آخر تحديث:13:52(بيروت)
السبت 09/02/2019
share

مشهدية الشعر العربي: تفاهة وعبثية وكُمون تحت رماد الزمن

محمد حجيري | السبت 09/02/2019
شارك المقال :
  • 0

مشهدية الشعر العربي: تفاهة وعبثية وكُمون تحت رماد الزمن من أعمال التشكيلي اللبناني أمين الباشا (1932 - 2019)
من دون شك، انّ ترهل الصحف والمطبوعات الورقية، خصوصاً في بيروت، وغياب أبرز الصفحات والملاحق الثقافية، واندثار معظم "مقاهي المثقفين"، وتهرّب الكثير من الناشرين من طباعة دواوين الشعر، وأحياناً تقاضي ثمن طباعتها مسبقاً، وتحوّل الذائقة الاجتماعية نحو الثقافة البصرية (الانترنت وعوالمه)، كل هذه الأمور زادت من تهميش الشعر وكتبه والكتابة عنه وقلصت مشاريعه وحركاته. وإذا كان "فايسبوك" قد أعطى فسحة مطلقة لأي كلام يمكن أن يقال أو يكتب، لكنه في الوقت نفسه يبدو كلاماً بلا شرعية، أو مفتقداً إلى المعايير و"المرجعية" والهالة، فالفايسبوك مجرد وسيط ولا يصنع عبقرية...

وخلال الأسابيع الأخيرة، ومع الحديث عن "طوفان الرواية"، ظهرت بعض البوادر التي تتحدث عن طيف ما في الشعر، فعدا بعض الآراء التي نشرتها "المدن"، وشارك فيها مجموعة من الشعراء الجدد، تسعى مجلة "الجديد" اللندنية لإصدار عدد خاص، يتضمن قصائد ونصوصاً شبابية. وقبل ذلك، نشرت دار "المتوسط" بياناً عن موعد اطلاق مجلة شعرية بعنوان "براءات"، يشارك في تحريرها شعراء من العالم العربي من مشارب ومواقع مختلفة، وعزت إدارة المجلة سبب السعي إلى إصدار المجلة "أن هناك الكثير من التفاهة تكتب باسم الشعر".

وكلمة تفاهة تقتضي التوقف عندها. فقد جاء في "لسان العرب" لابن منظور: تَفِهَ الشيءُ يَتْفَهُ تَفَهاً وتُفوهاً وتَفاهةً: قَلَّ وخَسَّ، فهو تَفِهٌ وتافِهٌ. ورجل تافِهُ العقْل أَي قليلُه. والتافِهُ: الحقير اليسير، وقيل: الخسيس القليلُ. و"التفاهة تشجع المرء على أن يبقى وفياً لقضيته لمجرد أن خصومه لا يغيرون تفاهتهم"، بحسب نيتشه. يقول ميلان كونديرا، على لسان إحدى شخصيات رواية "حفلة التفاهة": "تتبدى لي التفاهة الآن تحت ضوء مختلف تمامًا عن ذلك الحين، إنها تحت نور أسطع وأكثـر كشفًا. التفاهة يا صديقي هي جوهـر الوجود".

براءات
لم يدخل بيان "براءات" في شرح لمقصده بالتفاهة، لكنه قال "لا بدّ أن يكون للشعر مجلة تدافع عن شرف الاسم"، ويشير الى أن الاستسهال في النشر جرّ استسهالاً في الكتابة، وتوفّر جمهورٍ جاهز خلق أوهاماً كثيرة لدى الشاعر عن نفسه وعن الشعر أيضاً، فانتشرَ في الأرجاء شعرٌ يباشر اللغة في حدّها الأدنى والخيال في أفقه الأقرب، ما أنتج ركاماً من النصوص المتشابهة لشعراء كثر متشابهين". و"في منعطف كهذا، لا بدّ لكلّ من تستعر في وجدانه جذوة الشعر أن يسائل نفسه عن قدرته على إيقاف هذا التنميط، وإنقاذ ما هو جوهريّ في الشعر، دون ادعاء ولا بطولة زائفة".

من غير المستحب التكهن المسبق لمجلة شعرية في طور التأسيس، خصوصاً أنها شعرية، ويلزمها الكثير من التدبير والأفكار الجديدة للخرق والاستمرارية وإحداث الصدى، مع التذكير بأنه كان يمكن اختيار عنوان للمجلة نقيض البراءة، فالشعر قرين الأبالسة واللعنة والقلق. على أن "دار المتوسط" أيضاً أصدرت بياناً صحافياً يقول إن "براءات"، "مجلة عربية فصلية خاصة بالشعر، ستصدر ورقية على رأس كل فصل من فصول العام. كما وستكون إلكترونية بنشاط شبه يومي" و"تأتي في زمنٍ مليء بالثقوب السوداء التي تبتلع المشاريع الشعرية الجادة، أمام خلوّ الثقافة العربية بشكل يكاد يكون تاماً من مطبوعٍ شعريّ ذي هوية عربية عابرة للبلدان. ويؤكد، رغم ما يُضيِّقُ الخناق، أنَّ الشعر موجود، وإن غاب وسط الرؤية المحدودة والضبابية للشعرية العربية وتجاربها الراهنة. هذا ما جعل المتوسط منذ انطلاقتها، تراهن على الشعر وإن كانَ رهاناً خاسراً"...

و"الرهان الدونكيشوتي" لا يقتصر على دار المتوسط، فموقع "أضواء المدينة للشعر ودراسته" الذي أُطلقَ مؤخراً، وقيل إنه "مخصص للشعر"، قال في بيانه "نعرف مدى صعوبة تحصيل حضور–جمهور لمثل هكذا منبر الآن، في قمّة الصراع السّياسي في المنطقة العربيّة، لكن الحضور لموقع متخصص غير تابع لجهة سياسيّة بهويته وأفكاره ومقترحاته، نعتقد أنه حلم مئات الأصوات الإبداعيّة"، والقضية بالنسبة إلى إدارة الموقع تتعلق بـ"فوضى المنابر الإلكترونية والورقية الّتي تعيش استقطاباً سياسياً راهناً تُحتّم البحث عن متنفس"، فـ"الرعاية الثقافيّة اليوم تدخل في شروط وحسابات ترمي بالكثير من المواهب العربية إلى النهاية إمّا تحت كنف التّدجين الرسمي في بلادهم أو إلى جانب مؤسسة ثقافيّة تفاضل على الأسماء والمحسوبيات لا على نوعيّة ما يقدم من منجز فنّي شعري". ويأتي هذا الموقع بعد أشهر على قفل موقع "جهة الشعر" الذي أداره لسنوات الشاعر البحريني قاسم حداد، وكان سبب الاقفال مادياً.

أمة شعر
والكلام عن الشعر لا يقتصر على المشاريع الشعرية وأزمة النشر، ثمة حضور هنا وضمور هنا، والأمور يتعلق ربما بالموروث أو التقليد. الكاتب والشاعر العراقي، فاضل السلطاني، في مقاله "زمن الشعر وليس الرواية... بريطانياً على الأقل"  في جريدة "الشرق الأوسط"، لم يتحدث عن النشر واستسهاله أو الشعر وبراءته، أو منطق التدجين كما أوحى موقع "أضواء المدينة"، بل انطلاقاً من معيار "هل نحن في زمن الشعر أم في زمن الرواية؟!" استنتج أن "الإنجليز أمة شعر"، و"لا يزال الشعراء في هذا البلد أكثر شعبية من أهم روائي، ولا تزال قاعات الشعر في لندن تمتلئ بمحبيه"، و"كأن الشعر كان كامناً تحت رماد الزمن"، و"بكلمة أخرى: هناك ناس تقرأ". وهو يسلط الضوء على الشعر البريطاني وكأنه يغض النظر عن أسماء روائية بريطانية رائدة، أتت من العالم الثالث واشتهرت في لندن لتعم العالم، من نايبول إلى سلمان رشدي، ومن نور الدين فارح إلى أهداف سويف وحنيف قريشي، وصحيح أن بريطانيا فيها شعراء لهم حضورهم العالمي وتحتفي بالشعر، لكن فيها أيضا جيمس جويس المهم جداً والذي دائما يشكو حتى كتاب الرواية من صعوبة قراءته، وهناك جين اوستن التي لا تغيب وجورج أورويل الذي تتوفر كتبة في كل مكتبة وبسطة.

صورة أخرى عن الشعر، نقيض تلك التي كتبها فاضل السلطاني، تجلّت في مقال للروائي الجزائري سعيد خطيبي في "القدس العربي" بعنوان "الحالة الحرجة للشعراء في الجزائر" وفيها الكثير من التشاؤم حول الشعر. يقول في مقدمها "يحصل أن نقف أمام واجهة مكتبة، وسط عاصمة البلد، أو غيرها من مدن أخرى، نجد فيها كتباً من تخصصات مختلفة، عدا الشعر"، "كما أن أمسيات الشعر، على قلتها، بات لا يحضرها سوى عابرين أو نمامين أو مُخبرين أو صائدي شاعرات أو متقاعدين داهمهم ضجر أو بعض من معطوبي الإبداع. فهل هي هزيمة الشعر في الجزائر؟" و"من الشجاعة أن نقر بأن الجزائر لم تكن ـ يوماً ـ بلداً للشعر الفصيح"... و"أحياناً الشاعر نفسه لا يُعيد قراءة ما يكتب، وفي هذه الحالة، لا ننتظر من القارئ أن يبذل جهداً في شراء ومطالعة ديوان شعر لا يفهم منه الكثير". و"كلمة شاعر تبدو كلمة عبثية، في عقول الناس، يدركون معاني كلمتي مداح أو زجال، وما ينبغي لهما أن يكتباه أو يقولاه، لكنهم يجدون صعوبة في تفسير معنى شاعر"... باختصار، تبدو الصورة التي يرسمها خطيبي للشعر في الجزائر وكأنه فن غريب أو منقرض ويعاني حالة انكماش حاد.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها