آخر تحديث:09:33(بيروت)
الأحد 24/02/2019
share

المنفى السوري موزُ الثمانينات

سليم البيك | الأحد 24/02/2019
شارك المقال :
المنفى السوري موزُ الثمانينات لا موز في سوريا الأسد
في الثمانينات، أمضيت طفولةً ما في سوريا، في حلب تحديداً، بقي في ذهني منها صورٌ عديدة، وهذه أذكرها بتفاصيلها: كنت أمشي مع أمّي في أحد شوارع المدينة الفرعية، أذكر برداً وشتاءً خفيفاً ومساءً في تلك الصّورة، لكنّي أذكر اللون الأصفر الفاقع كان آنذاك، للموز المعلّق عند باب أحد محلات الكوكتيلات، الصّورة عندي متوقّفة هنا، كيف مشينا بعدها وأين صرنا وما الذي حكيناه أمي وأنا، لا أذكر منه شيئاً، الصّورة توقّفت عند الموز، عند لونه كأنّه أضواء نيون صفراء منحنية معلّقة على زاوية باب المحل.

كانت حياتي آنذاك أكثر بساطة. كنتُ، باختصار، طفلاً. لم أعرف ما الذي يعنيه "حافظ الأسد" كما أني لم أعرف لماذا كان الموزُ آنذاك غالياً، عزيزاً، أراه ولا أحصل عليه. اليوم، وقد صارت حياتي أكثر تعقيداً، لدرجة أجدني فيها أكتب عن الموز والأسد، أجد معنى المنفى السوري، اليوم وأنا في فرنسا، في الموز أمس في سوريا، بل هي أكثر تعقيداً مما ظننت، فالموز الذي لم أستطع طلب شراء حبّة منه آنذاك -يكاد بيتي اليوم لا يخلو من الموز- صار اليوم عندي رمزاً استعادياً للمنفى المسبق في سوريا، المنفى غير التقليدي، غير المتعلّق بابتعادٍ جغرافي لأحدنا عن بلده. هو -أكثر- منفى البلد عن أهله وليس الأهل عن بلدهم.

لم يبدأ المنفى السوري اليوم، أو في السنوات الأخيرة مع اللجوء إلى خارج سوريا تجاه البلدان المحيطة أولاً وأوروبا والعالم كلّه ثانياً. هي الفكرة الأولى للمنفى، هي التعريف المعجمي المبسّط للمنفى، المُطبّق ميكانيكياً على كل مهجّر من بلده، لكن السوريين (والكلمة تشمل دائماً فلسطينيي سوريا) لم يتعرّفوا فعلياً على المنفى هنا، في أوروبا مثلاً، إنّما عاشوه أكثر في سوريا، من دون أن يطابق ذلك التعريف المعجمي لما هو المنفى، ومن دون أن يشعر آخرون بمنفى السوريين في بلادهم.

ما كنتُ لأكترث بالموز لو لم أره، ما كان ليخطر لي أصلاً. كيسٌ أحمر صغير من "بطاطا ديربي" أمكن أن ينسيَني أن هنالك موزاً في هذه البلد وأنّه، وهو الأهم، لا يُنال أو لا يتوجّب نيله. كأنّ هنالك قراراً رئاسياً -ما كنت لأفهم معنى ذلك- بتوفير الموز بالقدر الكافي ليراه السوريون وبالسعر الكافي ليعجزوا عن شرائه.

في ندوة أقيمت في برلين منذ فترة، سألني أحدهم إثر قراءتي لورقة عن منفى فلسطينيي سوريا، أجبته بكلمتين، لا موز فيه، لا أذكر سؤاله لكنّ جوابي كان قصيراً وكان فكرةً أتتني -لا أعرف كيف- لحظتها: لا، ليس المنفى الجديد للسوريين هو ما حصل اليوم، المنفى الحقيقي هو ما عاشه السوريون في بلدهم، وقد تكون سوريا عندهم اليوم، وهم منفيون عنها، أقرب إليهم مما كانته قبل أعوام.

كان هذا، على ما أذكر، كل ما قلته، ليس بهذه الدقّة في التعبير طبعاً وأنا شبه واثق أن فكرتي لم تصل لسائلي كما أردتُها أو أريدها هنا. قطعتُ كلامي وصرت أفكّر به، فأثناء الإجابة وبعدها خطر لي أن حديثاً كثيراً يمكن أن يُقال في ذلك، فكّرت أكثر بالموضوع لاحقاً إلى أن تذكّرت "حادثة" الموز، فقلت لنفسي بأنّ أي أمر آخر يمكن أن يصوّر المنفى السوري ما قبل 2011 غير الموز في الثمانينات!

ليس عدم القدرة على شراء موزة منفىً فعلياً إلا إن كانت الموزة أمامك، تعرف أنّها هنا دون أن تجرؤ على مدّ يدك لتناولها أو لمسها، وتعرف مسبقاً ما سيكون ردّ أمّك إن قلت لها "ماما، بدّي موزة". لا أعرف إن كان لغير السوري أن يدرك قلق طفل في الثمانينات من أن يحاول سؤال أمّه عن موزة في "سوريا الأسد".

لا يعنيني الموز كثيراً ما لم يكن أمامي، لكنّه سيعنيني حتماً، أمس واليوم، إن كان أمامي مع رغبةٍ في نيله وعجزٍ عن ذلك. وذلك تحديداً هو المنفى السوري في زمن الديكتاتورَين، منفى السوري في بلده، السوري الذي لا يرى غير بلده، شوارع ومبان وأشياء وأناس، ويعرف تماماً أن البلد كلّها كالموز، أمامك ولا تناله.

حتى المنفى السوري تهجّر، نُفي المنفى إلى أوروبا، ليمارس السوري هناك ما لم يكن يستطيعه في بلده، من شراء الموز إلى الحديث في السياسة في الأماكن العامة، إلى شتم ماكرون وميركل (عطفاً على الأسد). المنفى الذي عرفه السوري وتوارثه في بلده، لم يعد موجوداً، أقلّه لإشارة أحدهم بأنّه: أووووف من زمااان لم نقل "للحيطان آذان" أو "وراء الشمس" أو "الموز غالٍ" أو غيرها من الصّور التي اقترنت بمنفى السوري في بلده. لن أنسى أبداً كيف انتشلت مني خالتي مرّةً صفحةً من جريدة عليها صورة بالأبيض والأسود لـ"أبو عمّار" وخبّأتْها من دون أن أعرف أي خطأ ارتكبتُه في التجوّل علانية في البيت -وليس خارجه- بهذه الصورة.

لا أقول بأن لا منفى للسوري اليوم، بل هو منفى إنّما يعرف السوري فيه أنّه منفيّ، يعبّر عن منفاه، عن حالته، عن علاقته بالمنفى وبالبلد التي نُفي عنها، عن علاقته بالدولة المنفي فيها، بالمجتمع والناس هناك، بأصدقائه وأهله ومعارفه، جدداً وقدامى، المشتركين معه في إقامته الجديدة، منفيين كانوا أم مقيمين ومواطنين.

المنفى الأشد والأقسى هو الذي عاشه السوريون داخل بلدهم، طوال 40 عاماً من حكم آل الأسد، المنفى الذي يعجز المنفيون عن الاعتراف به، عن مجابهته، عن التصالح معه. هناك حين كانت علاقتهم ببلدهم مضطربة وقلقة، العلاقة التي صارت أقل اضطراباً وقلقاً هنا في منفاهم الجديد. المنفى السوري الفعلي هو ما سبق آذار 2011، هو المنفى غير المعجمي وغير المطابق للمعايير البشرية لما هو المنفى.

لا أعرف إن كان المنفى الحالي، في أوروبا، هو إسترداد الكلمة في السياق السوري لمعناها العادي، من السوريين، لتكون سوريا أقرب إلى السوري خارجها منها إليه داخلها، ليستعيد السوريون في منفاهم معنى الوطن والحنين الذي سُلب منهم لعقود وأجيال، وطن وحنين ومعانٍ لها حُرّم على السوريين التصريح بها لأربعين عاماً.

لا أجوبة لديّ عن كل ذلك إنّما ما أعرفه تماماً الآن هو أن صورة سوريا لدى أهلها المنفيين عنها استعادت معانيها، صارت سوريا بلا يوميات أسديّة، من غلاء الموز، إلى ضرورة رشوة الموظّف، إلى سماع أحدهم في الشارع يصرخ في وجه آخر إن كان يعرف "مع من يتكلّم".
"سوريا الأسد" تتلاشى لدى السوري المنفي، وهذا بحدّ ذاته يمهّد لاستعادة، من خلال المنفى كبعد جغرافي، لصحّة العلاقة مع سوريا حين يعود يوماً أهلُها، إليها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها