آخر تحديث:07:14(بيروت)
الأحد 03/02/2019
share

قيام الساعة على باب مصرف أميركي في بيروت

وضاح شرارة | الأحد 03/02/2019
شارك المقال :
  • 0

قيام الساعة على باب مصرف أميركي في بيروت ملصقات للذين شاركوا في عملية بنك أوف اميركا وزعت في معرض الكتاب
يتواتر في الأعوام الأخيرة صدور مطبوعات تتناول سير "رجال"، على معنى الكلمة في علوم الحديث، يصلحون اليوم أعلاماً على حوادث ووقائع ومعانٍ تأتلف منها مسيرة تاريخية مجيدة، لا محالة ملحمية وبطولية وخلاصية معاً. فيكتب من قدر على الكتابة سيرته بقلمه في مئات الصفحات، على ما صنع حبيب صادق ويمنى العيد ونسيم ضاهر وكريم مروة. ومن وافاه الأجل، مثل جورج البطل، ترك سيرته وديعة قبل وفاته في عهدة محاوره فواز طرابلسي. وكتب قريب لحسين مروة سيرته التي لم يكتبها هو، على ما كان الراحل يحب أو يريد أن تكتب. وجمعت زوجة حسن حمدان (مهدي عامل، على ما سمى نفسه كاتباً) مقالات وتأملات ورسائل وذكريات "تصف" الرجل الذي كان زوجها إلى حين مقتله اغتيالاً في أيار 1987. ويمت هؤلاء على مراتب متفاوتة الى "الشيوعية" اللبنانية، وبعضهم قتل في معرض منازعاتها. وكلهم، على درجات، من أعيانها. والتأريخ لهم، على لسانهم غالباً، ينزلهم مكاناتهم التي تليق بهم وبحزبهم.


مدونات

وتستجيب "الكتب" أو المدونات هذه، رغبة في التاريخية لا تفارق الحركات السياسية والاجتماعية التي تحتسب نفسها، من غير ريب ولا جدال، وليدة الأزمنة المديدة، ماضياً وحاضراً. وكان لسان حال بالميرو تولياتي، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي الإيطالي وأمينه العام طوال عقود: "نحن آتون من بعيد (سحيق) ورائحون إلى بعيد". ويحتاج مثل هذا الزعم إلى علامات على الطريق (سيد قطب) الطويلة فترث العلامة منها العلامة السابقة، وتنقل الامانة (نبيه بري وجبران باسيل على الأرجح) إلى العلامة التالية والجاهزة. وليس مثل القول العتيد: "على العهد سائرون"، أو "يحيا فينا وينتصر"، باعثاً على مد الجماعة الممتحنة وأفرادها على الخصوص بالقوة على الثبات تحت لواء يُصوَّر واحداً وعالياً وهو يماشي انقلابات الأحوال وتتراءى في مراياها. 

 ومختارات عباس جعفر الحسيني (الموسومة بــ 26 ساعة بنك أوف أميركا، رواية، دار المصور العربي- بيروت، 2018) من صنف المدونات نفسه. فصاحبها يروي وقائع هجوم علي شعيب وعادل بوعاصي وجهاد أسعد وعامر فروخ، من الحركة الثورية الاشتراكية اللبنانية المسلحة، على فرع بنك أوف أميركا، بشارع المصارف في بيروت، في 18 تشرين الاول 1973. وأسفر الهجوم عن مقتل علي شعيب وجهاد أسعد والأميركي الكندي ج. ك. ماكسويل والشرطي مهدي الملاح. وقتلوا كلهم، وفيهم الرهينة الأميركي- الكندي ورئيس دورية الشرطة الملاح، برصاص "رجال الأمن" على رواية جامع القصاصات والمؤلف بينها.

والقتل المشكل هو ذاك الذي أصاب الشرطي. فهذا رأى علي شعيب وهو يقرأ في أوراق الهوية أسماء الرهائن ومذاهبهم (طوائفهم)، ونهره وأمره بترك سلاحه. ومن غير مقدمة، "انهمر الرصاص بغزارة على مهدي (الملاح) وزميله حبيب (الخوري) من قبل رفاق علي الذي دفعه ضغط الرصاص متراجعاً الى مدخل المصرف. سقط مهدي صريعاً بعد أن أصيب بثماني رصاصات..." (ص30). أما مقتل الثلاثة الآخرين فلا يعتريه لبس ولا غموض: كان ماكسويل "في وجه" المغاوير المقتحمين وكلابهم البوليسية، فأبلغهم "صارخاً" أنهم سيقتلونه، ويستحيل عليه تجنب رصاصهم (فجهاد أسعد "خلفه")، ويستعمله ترساً، من غير الإفصاح عن الامر. "لكن رجال الامن أطلقوا النار فأصابوا ماكسويل... بأربع رصاصات" (ص 272).

و"رفع جهاد (أسعد) يديه بسرعة بعد أن ركع على الأرض... مكرراً أربع مرات: أنا أستسلم"، "فدفع (واحد من رجال الفرقة 16) بجهاد أرضاً ليستلقي فوقه، ثم قام بقضم أذنه بأسنانه قبل أن يخرج سكيناً ليغرزه في قلبه". وأجهز عليه آخر "بإطلاق رصاصتين عليه في صدره..." (ص272-273). وحاول علي شعيب التلطي وراء أحد الرهائن (وهذا لا يقال على هذا المقدار من الفجاجة، فيكتب المدون: "كان علي شعيب بين (الرهائن) وقد اتكأ على الرهينة فادي مخفياً وجهه واضعاً يديه على خاصرته"، ص 274)، ولكن "عنصراً أمنياً" أطلق النار "نحو خاصرته"، وسحبه رجال الأمن إلى داخل المصرف و"رموه أرضاً... بعدما قام أحد(هم) بسحق أعضائه التناسلية بجزمته ثم أطلق الرصاصة بجانب عضوه الذكري أماتته" (ص274-275).


أولياء وقديسون

 والتواء العبارة وغموضها، حين يتناول القول جزءاً من حادثة أو واقعة لا يليق بسيرة الأولياء الأبطال و"الشعراء الشهداء"، وجه من وجوه أدب الخلاص. ويستوي في ذلك أهل الإيمان الديني وأهل العالمانية (على ما يقترح بعضهم نظير "سيكولاريسم") الزمنية. فالفريقان يرويان أقداراً خلاصية تعج بالعلامات على مصائر مطوية ودفينة، ويقتصر فعل الزمن، أي التاريخ، على نشرها وإعلانها. وعلى هذا، فالشكل الذي يناسب النشر والإعلان ومراحلهما هو الحكاية (الاسطورية) أو الملحمة "الشعبية". وقد يُظن في هاتين الحكاية والملحمة، القصور عن تناول حوادث عالم شديد التعقيد والاشتباه والالتباس، على شاكلة عالمنا المعاصر أو عوالمنا (اللبنانية والعربية والإسلامية). ويُطعن عليها ميلها الاضطراري إلى التلخيص والتنميط بينما هي تقتفي أثر أفراد وآحاد خرجوا على مثالات اجتماعية وسياسية وثقافية قاهرة تقضي في عامة الناس بالاتباع والانقياد.

ومن تروي سيرهم، فضيلاً عمن يروونها هم بضمير الفرد المتكلم، "مناضلون"، مقاتلون ومكافحون، ويدخلون في باب السياسة والسياسيين. وهو باب الاختيار والقرار والحسم، وباب الانقطاع من سكينة العادات الأليفة والتسليم للحياة الطبيعية والرتيبة، حياة "البعير" على ما كنى خالد بن الوليد عن نفسه وموته على فراشه وحياة "الحيض والنفاس" على قول روح الله خميني حاملاً على انصراف زملائه الفقهاء عن فقه السياسة والولاية و"الموت لأمريكا والموت لاسرائيل" إلى تخريج الأحكام في ما لا يمت إلى "وقفة العز فقط"، على ما ذهب إليه زعيم يُفرد بالزعامة فيقال فيه "الزعيم".

ومن تكتب "رواية" 26 ساعة أخبارهم، مرشد شبو وابراهيم حطيط وعامر فروخ وعلي شعيب وجهاد أسعد وبشير عاصي- وهم فريق الهجوم على فرع بنك أوف أميركا، من مبتدأ التفكير في الهجوم على المصرف الأميركي الى تنفيذه وانتهائه إلى مقتل اثنين وأسر اثنين-، ليسوا من أعيان المناضلين المقاتلين. وليسوا على شاكلة القياديين والمفكرين والكتّاب الذين تولوا تعهد بنيان حزبي، ورعايته بالولاء وبإدراجه في سياقة حوادث حشدت الأنصار والمقاتلين والعلاقات والأحلاف والأموال والأفكار والسلاح على الجبهات. وإذا استوى بعض الشيوعيين، ومنهم الشيوعي السابق، أعلاماً على فصول دامية ومريرة من تاريخنا القريب، استقرت على رسوم ومعان متداولة ومفهومة ظاهراً، فمقاتلو الحركة الثورية الاشتراكية مرآة أحوال مختلطة من الأفعال والكلمات والمشاعر والانفعالات والصور لم تتخلص خيوطها بعد، على زعمي. فالمحازبون اليساريون عموماً صدروا، أفكاراً وأفعالاً، عن "جسم" (منظومة) أعلنوا أسس بنيانه ووظائفه على الملأ، وأقاموا على التذكير بالأسس هذه، وقياس نتائجها على مقدماتها. وحين تزعزعت أركان الجسم اليساري والتقدمي، في صيغتها المتعارَفة والمتداولة الرسمية، بدت حطاماً منثوراً على أرض يابسة لا تنبت إلا الشوك.


"العوامل الذاتية"

وعلى خلاف اليساريين التقدميين، وانقطاع ذريتهم تقريباً واقتصار إرثهم على معالم (سياحية) خاوية لا يقف عليها أو بها غير بعض أحفادهم، تملأ "ذراري" مقاتلي الحركة الثورية الاشتراكية، من غير انتساب ولا انتماء، أنحاء واسعة من بلادنا، وتنزل أفكارهم ومعاييرهم ومثالاتهم في العقول والقلوب وعلى الألسنة و"تستعمرها" أو تكاد. فما أوجبته الحركة المزعومة- وهي كانت شلة ضئيلة من الشبان الهامشيين، اجتماعاً وتعليماً وعملاً وعلاقات وعصبية- حين أعلنت عن نفسها وسوغت هذا الإعلان، وباشرت هجماتها وتفجيراتها وإطلاق رصاصها واغتيالاتها (إذا صح ما قيل في اغتيال العسكري التشيلي في 1974 وقتل السفير الأميركي في 1976)، غدا في أقل من عقد من السنين نهجاً انتهجته حركات مسلحة متصدرة. ففي صلب إعلان الحركة عن نفسها، وفي صلب تسويغه، تنحيةُ ما تسميه الجماعات اليسارية التقدمية عوامل موضوعية وعقلانية، وتقديم الرغبة والإرادة "الذاتيتين" تقديماً قاطعاً. ومع الرغبة والإرادة وإليهما، قدمت الحركة الإقبال غير المشروط على الموت. ونعت على العالم والحياة الصادعة به فسادهما "الأميركي". ودعت إلى الثورة على "أميركا" مرة واحدة أخيرة وعامة، على شاكلة انتظار مجيء الملكوت على الأرض.



وتماسكت، بل تواشجت حلقات الدعوة، وشبهها قوي بكرازة تستشرف قيام الساعة وملء الدنيا عدلاً "الآن وهنا"، على نحو متين. فمن يصدر، في رأيه وفعله السياسيين والماديين، عن جروح نفسه وموت أخته وحصره الجنسي (وهي حال علي شعيب، على زعم المدون) يوحِّد هذه في "حياة المجتمع... التعيسة، الفقر الذي يحيط بنا من كافة النواحي" (ص 226). ويدعوه هذا إلى احتمال "جوع الناس"، في عبارة سرت من بعد في صحافة دعوية تكفيرية (من كفارة لا شأن للاسلام "الجهادي" بها)، وتجويع النفس: "غير مسموح لي أن آكل الطعام من امام إخوتك وأخواتك" (المصدر نفسه)، يقول الشاب لصديقة هواه حين تدعوه إلى الأكل. ومن هذه حاله، تتوسط "الثورة" بين عشقه الممتنع (وهو يمنع نفسه منه) وبين موته قتيلاً على باب المصرف الاميركي- الإسرائيلي الذي هاجمه ثأراً لـ"فلسطين" من الخمسين مليون دولار التي "يعلم" مرشد شبو، رأس الحركة، أن المصرف يؤديها فريضة للدولة العبرية.

والثوري- وهو يرى نفسه حالماً وشاعراً وفرداً، ليله لا يشبه ليل غيره. وإذا كتب لم يكتب بل "أحسّ" (ص 230-231)- يعزم من يحب في حوار "عند حافة موجة متداعية على شاطئ الأوزاعي"، على الموت معه في "عملية كبرى في مصرف، عملية سياسية ستهز البلد"، ويعدها أن "(ينتهيا) معاً نهايةً حلوة. جميع الناس ستذكر(هم) ويخلد(هم) التاريخ ويكتب عنـ(هم) الجميع" (ص231). واجتماع الأحبة في الموت العُمد دليل من غير مقايسة ولا مقارنة على تقديم حب الموت ("عشق الشهادة" في مصطلح قريب) على حب الحياة. وهو، أي حب الحياة وتقديمه على قرينه الشريف والعظيم، ما دأب مقاتلو الفتوح الأولى والحرسية الأخيرة على تعيير "أمريكا وإسرائيل" به، ولا ينفكون عن توعدهما بالتعذيب بيد المؤمنين. فالموت قتلاً، على الشاكلة الموعودة، مؤقت، ويعود القتيل "بعد عامين أو أقل بقليل"، على قول علي شعيب لأمه من "شِعره الأخير"، وهو "ينازع الروح لدقائق" (ص 274).


المظلومون

 ويتوج موته موت المظلومين الذي سبقوه: حسن حايك "المزارع" (قتل في تظاهرة مزارعي التبغ في النبطية صيف 1972) ونعيم درويش الحبوشي (قتل في التظاهرة نفسها) وموسى شعيب (اغتالته الاستخبارات السورية في 1980 جزاء "عراقيته" البعثية) وهاني فحص (أحد أنصار روح الله خميني الأوائل، قبل تأييده خليفته المعين محمد منتظري، وانفضاضه عن "الخمينية"، وكان في الأثناء صوتاً بليغاً وصادحاً في جوق الدعاة) (ص235-236، ما عدا الشروح). وهؤلاء المعاصرون، وقبلهم كثير، يَنظمهم في سلك متصل "(أملٌ) ينبض كالهدير في وجدان كل فرد. سنهب جميعاً ضد أميركا وعمالة الحكم هنا. سنثور ولا بد من ثورة شعبنا..." (ص241). ولا يحسب علي شعيب وأصحابه أن "ثورتهم الاشتراكية" حين "(تطلقها) صرخة في هذا الوجود" (ص 249) و"تعيد للتاريخ معناه الحقيقي" (ص243) إنما هي عود على بدء "حسيني". والحق أن هؤلاء لم يجهروا هذه المقالة. ولكن نواة مقالاتهم، وسياقات صوغها والتلفظ أو الإدلاء بها لا تبطل فهمها وسمعها على الوجه الحسيني هذا. فقتيل الظلم الاميركي "حمَلٌ" و"نفس زكية" و"ذبيح" بريء. وتعقب الروافد الفعلية والمحتملة، والمتخيلة التي صبت عابرة في "حركة" هذه الحلقة من الشبان، أو تلك (الروافد) التي صدرت أو تحدرت من حركتهم، ينبغي ألا يحجب الغابة العريضة والمعاصرة التي كانوا شجرة متواضعة من شجرها الكثيف. فابتداء العقد الثامن من القرن (العربي) الماضي عقدة انعطافات سياسية وتاريخية كثيفة زلزلت تدريجاً، وفصلاً بعد فصل، طبقاتنا الاجتماعية. وقد تكون عواصف العقد الحالي والقريب من خاتمته من ترددات هذه الزلزلة. فبين حرب 1967 العربية والاسرائيلية الثانية وبين حرب 1973 الثالثة (و"بطانتها" الكبيرة هي قطع النفط "العربي" عن الغرب)، وبينهما الانقلابات العسكرية في الانقلابات العسكرية السابقة والكفاح المسلح الفلسطيني أحدها، دخلت بلدان المشرق ومجتمعاته حقبة "عواصف" مديدة. وردها، على ما يصنع جيل كيبيل في آخر كتبه الخروج من الفوضى (على معنى: في سبيل الخروج...، 2018)، إلى تراكم العوائد والفوائض النفطية وتمويل حركات الإسلام السياسي منها، اختصار متعسف يحمل صاحبه على إغفال حوادث بارزة من سياقات التأريخ.

ولعل أبرز ما تشترك فيه فصول هذه الحقبة هو إجماع أدوارها، وأصحاب هذه الأدوار (على مختلف مراتبهم و"مستوياتهم")، على حقيقة اضطلاعها بتصفية ذيول التاريخ السابقة وابتدائها صفحة جديدة تعالج معاً، وفي الحال، الأمراض والأوبئة والعلل والانهيارات والانحرافات والفواتات التي أصابت البلدان والمجتمعات المنكوبة وفتكت بها. وأوجب هذا الرسم، وبرنامجه وطاقمه وأدواتهما، تحدر أصحاب الأدوار "الإنقلابية" (على المعنى العفلقي، الانقلاب: العودة إلى التاريخ)، وإن تواضعوا وزعموا اقتصارهم على "التصحيح" وبيَّتوا "الأبد"، من طواقم سبق أن وعدت بمثل ما يعدون هم اليوم. وترتب على هذه الانقلابات استقرارُ حروبٍ أهلية كامنة على أقليات مستولية. وذلك في وقت طوت فيه الرأسمالية صفحتها الصناعية الثانية واستقبلت صفحة التجدد والابتكار التي ولدت المعلوماتية الالكترونية المعاصرة المستتبة (منذ ثلاثة إلى أربعة عقود). فاستغنت عن كثير من مقومات السيطرة وعواملها المحلية الركيكة، وألغت شطراً راجحاً من وسائط السيطرة وحُجبها وكوابحها. فردت الطواقم الجديدة المستولية، طواقم الدور الثاني من "الانقلاب"، على تعاظم الأثقال والمهمات بمواقف وبرامج خلاصية رؤيوية وإرادية.

وعلى نحو ما مَثَل العالم المعاصر أمام أنظار المجتمعات المشرقية، على وجوهه السياسية والعسكرية والاقتصادية والتقنية والثقافية، "عارياً" مباشراً وفظاً، مثلت هذه المجتمعات، طواقم حاكمة ومحكومين، في ثيابها الخلقة، ضعيفة الحيلة، ذليلة في نظر نفسها، وموشكة على الموت، على حسبان شكيب أرسلان. وبدا تشخيص النزاع مع "الامبراطورية"، "القسطنطينية الزانية" المعاصرة، على شاكلة أو مثال "ميزان قوى" حسابي وواقعي ضرباً من الجنون والعمى. فالموارد الفاعلة في صراع غير متكافئ ومتفاوت، وعلى قيادة طرفه الثائر والمحلي والمطالب بالثأر احتساب فراغ صبر جمهوره من المستضعفين الموعودين بالصدارة والوراثة- هذه الموارد الأحرى بها ان تكون "داخلية"، ذاتية. فتتولى تعبئة الإرادات المتحفزة، ومناشدة الخيبات المريرة، ووعد المجروحين والمساكين والمثكولين بحياة ثانية "في الأرض"، وبموت مجيد يفوق الحياة حياة ودواماً وفرحاً. وعلى الموارد المنتظرة أن تلحظ صور العواطف والأحاسيس والاختبارات المحدثة. فتتوجه التبعئة على من تساقطوا من الاجسام العصبية، وتركوا ديراتهم أو أريافهم إلى المدن، ومن درسوا وبلغوا المرحلة الجامعية، واشتهوا غير بنات أعمامهم وأخوالهم واشتهت تلك غيرهم، وقرأوا كتباً في السياسة والتاريخ والحرب. ومن خليط شبيه برواسب الثقافات في ما بين النهرين، في القرون الأربعة على جهتي الميلاد قبله وبعده، خرجت لغة "نبطية" معاصرة وهزيلة، هي اللغة المضمرة الغالبة طوال العقود الخمسة المنصرمة، تصوِّر "للناس" وشك مجيء الملكوت، والكوارث والمحن المشهودة هي آلام الوضع.

 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها