آخر تحديث:13:45(بيروت)
السبت 09/02/2019
share

حبيب سروري لـ"المدن": مواجهة الطغاة والظلاميين.. ثقافية في الجوهر

أسامة فاروق | السبت 09/02/2019
شارك المقال :
حبيب سروري لـ"المدن": مواجهة الطغاة والظلاميين.. ثقافية في الجوهر من حق الرواية أن تطمح إلى تغيير رؤية الإنسان وخلخلة مسلّماته
من ثقب صغير في جدار مسجد قرية يمنية بعيدة، يتابع الطفل غسان كيف تجرى وقائع التبرك بأخطر أولياء الله الصالحين وأقربهم "الوحيد في هذا العالم الذي يتكلم السريانية.. لغة الملائكة". كان من الصعب أن يشق طريقه بجسده الصغير وسط الجموع الغفيرة التي أتت من كل البقاع للتبرك بالولي الصالح، للمس طرف جلبابه أو على الأقل رؤيته ولو من بُعد، ولولا هذا الثقب ما كان له أن يرى ما رآه لتتغير بوصلة حياته إلى الأبد.

السر الذي كشفه الثقب الصغير كان الحقيقة الأولى التي علمته التشكيك في كل حقيقة! زرع في قلبه بذور الشك، وعلّمه ألا يؤمن إلا بما يراه عبر الثقوب (الميكروسكوب، التليسكوب..) لتكون عقيدته بعد ذلك ملخصها أنه لا إمام سوى العقل، وشعاره: في البدء كان الثقب الذي يسمح بالرؤية، في البدء كان التساؤل والشك والجدل والبرهان.

يخرج من القرية التي استسلم أهلها لخديعة الشيخ الكبير، ويتوه في العالم الواسع، متتبعاً أثر أستاذه نيتشه الذي يؤمن بمقولته "الكلام الأكثر صمتاً يحرك الزوابع، الأفكار الآتية بأقدام الحمائم تقود العالم". إلى أن يتلقى رسالة غامضة تعيده مجدداً إلى واقعه القديم، ليعيد التفتيش في دفاتره القديمة وخبايا ذاكرته، محاولاً البحث عن جذور الخراب علّه يجد تفسيرات لكل ما جرى لوطنه الممزق، يفكر بأن كل ما حدث لأهله ما كان له أن يحدث فقط لو أنهم رأوا ما رآه عبر ثقب المسجد!

وقائع يرويها البروفيسور والروائي اليمَني، حبيب عبد الرب سروري، بمهارة، في "وحى"، الرواية التاسعة في مشروعه الروائي الذي ينسجه على مهل، يضفّر فيه الحكي بالعلم بالميثولوجيا بالتاريخ والفلسفة، في وصفةٍ أصبح يعرف الآن كل أسرارها.

هنا يتحدث حبيب سروري لـ"المدن" عن مشروعه الروائي، وتصوراته عن الرواية ودورها في الواقع العربي. 

- رواية "وحي" تفتح الباب أمام أسئلة وسجالات مطولة حول الرواية بشكل عام، وعلاقتها بالتاريخ على وجه التحديد: في الرواية أنت لا تؤرخ، لكنك تستعمل التاريخ كأحد عناصر البناء الروائي. في الوقت نفسه، لا تجعل الرواية وعاء للتاريخ فقط لكن أيضا للفلسفة وللمعرفة العلمية التي قد تكون جافة أحياناً.. تصرّ على صهر ومناقشة هذه الموضوعات كلها روائياً. هل تتحمل الرواية، كجنس أدبي، هذا كله، في عمل واحد؟ بمعنى أوضح ما تعريف الرواية بالنسبة إليك؟

نعم أميلُ لصهر كل ما قلتَهُ روائياً في بعض أعمالي كـ"وحي"، وذلك ربما لاتساع رؤيتي لمفهوم الرواية.
بالطبع، لستُ ضد الرواية التي تكتفي بتفجير المشاعر (المؤلمة، الساخرة، أو المضحكة...) أو إثارة أحاسيس القلق أو سرد السير المدهشة.
لكن، لأن الرواية الجنسُ الأكثر اتساعاً للتعبير عن تعقيد عصر الحداثة والأقدر على التأثير عليه، فأرى أن لها أدوراً أخرى أشد خطورة وأهمية بكثير.
إذ عليها ألا تكتفي بهز المشاعر، لكن أن تتوجه أحياناً نحو عصبونات الدماغ مباشرة.
من حقّها أن تطمح لتغيير رؤية الإنسان للحياة، ولخلخلة مسلماته ومفاهيمه المتجمدة، لتفجير أسئلته وشكِّه، ولرفع وعيه الثقافي والفكري.. كل ذلك عبر السرد، واستثمار الملَكات الساحرة للغة وجمالياتها، وربط الأحداث الإنسانية بأبعادها التاريخية الزمكانية.
فالمعارف والأفكار تصل الإنسان في حياته اليومية عبر الحكايات غالبا، قبل أن تصله من المقالات العلمية المتخصصة، أليس كذلك؟
في "وحي" توقفتُ عند بعض المواضيع التي تخشى الرواية العربية غالبا مسّها: مسلّماتنا الثقافية الأساسية التي تجمّدتْ فيها حياتنا العربية. (كنت قد تغلغلتُ في ذلك سابقاً، ربما على نحو أكثر جذرية ووضوحاً، في روايتين سابقتين لي: "عرَق الآلهة"، و"تقرير الهدهد").
إذ يهمّني أن تمسّ الرواية العربية المواضيع الملتهبة كالصراع بين الأنوار والظلمات. مثلما يهمّني مساهمتها العميقة في الثورات العربية من أجل انتصار ثالوث الحداثة: العقل ـ العلم ـ الإنسانية.

- على ذِكر الثورات العربية، فهي لم تكن مشروع كتابة مؤجل عند كثير من الكتاب. هناك من خاض فيها "روائياً" منذ أيامها الأولى، لكن في الوقت نفسه كان هناك من ينتظر. في الحقيقة خابت كثيراً توقعات المتعجلين، وكانت في معظمها محاولات لتسجيل ما جرى. لكنك في "ابنة سوسلوف"، وفي "وحي" روايتك الأخيرة، تؤكد أنك كنت مع المنتظرين، وأن التحركات العربية لم تكن غائبة عنك وإن تأجل ظهورها، رغم أنه كان لك خطوة استباقية في "طائر الخراب" التي سبقت الثورات العربية، لكنك -رغم ذلك أيضاً- اتجهتَ للبحث عن الأسباب بدلاً من الخوض في المآلات.. إلى أي حد تصدق هذه الرؤية؟

الاكتفاء بتسجيل الأحداث قاصر بالضرورة.
ولأني أنطلق من مبدأ ضرورة البدء بالثقافة لانتصار الإنسان (من هنا يبدأ مشروع الثورة، وللرواية في ذلك دورٌ طليعي)، فالمواجهة مع أعداء الإنسان، من طغاة وظلاميين، ثقافيةٌ في الجوهر.
ألم تلعب رواية القرن الثامن عشر دورا في دعم أفكار قرن الأنوار، ورواية القرن التاسع عشر دورا حاسما في انتصار أفكار الإنسانية والحداثة والحرية، ونقلنا إلى هذا العالَم الجديد؟
لا يسقط الظلاميون والطغاة بحق، إلا عندما يسقطون ثقافيّا وفنيّا. أي عندما يسقط الفكر الذي يسمح لهم بالسيطرة على عصبونات دماغ الإنسان، وعلى السيادة والقيادة. أي عندما تنتصر أفكار الحرية والأنوار والحداثة.
لهذا الصراع الأزلي ـ الأبدي معهم اسم يسكنني دوما: الحرب الروحية. وهي كما قال رامبو "لا تقلّ شراسة عن حروب الفرسان".
لعبتْ رواية "طائر الخراب" دوراً مباشراً في التمهيد لسقوط طاغية اليمن: طائر خرابها، حسب كثير من الآراء.
فيما "ابنة سوسلوف" و"وحي" تطمحان أكثر بالتغلغل في المداميك والأسس التي تسمح للظلاميين والطغاة العرب بالسيطرة، وبمواجهتها فنيّا.
كل ذلك في سياق روائيٍّ مترع بالعشق والعلاقات الإنسانية العميقة المعقّدة، وملتحمٍ بيومياتنا العربية المعاصرة.


- الإنسان، الدين، التعليم، اللغة العربية والإنترنت، القراءات التراثية، الربيع العربي، والعلمانية؛ كانت هي المواضيع التي اشتغلت عليها في كتابك "لا إمام سوى العقل" والحقيقة أنها المواضيع نفسها تقريباً التي تطرحها الرواية، بشكل مباشر هل يمكن اعتبار "وحى" معالجة روائية –إن صح التعبير- لكتابك "لا إمام سوى العقل"؟ وأين تجد راحتك في تمرير هذه النوعية من الأفكار: في الرواية أم في الكتب السردية المباشرة؟

* هناك تقاطعٌ في الحقيقة بين اهتمامات بعض المواضيع في كتبي الفكرية، مثل "لا إمام سوى العقل" و"لنتعلّم كيف نتعلّم" الذي تلاه، وبعض اهتمامات رواياتي. لكن ثمّة فروقا جوهرية شاسعة:
تمرير الأفكار في المقالات عملٌ مباشر. والمقالات تتجه عموما للجميع. إنتاجها سريع غالبا، وقراءتها أيضا. وهي ضرورة يومية لنشر الأخبار والأفكار والمعارف المباشرة.
غير أن الرواية مشروع شاسع أصعب بكثير، لا يبحث عن تمرير أفكار في الجوهر. هدفه أن يَصنع في الأساس، بفضل قوة التخييل، واقعا جديدا، وأن يخلق لغة جديدة. وله التزامات جمالية وبنىً سرديّة خاصة.
صناعته أصعب بما لا حد له من السرد المباشر. لكن فضاء حريته، ومتعة وصعوبة صنعته أكثر بما لا حد له أيضا. وتمرير الأفكار فيه، إن ثمّة حاجة لتمرير، أكثر التواءً وإيحاءً وانسيابية.
بعد الانتهاء من كتابة بعض الروايات، أجد أحيانا مواضيع لمقالات تَستثمر بعض تجليات هذه الرواية أو تلك.
كمثلٍ على ذلك: أخذتْ كتابة رواية "تقرير الهدهد" مني عامين كاملين. بطلها أبو العلاء المعري (في مزيج حر يجمع بين سيرته الحقيقية والتخييلية) وهو يقوم برحلة زمكانية معاكسة لرحلة "رسالة الغفران" (من السماء إلى الأرض، لكتابة تقرير عن أوضاع عالمنا، بتكليفٍ من "الأعلى جدا").
تمّ خلال الرحلة، بين أهداف أخرى، برهنة أهم عطاءته الشعرية والفلسفية.
بعد كتابة الرواية، استثمرتُ منها بعض المقالات، منطلقا من فكرةٍ هنا، أو حدثٍ هناك. فعلتُ كذلك مع روايات أخرى لي.
لعل هذه العلاقة التحويلية تشبه قليلا فكرة مسرحَة الرواية (تحويلها إلى مسرحية)، أو صناعة فيلمٍ منها.
إذ يمكن أحيانا تفكيك بعض منعطفات وأحداث الرواية، واستثمار ما يمكن استخلاصه منها معرفيا، في مقالات مختلفة.

- يشكك بطل روايتك في الروايات التاريخية؛ يريد أن يسافر في الماضي ليرى بنفسه حتى يصدق. هذا مأزق حقيقي لمن يؤمن بالمعرفة العلمية، الرواية أيضا لم تقدم حلا لهذه المعضلة إلا أن كنت تعتبر أن النظر للمستقبل هو الحل كما فعل غسان بطل الرواية.

هوَس غسّان برؤية الماضي، كما حدث فعلاً، ليس مأزقاً إلى هذا الحد، كونه حلمٌ يتم الاقتراب منه في الرواية علميّا حيناً، وبالتخييل العلمي حيناً آخر.
علمياً أولاً: عبر التوق للبحث عن الأضواء التي تعبر فضاء الكون حاملة صور الماضي.
فعندما تصلنا إلى الأرض صور من المريخ، هي في الحقيقة صورٌ للماضي الذي حدث هناك قبل حوالي 20 دقيقة (زمن عبور الضوء من المريخ عندما يكون في أقصى بُعده من الأرض).
وعندما تصل الأضواء من كوكب يبعد عن الأرض مليار سنة ضوئية، فهي صور من ماض حدث هناك، قبل مليار سنة، تحمله تلك الأضواء العجوز. ولعل ذلك الكوكب قد اندثر قبل وصول الأضواء إلى الأرض بدهر.
يحلم غسّان برؤية الماضي في تلك الأضواء تحديدا، وليس الغرق في الهلوسات الميتافيزيقية.
بالطبع، رؤية الماضي الذي حصل داخل أربعة جدران (في اجتماع السقيفة مثلاً) لا يمكن العثور عليه في الأضواء التائهة في فضاء الكون. هنا يبدأ التخييل العلمي الخالص.
هوس استشراف المستقبل هو الحلم المكمِّل لهوس رؤية الماضي. وإذا كان من الصعب جدا معرفة مستقبل العلم والبشرية بعد ٣ عقود من الآن فقط، فالتجوّل في العالم في العام 7777، كما حدث في "وحي"، كان تخييلاً علمياً خالصاً، لكنه تمّ في الرواية من وحي عقلية علمية، وانسجاماً مع اتجاهات العِلم الحالية وتصوّراته.

- لهذا تحديداً فإن غسان، الذي يؤمن بالعلم وبأنه لا حقيقة إلا ما يراه عبر ثقوب التليسكوب والميكروسكوب، ربما لا يتوافق معه مشاهد التحدث مع الحجارة في غلاباغوس!

لغسّان، رغم عقليّته العلمية الخالصة، بعدٌ روحاني لا يمكن تناسيه فعلاً. لكن ميتافيزيقية روحانيته تخلو من الشطط الغيبي والتفكير السحري الديني. لعلها روحانية علميّة، إذا جاز القول.
استنطاقه للحجارة فلسفيٌّ خالص، بروح التخييل العلمي وليس بتحضير الأرواح والحوار مع العفاريت.

- من "دملان" وحتى "مايا" لماذا هناك دائما مدينة خيالية؟

مدن الأحلام، المدن الطوباوية ومدن الخيال والفانتازيا، أشكالٌ متنوّعة احتاجها الإنسان عضويّاً، للهروب من بؤس وجفاف وديستوبيا حياته في مدن الواقع، منذ مدينة أفلاطون، ومدن ألف ليلة وليلة العديدة والمدن العجيبة التي عبرها السندباد البحري، و"يوتوبيا" توماس مور...
لعلها حاجته الميتافيزيقية نفسها لخلق "العالَم الآخر".
حاجةٌ إيجابية في رأيي (أو هروبية على الأقل) إذا ما انطلقنا من عبارة أوسكار ويلد: "التقدم ليس أكثر من تحقيق الطوباويات".

- الرحلات هي الحدث الوحيد تقريباً في الرواية، وهو حل ممتاز لرواية الأفكار تلك، لكن هل فكرت في استخدام رحلاتك في كتابة منفصلة، خصوصاً أن مجال أدب الرحلات أصبح شحيحاً هذه الأيام، أم انك تفضل التعامل معها روائياً كما في "وحي"؟

كما لاحظتَ، لرواية الأفكار قيود سردية تكبِّل حركتها وتمنع انزياحات أحداثها أحياناً.
تمّ كسر ذلك في "وحي" بطرائق متنوعة: ثمّة أبٌ ذبح ابنه بالساطور الإبراهيمي بسبب حلم، لعب دوراً محورياً في الرواية.
وثمّة سرد لحيوات روائية مثيرة كهقاروف الذي تضاربت أحداث حياته في كل الاتجاهات المتعاكسة.
بالإضافة للسفر والرحلات التي تنقّلت بالسرد في عوالم متنوِّعة، تمكّنتْ ربما من مقاومة جاذبية "الثقب الأسود" الذي يُمثّله ثقل نقاش الأفكار في الرواية الفلسفية.
حتّى الآن، أفضِّل التعامل الروائي مع السفر والرحلات التي امتلأت حياتي بها، كما في "وحي"، أو في "حفيد سندباد".
السفر في "وحي" نحو سورينتو وجنوب إيطاليا،  يقودنا إلى المناخات التي عاش فيها الفيلسوف نيتشه، وكتب بعض أهم أعماله.
والسفر فيها نحو أرخبيل الغلاباغوس يقودنا إلى سرد أول يوميات داروين فيها. حاكاها وعاش في مسرحها أيضاً بطلُ "وحي".
غير أن أهم سردي للسفر والرحلات كان في "حفيد سندباد"، روايتي التي سبقت "وحي".
بطل روايتي "حفيد سندباد"، نادر الغريب: مغربي، متعدد الأصول. يسافر من بلدٍ إلى بلد، يعيش وحيداً متنقلاً بين المقاهي والفنادق وقارعات الطرق. أسبوعان هنا، ثم أسبوعان في الطرف الآخر من الكرة الأرضية. يضع مجاناً بين الآن والآن برمجيات ترفيهية صغيرة على الإنترنت لتكون بمتناول الجميع، أو أخرى مهنية يبيعها لتسمح له بحياة بوهيمية حرة يطوف بها العالم، ترافقه حقيبة شخصية وكمبيوتر محمول فقط!
نصوص يومياته التي يعج بها كمبيوتره تؤثث معظم الرحلة الزمكانية للرواية في أحشاء هذا النصف قرن.
ولرواي "حفيد سندباد" أيضا حياة تتوزع بين الشرق والغرب، سياقها من نوع آخر مختلف كلية عن سياق رفيقه القديم نادر، لكنه يمثل الشاهد الثاني بامتياز على سيرورة هذا النصف قرن.
لعلّي سأكتفي حتّى الآن بالسرد الروائي للسفر على غرار "حفيد سندباد" و"وحي"، قبل التفكير في إعادة صياغته يوما ما في إطار أدب الرحلات.

- رغم كل تلك الرحلات التي قمت بها، ورغم استقرارك في باريس منذ زمن، إلا أن اليمن هي محور أعمالك كلها!

اليمن حاضرة في أغلب أعمالي. والعلاقة بها صوفية، كما تبدو. ربما لأنها منجم لا ينضب للرواية، ومادة خام عذراء أجد فرصةً ثمينة لاستثمارها الريادي.
وربما لأن سردها أشبه بواجب مقدس: ألاحظ أن ثمة ذاكرة جماعية وأحداث تاريخية عبرَتْها، وأثّثتْ بيئتها، وحفرت أخاديد جروحها وحاضرها المؤلم، لم تُؤرشف أو تُؤرّخ أو تُستثمر أدبيا، وستموت من الذاكرة الجماعية الإنسانية إن لم أسردها.
وربما لعشقي الضاري لهذا البلد، شديد التنوع، التي تشكّلتْ فيه مداميك ثقافتي الأولى، ووفاءً له.
وربما لأن ارتباطي قويّ وعميق دوماً بِأهلها، وبكل مدنها وقراها، لاسيما عدَن الكوسموبوليتية التي ولدتُ فيها، وتفاعلتُ بحميمية وقوّة مع كل يومياتها على الدوام.

- أخيراً، لماذا فضّلتَ أن تظل "شهد" متوارية في الخلفية؟ ربما كان من الممكن منحها مساحة أكبر، خصوصاً أنها امتلكت كل الخيوط كما يظهر في النهاية. 

* لعلها في تواريها في الخلفية، أكثر حضوراً. حضورها، في الحقيقة، إلهيٌّ في كل ثنايا الرواية. و"ظلِّها الملائكي" في الرواية تجلٍّ لحضورٍ طاغٍ لها في الأساس، لكن من طراز آخر.
احتاجت شهدُ عضوياً للعبة الاختفاء والوهم، كي تكشف جغرافية السراب في مفهوم الوحي، ولِيصطدم القارئ في النهاية وهو يكتشف أن شهد كانت مايسترو الأوبرا وفرقة العزف في الوقت نفسه. وما عداها سرابٌ خالص.
للسراب (ظمأنوت، في لغات اليمن والربع "الخالي" القديمة) هنا بُعدٌ جوهري ذي حضورٍ جاثم!
ألم يقل جورج جرداق في أغنية أم كلثوم: "هذه ليلتي": أغلقْ عينيك لتراني؟!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها