثاني عشر، "الشيعة العرب: الموقع والمفارقة"، يفترض حميد دبّاشي أن الانقسامات الحادة، من قبيل إيراني/ عربي وسني/ شيعي، هي صناعة استعمارية، استعملتها ورسَّختها الأنظمة الاستبدادية ما بعد الاستعمارية. لذلك، يمكن اعتبار انتفاضات، من قبيل الحركة الخضراء في إيران في عام 2009، وثورات الربيع العربي في عام 2011، محاولاتٍ للخروج من هذه الانقسامات، تمامًا كما أن قوى الثورة المضادة عملت على استعادة التقسيمات الطائفية الاستعمارية.

في الفصل الثالث عشر، "الشيعة العرب في إيران: نحو تعريف جديد للهوية العربية الأهوازية"، تبيِّن إلهام لطيفي محاولة الشيعة العرب الأهوازيين التوازن بين صون مواطنتهم الإيرانية وسعيهم إلى تقوية هويتهم الثقافية العربية، وتناقش ظاهرة تحوُّل شيعة إيران العرب إلى المذهب السُّني، وتوقعات مفادها أن يشهد العقدان المقبلان تغييرًا ديموغرافيًّا جذريًّا في إيران بسبب ذلك.

أما الفصل الرابع عشر والأخير فقد كان بعنوان: "هوية التشيع في تونس". يقول فيه عبد الله جنّوف إن التشيع المعاصر في تونس تكوَّن في سياقي الثورة الإيرانية والصراع الأيديولوجي في الجامعة. ويحاجّ بأنه ينبغي التمييز بين التشيع السياسي والتشيع المذهبي. ويرى أن الخطاب المتشيع في تونس يدور حول ثلاثة محاور: الدفاع عن إيران و"محورِ المقاومة"، وإدراج الثقافة الشيعيّة في التداول الشعبيّ التونسيّ، وتأويل الدين أيديولوجيّا. ومن ثم، يرى الباحث أنّه خطاب قديمٌ يردّد أفكار الإسلام السياسيّ، أجنبيٌّ عن واقع المجتمع التونسيّ، متخلّفٌ عن لحظته التاريخيّة، جامدٌ على هويّته الطائفيّة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها