آخر تحديث:13:17(بيروت)
الجمعة 01/03/2019
share

"اللَّسعة".. أو أول كتاب سرقته (*)

أحمد شوقي علي | الجمعة 01/03/2019
شارك المقال :
"اللَّسعة".. أو أول كتاب سرقته (*) تيمورلنك
إن كانت ثمة موهبة لديَّ، فهي قوة الذاكرة، وإن تعثرت أحيانًا في حفظ عناوين الكتب، الأفلام، أسماء الشوارع، خالاتي... لكن الصور، لا تسقط من رأسي أبدًا! ذلك الشاب الذي أوقفته، عندما تعطل المترو، من بعد مشوار طويل، سألته كصديق قديم، بعدما احتضنته، أين تذهب؟ فأجابني، ممتثلاً، ومندهشاً، وأخته الشابة أيضًا بصحبته، أنه ذاهب إلى حي لم أكن أعلم أن له مشاوير يقضيها فيه. 

كان الحي أغرب من أي حكايات يمكن نسجها حول شخصه. فسألته، لماذا تذهب؟ لم يجبني. أو قال سأشتري حاجيات، ودهش فنظر إلى أخته متعجباً، ثم لم يجبني. أو قال سنتسوق. المهم أني، في تلك اللحظة، انتبهت، بالطريقة نفسها التي انتبهت بها إلى وجوده فجأة بعدما تعطل المترو ونزلنا ننتظر القطار التالي، أني لم أكن أعرف اسم ذلك الصديق القديم، وأن لقاءاتنا لم تتجاوز المرتين مع أصدقاء مشتركين، في مباراة كرة قدم، أو الزوغان من المدرسة لممارسة ألعاب الفيديو، وأن ذلك الشاب الواقف أمامي لا يشبهه بالمرة. في كل حال، وهذا هو الموضوع الرئيس، فإني سرقت كتابًا في زمن قديم، من المكتبة المدرسية، عن تيمورلنك، لا أذكر في أي مرحلة تعليمية. الأمر صعب، لأن الكتاب كان بطله قطّ يتنقل من غلافه إلى صفحاته التالية كلها، ساردًا قصة القائد الأوزبكي العظيم، أو هكذا كان يحكيها، كقصة بطل عظيم. كان القط يشبه "مشاكس" من كارتون "كعبول وعبقرينو"، وإن كان لونه مشمشيًا وليس أسود. وقط بهذه الأوصاف، يناسب أطفال الابتدائي، هل كنت في الابتدائي عندما اختلست ذلك الكتاب؟

مدرستي ذات البناء القديم، المتهالك، التي تضم طابقاً علوياً كاملاً، شيدت صفوفه بالأخشاب، لا يمكن أن تحتوي على مكتبة مدرسية، أين سيضعونها؟ كان هناك رف كتب في الجامع الصغير، وكنت أؤذن للصلاة، وأتلو القرآن في طابور الصباح. ومن الممكن أن أكون قد اختلسته من هناك. فتيمورلنك قائد مسلم، يصفه القط الراوي بالبطل العظيم، وكتاب عنه مكانه في مكتبة الجامع! لكن في مدرستي الإعدادية، كانت ثمة مكتبة أخرى، ضخمة، اتسعت لتكون، إضافة إلى وظيفتها، مرسمًا، وكنت فاشلا في الرسم، لا أجيده، وخطي سيئ أكرهه. وفي هذه الأثناء كنت أفضل لعب الكرة على الانزواء وحيدًا في المكتبة... بالتأكيد لم أختلس الكتاب من مدرستي الإعدادية، لأني أيضًا، عندما عدت به إلى المنزل، لم أقرأه، خبأته تحت الوسادة، وتحت الفراش أحيانًا، وما أكنت لأخرجه من مخبئه إلا لأطمئن على وجوده، وأن أحدًا لم يكتشف سرقتي له، ففي يدي علامة تذكرني بعواقب السرقة.

كنت أصغر، في السادسة من العمر أو أقل، وفي غرفة الصالون تضع أمي خزانة "للصيني" كانت فيها ذات يوم، بضعة جنيهات، وبعض الفكة. أخذتُ 175 قرشًا، وذهبت إلى جدتي، بعدما اشتريت في الطريق، أيس كريم ولوليتا وزجاجة مياه غازية وبسكويت محشو بالكريمة، ربما لأغيظ بهم خالي الذي كان يصغرني بعام واحد. كانت الـ175 قرشًا تشتري الكثير في ذلك الوقت. سألتني جدتي من أين لي بكل هذه الحلوى؟ فقلت عمي، وكان عمي يجزل لي العطاء كثيرًا، فلم يرزقه الله من البنين غير واحد وثلاث بنات. لكن حجتي لم تقنعها، وشكَّت في مصدر الفلوس، أو ربما لأن خالي غاظه فعلا أن أملك تلك الحلوى كلها وحدي، فنادت جدتي، أمي من شرفة بيتها، ربما لتطيب خاطر ابنها، أو ربما لأني كنت مكشوفًا جدًا، وبيتنا وبيت جدتي متلاصقان. ولا أعرف بمَ ردّت أمي على تساؤلات سِتي، لكنها نادتني وأعادت السؤال عن مصدري لشراء الحلوى، فقلت عمي، فقالت عد للبيت. عدت خائفًا ومترددًا في دخول المنزل، لكنها على الباب طمأنتني، فدخلت. وكانت على طاولة بعيدة، في غرفة الصالون ذاتها التي تحتوي على خزانة الصيني، قد سخَّنت المكواة، ثم لسعتني بها في يدي، التي لم يبق للحرق أي أثر فيها، لذلك لا أتذكر الآن أي يد كانت التي لسعتها المكواة، اليمنى أم اليسرى. ربما حرقت أمي اليسرى لأنها اليد التي يأكل بها الشيطان.

لهذا السبب، خبأتُ كتاب تيمورلنك، ولم أستطع إعادته للمكتبة خوفًا من عاقبة اختلاسه دون إذن، وكنت أخرجه فقط للاطمئنان على وجوده. حتى جاء يوم لم أعثر فيه عليه، بالتأكيد كان ثمة يوم لم أجد فيه ذلك الكتاب، لأنني لا أتذكر صورة أخرى له سوى في مخبئه. هل أعدته لمكتبة المدرسة؟ هل نسيته حتى ضاع؟ لا أتذكر سوى أني لم ألق أي عقاب بخصوصه، وهذا يعني أن أحدًا لم يكتشف أمره!

(*) الحلقة الأولى من ملف "قصصي مع الكتب" ينشر تباعاً في "المدن".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها