آخر تحديث:12:17(بيروت)
الخميس 28/02/2019
share

رامي مالك.. وهذه ليست سوى البداية

محمد صبحي | الخميس 28/02/2019
شارك المقال :
  • 0

رامي مالك.. وهذه ليست سوى البداية أمام مالك أكثر من تمثال ليرفعه مجدداً في مواسم الجوائز الهوليوودية (غيتي)
في أقل من ثلاث سنوات، حصل رامي مالك* على أرفع جائزتي تمثيل يمكن أن ينالهما نجم هوليوودي. الأولى حين فاز في 2016 بجائزة "إيمي"، كأفضل ممثل عن دوره في السلسلة التلفزيونية "مستر روبوت"، والثانية قبل أيام قليلة، حين فاز بأوسكار أفضل ممثل عن دوره في البيوغرافيا الموسيقية "ملحمة بوهيمية"، الفيلم الذي يروي فصولاً من سيرة حياة فريدي ميركوري، مغنّي فرقة الروك الإنكليزية "كوين" إحدى أشهر الفرق الموسيقية في التاريخ.


حظي مالك بتتويجين، على ما فيهما من كلام ونقاش حول استحقاقهما، يتيحان استعادة سيرة مهنية وتأمل مصير مهاجر شاب في زمن تجاور المتناقضات وسهولة رفع الصوت ليصبح ترينداً. فبين الردّة الأميركية، بزعامة "المجنون الأشقر" دونالد ترامب، والمدّ الانفعالي لحركات ارتدادية مناهضة تحاول كبح جماح الجنون السائد؛ يبرز رامي مالك (1981 - لوس أنجليس) كجزء ضمن حالة تمتد حدودها أبعد من صالات السينما ومواقع التصوير، كصاحب مشوار لافت لأكثر من 15 عاماً في عالم التلفزيون والسينما، عَبَر خلاله عدداً من التجارب المختلفة، أوصلته لتحقيق الكثير مما لا يتوقعه أحد.

مسار متنوع
البداية كانت بأدوار تلفزيونية خاطفة بين العامين 2004 و2005 جعلت له موطئ قدم في المشهد وأعدّته لما هو قادم. دور خاطف في إحدى حلقات الموسم الرابع من "غيلمور غيرلز"، ثم دور صغير كإرهابي عربي في ثلاث حلقات من الموسم الثامن لمسلسل "24" الشهير أمام الممثل كيفن سوزرلاند، ثم مشاركته في الموسم الأول من "أوفر زير"، في دور حسَّان، شاب عراقي متمرد، في عمل يدور في أجواء الغزو الأميركي للعراق. في العام ذاته، حصل على عضوية نقابة الممثلين الأميركيين، وقدّم دور شاب مثليّ في مسلسل "الحرب في البيت"، وقدّم أيضاً دور قاتل مريض نفسياً يعاني تعدد الشخصيات، في مسلسل "وسيط" من بطولة باتريشيا آركِت، وفي أدائه هذا الدور الصغير تُلاحظ قدرته على تجسيد الشخصيات المعقدة نفسياً بأداء هادئ بعيد عن المبالغة، وهو الذي سيصل ذروته في عمله التلفزيوني الأهم والأشهر "مستر روبوت".

التمكّن الأدائي لمالك سيصاحبه في أدواره الصغيرة ويجعله قادراً على تشكيل مساره المهني بتنوع، مثل دور القاتل المتسلسل المحب للموسيقى الذي يقتل ضحاياه بأوتار الكمان (مسلسل "ألكاتراز")، أو في ظهوره السينمائي الأول في "ليلة في المتحف" في دور الفرعون أخمن رع، أمام روبن ويليامز وبن ستيلر وبن كينغسلي، أو في شخصية الجندي مارييل شلتون، شاب يعاني نفسياً وعصبياً من آثار القصف والعمليات العسكرية في السلسلة التلفزيونية القصيرة "الباسيفيك"، وهو الدور الذي لفت نظر توم هانكس، المشارك في إنتاج السلسلة، ليستعين بمالك لاحقاً في دور صغير في فيلمه "لاري كراون". إلى أن وصل في العام 2015 إلى أولى بطولاته التلفزيونية في "مستر روبوت"، بمواسمه الثلاثة، ليجسّد الشخصية الأهم في مساره حتى ذلك الوقت: إليوت ألدرسون، الشاب "الكوول" العصري والقرصان الرقمي الطيب، بقامته النحيلة وعينيه الواسعتين القلقتين ومعرفته الهائلة بعوالم المعلوماتية ومتاهاتها، وبرغبته الثورية في إقامة العدالة وإصلاح المجتمع وإطاحة المؤسسات الكبرى.


"مستر روبوت"، من كتابة وإخراج أميركي آخر من أصول مصرية هو سام إسماعيل، مستلهم من ثورة 25 يناير المصرية، ومن حقيقة غضب شعبي تجاه مؤسسات المجتمع والنظام الحاكم، واستخدام شباب مصري لأدوات تكنولوجية مثل "فايسبوك" و"تويتر" لتنظيم تظاهراتهم السلمية، وقدرتهم على إسقاط الديكتاتور حسني مبارك في 18 يوماً. وشكّل المسلسل، بحكايته وتشويقيته وبانفتاح موضوعاته على مسائل نفسية واجتماعية، باباً ذهبياً ليعبر منه رامي مالك إلى قمة الشهرة، التي ستؤهله لبطولة فيلم "باسترز ميل هارت" (2016)، الذي يقدّم استنساخاً باهتاً لأحد خطوط "مستر روبوت" الذهنية والنفسية. لكن الموهبة الحقيقية قادرة على البروز وسط أكثر المناخات سوءاً، وهو ما تجسّد فعلياً في الفيلم الكبير التالي الذي قام ببطولته مالك، "بابيلون" في نسخة حديثة من فيلم سبعيناتي بالعنوان نفسه، وفي دور لويس ديغا، المزوِّر الفرنسي الثري ضعيف البنية الذي يجد نفسه مسجوناً في جزيرة نائية مع عتاة في الإجرام والقتل والبلطجة، فيتخذ من أحد المحكوم عليهم بالسجن حارساً شخصياً يحميه مقابل المال.

فريدي ميركوري
حصد "ملحمة بوهيمية" أربع جوائز أوسكار، وهو عدد جعله الفيلم الأنجح في ليلة الأوسكار، رقمياً على الأقل. لم يكن من المستغرب منح الفيلم جائزتي المزج الصوتي والمونتاج الصوتي، وكان من المتوقع فوز رامي مالك بجائزة أفضل ممثل عن دوره في الفيلم وتجسيده شخصية فريدي ميركوري. بالطبع، من الجنون التظاهر بمطابقة أداء مالك لميركوري أو جاذبيته وحركيته، ففي أفضل لحظاته يؤدي على خشبة المسرح قليلاً مثل ميركوري، لكن أداء الممثل الشاب لم يبتعد عن منطقة إثارة الإعجاب به في حد ذاته، فضلاً عن تقليد الأكاديمية الشهير في تفضيل تتويج الشخصيات التاريخية في فئة التمثيل تحديداً.


لكن "ملحمة بوهيمية" يمتلك شيئاً يحبّه عديد المشاهدين - الذين جعلوه ظاهرة ناجحة في شباك التذاكر حول العالم- وأعضاء أكاديمية هوليوود أيضاً: الحبكة الدرامية المفضلة عن ذلك "الأوتسايدر" (فاروق بولسارا، أو فريدي ميركوري، جاء بجذوره الهندية من زنجبار إلى إنجلترا) الذي يصنع بموهبته وشغفه اللانهائيين مهنة ناجحة في مجال متطلِّب. يتجنب الفيلم أيضاً، إلى حد كبير، الجوانب المظلمة والأزمات العميقة لحياة غير عادية، مختاراً التركيز على نجاح الفرقة، مع التزامه بمسارٍ مألوف في أي بيوغرافيا تقليدية لنجم موسيقي، تبدأ من التأسيس لحكاية النجاح الكبير، مروراً بسحر الاستديو وتسجيل الأغنيات، ثم الدخول إلى كواليس الحفلات الشهيرة، وصولاً إلى مشكلات الشهرة والمخدرات. كتالوغ محفوظ ومتوقع، لم يحاول الفيلم النأي عنه، بل رمى نفسه كلياً فيه. بالمحصلة، خرج الفيلم بقليل مما يمكن مشاهدته، وبالكثير للاستماع إليه.

هذه العوامل جعلت من أداء مالك بمثابة مركز ثقل في فيلم يملك من ضعف الدراما وملل الفرجة ما يباعد بينه وبين المشاهدين، وهو في ذلك يشبه كثيراً ماهرشالا علي في "غرين بوك" المتوَّج بأوسكار أفضل فيلم. بمعنى آخر، قدّم الفيلم لمالك أكثر مما قدّم لميركوري، وفي الوقت نفسه قدّم مالك أداءً أكبر من مستوى الفيلم.


بعيداً من هوليوود، يُختلق في مصر جدال ناقص عن شرعية الاحتفاء بمالك لفوزه عن أدائه شخصية مثلية في فيلم هوليوودي ناجح تجارياً. ففضلاً عن غياب حقيقة أساسية عن هذا المدّ السيبري المؤقت والمتهافتة أسبابه، تبدو شهوة الاندفاع لركوب موجه "التريند" دافعاً وحيداً لمعلّقين كثر، بما يكفي لنفي صفة الجدّية عن هذا الجدل أساساً. في إحدى مقابلاته الصحافية، يقول مالك عن استعداده لأداء شخصية ميركوري، إنه لطالما رأى فيه أعظم مؤدٍّ مسرحي في كل العصور، ووقف أمام تلك الحقيقة طويلاً ليرى كيف سيكون مدخله إلى الشخصية. لكن مالك يعتمد منهجاً خاصاً في تجسيد شخصياته، يمكن تلخيصه في "العثور على الإنسانية التي في داخلهم"، لذا "بدأت في النظر إليه كشاب، ومن الواضح أن اسمه ليس فريدي ميركوري، إنه فاروق بولسارا. كان هذا شيء يمكن البدء منه: شخص مهاجر، يتعارض مع الكثير من الأشياء في حياته، هويته، هويته الجنسية. قلت لنفسي "أوه، هناك أوجه تشابه. هناك أشياء أنت يا رامي مالك يمكنك بالتأكيد التعرف عليها هنا"، يقول مالك.

لكن الممثل الأميركي يعرف أنه يعيش في عالم لم يتخلّ كلية عن عدوانيته ورهابه تجاه المثليين والمهاجرين، مثلما كان في زمن ميركوري، بما يعنيه ذلك من استمرار التساؤلات الشخصية والصراعات الداخلية بخصوص هوية الفرد وتفاعله مع وسطه الاجتماعي. "أعتقد أن كل شخص يصارع مع بعض مظاهر هويته، لكني أود الاعتقاد أنني في موقع أكثر راحة مع ما أنا عليه. كل جانب من جوانب هذا سيكون صراعاً، من حيث اكتشاف من أنت بالضبط، وأعتقد أن هناك شيء واحد يساعدني فعلاً ويساعد الكثير من الناس: لا تشعر أبداً بأنه عليك تصنيف نفسك أو تشعر بأنك مهمَّش أو مصنَّف من قِبَل هذا أو ذاك الشخص. ما يملأني بالقوة هو قول: لا يهم إذا اكتشفت من أنا أو لا، أنا بالضبط ما أريد أن أكونه في أي لحظة، وأعتقد أن هذه رسالة يعطيها ميركوري لكل من يستمع إلى موسيقاه".

أمر آخر يجمع بين مالك وميركوري هو إثبات النفس، فكما وصل ميركوري إلى قمة النجاح متحدياً صعوبات العنصرية وعدم دعم الأهل والسخرية من شكل أسنانه البارزة، يستطيع مالك الآن الحصول على دعم عائلته التي لم ترغب أبداً في ذهاب ابنها إلى عالم التمثيل. عن ميركوري ورؤيته له كشخصية مأساوية يملك نجاحاً مهنياً وفشلاً اجتماعياً يجعله غير راضٍ عن نفسه في داخله، يقول مالك: "أعتقد أن عدم الرضا هو ما يبقينا، كفنانين، في تحدٍّ دائم لأنفسنا. كنت راضياً بلعب دور إليوت ألدرسون (مستر روبوت) وكان ذلك دور العمر بالنسبة إلي، ثم أتى هذا (دور ميركوري) وأواصل دفع نفسي وربما تجاوز توقعاتي الخاصة".

بحصوله على أول أوسكار له في سن الثامنة والثلاثين، وصل رامي مالك إلى ما لم يحققه عمر الشريف، الممثل الوسيم الآخر الذي تعقد مقارنته دائماً بمالك. وبالنظر إلى موهبته وحضوره، من المفترض أن أمام مالك أكثر من تمثال ليرفعه مجدداً في موسم الجوائز الهوليوودي.

(*) رامي مالك وُلد في لوس أنجليس العام 1981 لعائلة مصرية أرثوذكسية، لأب عمل مرشداً سياحياً في مصر قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة، وأم مصرية من أصول يونانية، تعمل في مجال المحاسبة. التحق بمدرسة نوتردام الثانوية في شيرمان أوكس في لوس أنجليس، وتزامل مع إيميلي سلاتر، شقيقة الممثل كريستيان سلاتر، الذي جسّد دور والده لاحقاً في مسلسل "مستر روبوت". تزامل أيضاً مع كريستين دانست، واشتركا معاً في فصل دراسي للتمثيل المسرحي. حصل على شهادة بكالوريوس الفنون الجميلية في العام 2003 من جامعة إيفانسفيل، إنديانا. بعدها بعام واحد، يبدأ مسيرته التمثيلية بالوقوف أمام الكاميرا لأداء دور صغير في مسلسل "غيلمور غيرلز".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد صبحي

محمد صبحي

كاتب مصري