آخر تحديث:16:39(بيروت)
الثلاثاء 05/02/2019
share

أمين الباشا.. الساحر الملوِّن إذ ترك بهجته ورحل

المدن - ثقافة | الثلاثاء 05/02/2019
شارك المقال :
  • 0

  • أمين الباشا.. الساحر الملوِّن إذ ترك بهجته ورحل
    أمين الباشا
  • أمين الباشا
    أمين الباشا
  • أمين الباشا
    أمين الباشا
  • أمين الباشا
    أمين الباشا
من ميزات الرسام الراحل أمين الباشا (1932 – 2019)، أنه كان صانع البهجة من خلال شخصه وكلامه ولوحاته، يمكن للمرء في خلال جلسة عابرة أن يعطيه ورقة بيضاء أو علبة خشبية ومجموعة ألوان، فيعيدها له عملا فنياً، يضعه في أحد زوايا الصالون أو المكتبة وينظر إليه بفرح. كان الباشا ساحر ألوان، يهبط خياله سريعاً على اللوحة، فيقدم أشكالاً وحروفاً أشبه بقصيدة لونية، أو معزوفة موسيقية ناعمة وفرحة، يرسم عصفوراً وشجرة وامرأة وابتسامة وقبلة ونافذة ومزهرية، ويرسم حروفاً وحياة، وكل ذلك بروحية الطفولة وألوانها وذاكرتها وأحلامها... 

ويعتبر الباشا واحداً من الفنانين اللبنانيين الكبار الذين تركوا بصماتهم في الساحة الفنية اللبنانية والعربية والعالمية، فهو من الملوِّنين العرب القلائل الذي دخلت أعمالهم متاحف ايطالية وإسبانية وفرنسية وعربية. وهو من مواليد رأس النبع-بيروت 1932، من عائلة عشقت الرسم والموسيقى. شقيقه الموسيقار توفيق الباشا، وخاله خليل مكنية الموسيقي والرسام. بدأت الذاكرة اللونية الأولى تطل على رسومه خلال تردده الى محترف الرسام المجري ستيفان لوكس، والذي بدأت معه مشاوير الرسم في الهواء الطلق لمناظر مأخوذة من سطوح المنازل البيروتية. وذلك قبل سنوات من مرحلة الدراسة في الاكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة "ألبا" (1954 – 1957)، في محترف قيصر الجميل وجان بول خوري والايطالي فرناندو مانيتي. حاز في العام 1959 منحة من السفارة الفرنسية لمتابعة الدراسة في المدرسية اللونية العليا للفنون في باريس، في محترف موريس بريانشون، وفي اكاديمية الغراند شوميير في محترف هنري غوتز. في باريس، كان يقضي معظم اوقاته في زيارة المعارض، ليتعرف على أنماط الألوان وأٍساليب الرسم العالمية. في تلك المرحلة، تأثر برسوم بول كلي وكتاباته، وبتجارب بيكاسو، وبالفنون الشرقية التي تلغي الفواصل بين التجريدي والتصويري. عَكَس المنظر التجريدي الذي كان يرسمه وقتئذ، في صوغ جمالية المنظر الذي يُرى من الأعلى "منظور عين الطائر" كمساحات لونية مبسطة عرضت في بينالي الاسكندرية 1963 وعواصم ومدن أخرى.



في بداية الحرب الاهلية اللبنانية، سافر الباشا الى ايطاليا بدعوة من مؤسسة educavi maesta التي وقع معها عقد عمل لمدة خمس سنوات مع جيورجيو تشينا رئيس المركز العالمي الذي تعاون مع كبار الفنانين. في العام 1979، فاز بالمسابقة الدولية لتصميم فسيفساء كنيسة سان مارتينو، والتي نفذها في ساحة لينانو الايطالية. ومن تأثيرات تأليفه أجزاء لوحة الفسيفساء، أنها جعلته على تماس مع جماليات الفنون البيزنطية والفنون الاسلامية المدجّنة، المنتشرة في بعض المدن الايطالية. وهذا النجاح في ايطاليا، لم يشجع الباشا على ترك بيروت، انما جعله اكثر ارتباطا بأحلامها وألوانها، لكنه حمل من مؤثرات ذكريات فنون المرحلة الايطالية. حين شاهد الدمار الكبير الذي لحق بالوسط التجاري في بيروت، ألهمته الجدران المحروقة في كنيسة القديس جاورجيوس، وتداعيات دمارها وخرابها التي رسمها مراراً في مطلع التسعينات. أعاد صياغة الموضوع الذي رسمه دافنشي على جدار ماريا ديلا غلراسيا في ميلانو...

لطالما آمن الباشا بالقيمة الجمالية للفن، التي تتخطى المآسي والأحزان، فريشته اعتادت الفرح والتجوال في حدائق اللون، وأعادته من جديدة الى أحلام الطبيعة وفصولها. تمثل أعماله تجربة فنية غنية، لها علاقة بأسفاره وتجواله في المدن والأمكنة وجلسات المقاهي وحتى الجلسات المنزلية. يكشف بألوانه تفاصيل الحياة ومناخاتها، يروي بأشكاله حكايات شرقية مفتوحة على الخيال وذاكرة الطفولة، كأنه يرسم والموسيقى والصوت والشعر... وقد ساهم المشغل الفرنسي للنسيج، روبير فور، في تحويل احدى لوحاته إلى سجادية بحجم جداري زينت في مطلع الثمانينات مطار جدة في السعودية. خلال رحلته إلى اسبانيا في اواخر السبعينات، رسم مجموعة من مئة لوحة (مائيات وحبر صني) اقتنتها احدى المؤسسات الفنية ضمن مشروع صدر في كتاب يحتوي على نصوص لباحثين عرب واسبان عن حضارة الاندلس. كما رسم في العام ذاته جدارية بعنوان "تحية الى الموسيقار الاندلسي زرياب"، حيث ظهرت تجليات علاقة الباشا بالموسيقى خلال مراحل عديدة، شكلت في تكاوينها علامة فارقة في أسلوبه التعبيري المتحرر. فقد تداخلت حكايات التأليف الموسيقي مع خطواته الأولى في كتابة النغم اللوني الذي يحيط بتفاصيل العيش في بيت بيروتي. وكان خاله، خليل مكنية، قد أهداه علبة ألوان مائية كي يتسلى برسم العصافير والزخارف وتلوين القباقيب الخشبية.. إنها الذاكرة اللونية الأولى التي جمعت بين زمن الرؤية وزمن السماع، وهو الذي التقط لحظات الفن الأولى من خاله، الذي كان رساماً وموسيقياً، يخرج معه للرسم في الطبيعة، فيتهجى ألوان الطبيعة ويندمج في فضائها ويستحم بضوئها. وإذا لم يصعد معه إلى مناطق جبلية، مصوراً الشجر والطيور، فلا يضيع وقتاً، بل يروح يتنقل بحقيبة الرسم بين مناطق الشاطئ البيروتي، "الزيتونة" و"سان جورج" و"عين المريسة" و"الأوزاعي".



كان أمين الباشا قادراً على تحويل أي شيء كرتوني وخشبي إلى لوحة جميلة. بدأ ذلك في باريس حين رسم على علب الجبنة التي كان يشتريها، وأكمل هذا الطريق في الرسم على الصناديق وأدوات البيت المختلفة، يقول الناقد فيصل سلطان إن الباشا سعى "في خشبياته، التي عادت الى الظهور بقوة في مرحلة الثمانينات والتسعينيات، الى التكامل مع عالم لوحته في الأسلوب التلويني والتزييني. وكذلك التجسيد المؤسلب للموضوع، وهو يهب مفرداته لتصويرية وجوده معنوياً وحسياً الذي بات ملموسا لاحتكاكه بالضوء والفراغ والمحيط"، حين ظهرت لديه المناظر بإيقاعات المربعات الصغيرة واللمسات اللونية الموسيقية التي توحي بأجواء الموزاييك، وكذلك تجسدت أشكال الأنصاب الطوطمية برؤى احتفالية مع ايقاعاتها اللونية مثل اللعب البداية للأطفال التي تنتهي عند قمتها برؤوس انسانية. حتى أنه نفذ رسوماً على بيانات وأرقام ميزانية أصدرها بنك "عودة" في كتاب، ليحول الكتاب المصرفي حينها إلى تحفة فنية.  
المعروف عن أمين الباشا صداقته للشعراء. لذا فقد زينت رسومه دواوين العديد من الشعراء، في العام 1965 قصائد الشاعر Alain Jouffroy، ثم الطبعة الإيطالية لقصائد الشاعر ليوبول سنغور في العام 1978، لتأتي تجربة الرسم لديوان للشاعرة ناديا تويني العام 1983، ومن بعده ساهم في اصدار العديد من الكتب أبرزها، كتاب بحث صوري للآثار العربية الموجودة في اسبانيا في العام 1985.
 
بيروت 
وتعتبر بيروت الأولى هي ملاذ الفنان وخلوته المحببة، تلك التي تستحضرها ذاكرته عبر أعماله والتي قال عنها: "بيروت الأولى هي المشهد المستمر في ذاكرته، تلك التي عرفتها منذ طفولتي، حين كانت الحياة تضج بالحياة. والمكان او الأمكنة التي استحضرتها في كتابي، هي واقع لامسته وعشته وشربته وطنفسته في مراحل مميزة عاشتها المدينة. ولأني ابن هذه المدينة، وابن هذه الأمكنة التي اعطتني الكثير من الطاقة التي تحرّض على الحياة، كان لا بد لي من الوفاء لمدينة قاسمتني الامل والجمال والحب والسعادة. وجاء كتابي ليقول، باللون والصورة، ما يجيش في بالي وما يتحرك في خيالي وذاكرتي. ولكن مهما رسمت ولوّنت المدينة، ومهما حاولت القول والتعبير، تبقى الصورة التي انتجها على موعد مع البقية. للوحة التي ارسمها امتدادات كثيرة، فكلما انجزت عملاً اشعر بانني على موعد مباشر مع العمل التالي، وهكذا تستمر المدينة في بناء ذاتها داخل لوحتي وفي اعماق اللحظة التي أعيشها".

وقال في إحدى محاضراته: "لم أكن تجاوزت العاشرة من عمري عندما اتجهت إلى الرسم. كان أول نشاط لي مرافقة خالي إلى الجبال وشواطئ بيروت، أحمل له علبة الرسم الخشبية التي كان يصنعها هو بيديه... وبعدها مرّت عشرات من السنين وما زالت تمرّ، وأنا ما زلت اندهش كلّما أرى نور الصباح وكأني أراه للمرة الأولى... في هذه المرحلة كنت أحوم حول مكتبة البيت المتواضعة وكأني سحرت بالكتاب وصفحاته وبما يحتوي، فانكببت على قراءة «ألف ليلة وليلة» ودواوين من الشعر والتاريخ. وكنت في الوقت ذاته انقل جملاً تروق لي من هذه الكتب، ثم ابتدأت بالذهاب صباحاً إلى البحر لأجلس متطلعاً سابحاً بخيالي، متصوراً نفسي شاعراً وموسيقياً ورساماً وكل شيء، إلى أن أعود إلى البيت وتعود لي صورتي الحقيقية، الصبي الذي لا يعلم ما يحب وما يهوى. لكن الألوان كانت، وما زالت تحرّكني، وكنت أستريح من الكتابة في الرسم، واستريح من الرسم في الكتابة، إلى أن تغلّب الرسم على الكتابة، لكنها لم تزل حيّة فيّ... كنت أرتاد المقاهي الشعبية في ساحة البرج، وكنت أرسم فيها بالحبر وبالأقلام الملوّنة وبالأكواريل، واعتبر أن المقهى الشعبي البيروتي هو مدرستي الأولى، وما زالت مهمة وضرورية لمداومة عملي الفني اليومي، فعندما سافرت إلى باريس تابعت الرسم في المقاهي وكان خروجي من مرسمي هو للدخول إلى مرسم أوسع، أي المقهى... الشارع... الناس". 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها