آخر تحديث:11:52(بيروت)
الجمعة 22/02/2019
share

حول سجن الناشر خالد لطفي.. مناشدة لا نضال

هشام أصلان | الجمعة 22/02/2019
شارك المقال :
حول سجن الناشر خالد لطفي.. مناشدة لا نضال خالد لطفي
لا أعرف إن كان هناك جدوى من التضامن مع الناشر المصري خالد لطفي في هذه اللحظة، أم أن الأمر يشبه البكاء على اللبن المسكوب. ربما يريح الضمير أن صمتنا جميعًا، شهورًا طويلة، كان استجابة لرغبة أسرته، التي تصورت، في عدم إحالة القضية للرأي العام وصفحات السوشال ميديا، ما يهدئ استفزاز السُلطة ويُمرر الأزمة على خير.

بالأمس، وبعد ما وقعت العيون على منشورات فايسبوكية لا مصادر رسمية لها، ثم تقرير نشرته "الأخبار اللبنانية" بعنوان "السجن لناشر مصري.. شائعات أم أسرار عسكرية؟"، وبات مؤكدًا صدور حُكم قضائي بحبسه خمس سنوات، انفجرت حالة التضامن مصدومة وحزينة في صفحات المثقفين المصريين وامتدت إلى عدد من الأصدقاء في الحقول الثقافية العربية. وطبعًا، لا معنى لسؤال: لماذا لم نقرأ خبرًا في الجرائد المصرية؟ نعيش ظرفًا لم يعد يحتاج إلى استرسال الشرح. الصحافة في شبه بيات شتوي لا أحد يعرف كم عامًا سيرافقنا.

ليس بين الجماعة الثقافية المصرية من لا يعرف أن الناشر خالد لطفي، مؤسس مكتبة "تنمية" الشهيرة في وسط القاهرة، محبوس منذ نحو عام على ذمة قضية لإصداره طبعة مصرية من كتاب "الملاك". والضرورة في استخدام تعبير "طبعة مصرية"، تأتي من أهمية توضيح أن الكتاب كان متوافرًا في السوق العربية قبل نشره في مصر. ذلك أنه، بسبب ارتفاع سعر الكتب الآتية من خارج مصر في ظل الظروف الاقتصادية شديدة البؤس، لجأت دور نشر مصرية إلى صيغة تعاون مع نظيراتها في بيروت، حيث الاتفاق على إصدار طبعة قاهرية من بعض العناوين الصادرة عن دور نشر لبنانية. وكتاب "الملاك"، سبب الأزمة، صدر منذ فترة عن "الدار العربية للعلوم ـ ناشرون" اللبنانية، وصار متاحًا للجمهور العربي خارج مصر، قبل أن يتوافر أيضًا في مواقع الإنترنت حيث عالم قرصنة الكتب إلكترونيًا، بينما لم يتوقع الناشر المصري، أن إصداره تلك الطبعة المصرية من الكتاب، المُتاح للعالم بالفعل، سيعصف بمستقبله ومستقبل أسرته، مُتهمًا بتلك التُهمة المُرعبة فيما نعيش من لحظة سياسية مُفزعة، تُهمة: "إفشاء أسرار عسكرية".

كتاب "الملاك" ألفه الإسرائيلي يوري بار جوزيف، ويأتي الجدل الذي أحدثه من قيامه على سردية إسرائيلية مزعومة تقول إن رجل الأعمال المعروف، الراحل أشرف مروان، كان جاسوسًا إسرائيليًا في مصر، استغل قربه من دوائر الحكم كونه زوج ابنة جمال عبد الناصر وأحد مستشاري الدولة في تلك الفترة ثم فترة حكم السادات، وكيف أن خدماته للكيان الصهيوني أنقذت حياة آلاف الإسرائيليين أيام حرب أكتوبر 1973. وقد استوحى عنوان الكتاب من الاسم السري لمروان في الموساد: "الملاك". تلك هي السردية الإسرائيلية، والتي يتعاطى معها المهتمون أو الرأي العام باستجابة محدودة، حتى أن الفيلم المأخوذ عنها بالاسم نفسه لم يجد احتفاءً ولو فنيًا.

عمل خالد لطفي فترة في شركة تبيع الكتب، قبل أن يبدأ مشروعًا صغيرًا باستيراد الكتب العربية وعرضها على طاولة في أماكن يتجمع فيها المهتمون مثل "ساقية الصاوي"، ثم تكبير مشروعه وإنشاء المكتبة التي لن يقف نجاحها ودورها المميز بين المكتبات المعروفة. لكنه سيتجاوز هذا إلى أن اسم "تنمية" سيصير إجابة مناسبة على أي سؤال يخص البحث عن كتاب ولو لم يكن متوافرًا، فضلًا عن استيراد الكتب من دور النشر في الوطن العربي، قبل أن يبدأ في نشر بعض العناوين، سواء بشكل مستقل أو بالتعاون مع دور نشر عربية.

التقرير الصحافي الوحيد المنشور قال إنه "تم الأسبوع الماضي تأييد حبس خالد لطفي مؤسس مكتبة ودار نشر تنمية في وسط القاهرة، لمدة خمس سنوات بتهمة إفشاء أسرار عسكرية، وبث شائعات كاذبة". يقول أيضًا إن هذا التأييد يُعدّ حكمًا نهائيًا. لم يوضح لنا أحد إن كان هناك أي إمكانية قانونية للتراجع عن الحكم. البعض يتحدث عن إصدار بيانات تحمل توقيعات المبدعين والمهتمين لمناشدة رئاسة الجمهورية أو أي كيانات معنية، بالعفو، اتكاءً على أن الناشر لم يكن في ذهنه ما يضر بأمن البلاد. مجرد نشر طبعة من كتاب مُتاح بالفعل. ربما أن تلك البيانات تزداد فعاليتها لو دعمتها مشاركة كيانات لا تنتمي لمعارضة سياسية، اتحادات الناشرين والكتّاب العرب مثلًا.

التاريخ القريب يقول إن الصراع مع هذه السُلطة، خصوصًا على مساحة الرأي والحريات، هو صراع لا يدفع ثمنه سوى مسجوني الرأي، حيث جدار سميك مُشيّد بالصلف والقسوة والرغبة في العقاب. جدار باتت تذهب إليه أصواتنا الغاضبة كأشواك رفيعة.

استجابة المثقفين، شهورًا، لرغبة أسرته في عدم تعميم الأمور، لم يكن سوى تعبير عن إدارك لهذه الحالة، وتعلُم من هذا التاريخ القريب. اللحظة قاسية على الجميع، ولا أحد بات يعوّل على النضال من أجل أي معانٍ كبرى، لا شيء سوى أن كل من له عزيز في سجون الرأي يأمل في حريته، لا ليقول ما يريد، ولكن ليعيش راضيًا بالمُتاح.

يحزنني تراجع الأصابع عن الجري على لوحة المفاتيح بما تحمله المشاعر من غضب. مجهود بالغ في السيطرة على عفوية الكتابة. هذه سطور تبحث عما قد ينقذه من استمرار السجن، لا عن الصراخ في وجه قمع عاصف يتضاعف يوميًا حتى كدنا نخشى من خروج أنفاسنا بأكثر مما يتيح الاستمرار في الحياة.

• هامش: منذ أسابيع قليلة، نشرت "المدن" مقالًا عن حكاية مكتبة "تنمية" ونشأتها وأثرها في السوق الثقافي في القاهرة، وتعمد المقال عدم التعرض لأزمة مؤسسها استجابة لرغبة أسرته.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها