آخر تحديث:14:01(بيروت)
الجمعة 08/02/2019
share

الأزيدية ناديا مراد.. كتالوغ الأنثروبولوجيا الدولية

شادي لويس | الجمعة 08/02/2019
شارك المقال :
  • 0

الأزيدية ناديا مراد.. كتالوغ الأنثروبولوجيا الدولية رحلة الألم
مئات الرجال يتجمهرون حول نادية مراد التي تخطو ببعض من العجلة عبر الميدان البرليني الفسيح. ويتحلق عدد من مرافقيها بوجوه صارمة، لتخفيف الاحتكاك بينها وبين الشباب الذين يتدافعون في بهجة لالتقاط الصور التذكارية معها. وسط هذا الزحام، تفتتح المخرجة إلكساندريا بومباخ فيلمها الوثائقي "على كتفيها"، متتبعة نادية بين برلين ونيويورك وكندا واليونان. يقدم مشهد المقدمة إيجازاً- يتم استيعابه لاحقاً- لسردية الفيلم. فبومباخ التي لا تفعل الكثير سوى أن تتبع بكاميراتها نادية، ليست معنية بالحديث عن المذبحة الإيزيدية، ولا عن مأساة بطلتها، فنحن بالكاد نعرف شيئا عما حدث لها من الفيلم. 

في قاعة السينما، وعلى يميني، جلس رجل وامرأة بملابسهما اليهودية الأرثوذكسية، التي لا يصعب تمييزها، وكان هذا مشهداً غير معتاد لي في أماكن الترفيه في لندن. لكن الحضور النادر كان من السهل تفهمه، فالفيلم كان من المفترض به أن يدور عن "هولوكوست" آخر. على يساري شاب وفتاة، بدت ملامحهما شرق أوسطية، وكان صوت طحن أسنانهما لحبات الفشار بدأب، وانفجاراتها حبة بعد أخرى، مزعجاً، في البداية على الأقل. لكن، مع تقدم الأحداث، باتت أصوات المضغ اللامبالية الخلفية الصوتية الأنسب لتدفق أحداث الفيلم وهمهمات البكاء المكتوم في قاعة السينما.

لم يكن الفيلم عن "هولوكوست" ولا عن ضحاياه، بل عن الماكينة الضخمة للميديا والمؤسسات الدولية التي تلقفت نادية وقصتها، وحولتها إلى استعراض للمأساة، ذبيحة مكشوفة، تعيد تمثيل انتهاكها مرة بعد أخرى، فاتحة جروحها المتقيحة أمام الكاميرات وللعيون الشرهة لدموع التأثر. تُرغَم نادية على تكرار قصتها، التي يعرفها الجميع، مئات المرات، بلا هدف واضح لكل هذا التكرار، سوى أن تتحول شارة للرضا عن النفس لدى جمهور المستمعين. في أحد المشاهد تسأل مذيعة محطة الراديو الكندية، نادية، عما حدث لها، وترد هي بجملتين موجزتين في صوت أقرب إلى الغمغمة. لكن المذيعة تريد المزيد، وغالباً جمهورها أيضاً: "هل ضربوك؟"، "هل عذبوك؟"، "هل اغتصبوك؟". تنتزع منها الإجابات انتزاعاً، تجيب بنعم في كل مرة، ولا تتركها المذيعة حتى تنفجر نادية في البكاء من هول الذكرى.


لكن نادية لا تظهر كمجرد ضحية مرتين، أو كألعوبة يتم استغلالها على غير إرادتها. فهي ومن خلفها مراد إسماعيل، المدير التنفيذي لمنظمة "يزدا" الذي يرافقها في رحلاتها، يدركان بوضوح الثمن الذي يجب دفعه في مقابل انتزاع الاعتراف بالمأساة الإيزيدية من العالم. فالأمر كان يتطلب ذبيحة، ضحية تقدم نفسها طوعاً، وكان من حسن حظ نادية أو ربما سوء قدرها أن يقع عليها الاختيار بمحض الصدفة. تقف نادية في أكثر لحظاتها صدقاً أمام الكاميرا وحدها، لتقول إن طموحها كان أن تنهي دراستها وأن تفتح صالون كوافير، هذا كل ما في الأمر.

في لقائها مع المدعي السابق للمحكمة الجنائية الدولية، لويس مورينو أوكامبو، ينصحها بأن العودة إلى سنجار يجب أن تكون الهدف. فلدى أوكامبو قناعة بأن نادية في اختيارها أو من دونه أصبحت رمزاً لـ"شعبها"، وإن دورها هو العمل على أن تبقى الإيزيدية وأن يبقى الإيزيديون. يرفض رفيق نادية أن يترجموا ما قاله أوكامبو لها. فبعيداً من طموحات "الدولة الأمة"، وشعارات "السكان الأصليين"، والمهمة التاريخية التي يتكلم عنها المسؤول الدولي السابق، يشرح مراد إسماعيل لأوكامبو أن طموحاتهم محدودة وعملية ومتواضعة، لدينا لاجئين في مخيمات يحتاجون طعاماً يأكلوه وأغطيةً تقيهم من البرد، يحتاجون اعترافاً بهم من المؤسسات الدولية لقبولهم وإعادة توطينهم، لدينا آلاف المحاصرين الذين يحتاجون مَن ينقذهم وأسرى في حاجة إلى من يحررهم. لكن أوكامبو الذي بدا مهووساً، في حُسن نية، بالحفاظ على الإيزيدين كمعروض في كتالوغ الأنثروبولوجيا الدولية، يظل على إلحاحه.

لكن المدعي الدولي، لم يكن مخطئا تماماً. فنادية مع الوقت، تدرك قدرها في أن تتحول إلى قديسة للإيزيديين، يهمس أحدهم لها في الذكرى الأولى للمذبحة: "لا تبكي، إن بكيتِ سيبكي الآخرون". ولا تبكي نادية حقاً، وتنهار النساء الأخريات أمامها وتجثو هي لتهدئتهم، بلا دمعة واحدة. لكن نادية التي احتفظت بقسمات تائهة، ما زالت تعابير الألم في وجهها، لا تخفيه الابتسامات الرسمية، بل تعمقه، لا تقبل بدورها في صمت حتى النهاية.

ففي المشهد الختامي للفيلم، وهي تلقي كلمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تدين نادية كل هذا الرياء والبلادة المستشرية في تلك الماكينة المرعبة التي وقعت ضحية لها، تدينها علناً، وتفضح أربابها، بشكل شخصي جداً ومباشر ووجهاً لوجه، وفي أكبر محافلها: 
لم يُخلق هذا العالم لكم ولعائلاتكم فقط، نحن نريد أيضاً الحياة ومن حقنا أن نعيشها... إذا كان قطع الرؤوس وأخذ المرأة كعبدةٍ جنسيةٍ واغتصاب الأطفال وتشريد الملايين لن تحرككم، فمتى ستتحركون؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري