آخر تحديث:12:34(بيروت)
الخميس 21/02/2019
share

"سيروتونين" ميشال ويلبيك: ضرورة القراءة المقهقهة

روجيه عوطة | الخميس 21/02/2019
شارك المقال :
  • 0

"سيروتونين" ميشال ويلبيك: ضرورة القراءة المقهقهة لقد أُخذ على ويلبيك أنه رأى في الجنس مسألة "ثقوب"
كان الفيلسوف الفرنسي، جيل دولوز، يقول ان الكاتب الذي عنده أسلوب هو الذي يوصف عادة أنه بلا أسلوب. وعندما صدرت الرواية الجديدة لميشال ويلبيك، "سيروتونين" (فلاماريون)، بدا ان قول ذلك الأستاذ الكبير ينطبق على هذا الروائي، بحيث أن الكثير من قارئيها رددوا انه يفتقر إلى الأسلوب. إلا أن ويلبيك، فعلياً، في روايته هذه، ظهّر أسلوبه بقوة، بل أنجزه بالتمام والكمال، أي أنه أغلق دورته.


فمن مطلعها حتى خاتمتها، لا شيء في "سيروتونين" غير متوقع، ولا شيء غير "ويلبيكي"، من الشخصية الرئيسية الى... الشخصية ذاتها، التي تحمل اسم فلوران- كلود، طالما ان السرد هو سردها، ومنظوره هو منظورها، وعالمه هو عالمها. هذا ما يجعل القراءة تتطلب نوعاً من مضاد حيوي.

إذ إن ويلبيك يفرض على القراء تحدياً بعينه، وهو ألا ينتابهم كل الاكتئاب الذي يتفشى أمامهم من فصل إلى آخر. ولعل هذا هو التحدي الوحيد، مع تنبههم إلى أسلوبه المبرم الذي يحضهم على الاستمرار في القراءة وإنهاء الرواية.

قد يكون المضاد الأكثر فعالية هو الضحك على الطريقة الاسبينوزية. بالطبع، أول ما يتبادر إلى الخاطر عند الحديث عن هذا المضاد، هو قول اسبينوزا الشهير "لا الضحك، لا البكاء، بل الفهم" - والذي غالباً ما يستدعيه أعداء الضحك، وأعداء البكاء أيضاً، في حين أنهم لا يتوقفون عن الضحك والبكاء في حين الحاجة إليهما، لكي يلوحوا باللغو على أساس انه هو الفهم. لكن، اسبينوزا، الذي في الواقع قال "لا الهزء، لا الأسف، لا الكره، بل الفهم"، له ضحكه، وطبعاً له نواحه. الضحك الاسبينوزي ليس ضحك الذي يسخر ويهجو ويسبّ، ليس ضحك الحزن والكره، بل إنه ضحك الذي يتعجب، الذي يفكّه، الذي، وبحسب الاستاذ الكبير نفسه، وباقتباس منه، يقهقه هكذا: "آه! انظروا إلى هذا ماذا يستطيع أن يفعل! هاها! حسناً، هيا".

ضحك اسبينوزا هو المضاد الحيوي الذي من المجدي الاتكاء عليه خلال قراءة ويلبيك، وفي أثناء سماع رواية فلوران-كلود تحت تأثير دواء "كابتوريكس" المتخيل لتخفيف الاكتئاب.

لازمة هذا البطل هي أن كل شيء كان له معنى في الماضي. أما اليوم، فعلى الاطلاق. لهذا، ولأنه يحن إلى الماضي بلا ان يقدر على العودة اليه أو على إعادته، يمضي إلى اليوم بكل انحطاط، الذي، ومع تفاقمه، ينتج فعلاً قد تصح تسميته بالعامية "التشليف"، بمعنى الحنق الذي يودي إلى إلقاء/شلف الكلام على عواهنه. انحطاط فلوران-كلود يبرز في سيطرة التجنيس، يعني تحويل اي موقف إلى موقف جنسي. والتجنيس هنا لا علاقة له بالايروتيكيا، ولا بالبورنوغرافيا، كما يجري الحديث احياناً، ولا بالحيوانية. لا، إنما هو التجنيس الذي لا libido له، الذي يريد أن يواصل النكاح مدركاً انه يضاجع عدمه، لا يتصل بجسد إنما يصل إلى جدار.

لقد أُخذ على ويلبيك، انه رأى في الجنس مسألة "ثقوب". لكنه، فعلياً، ليس الممثل والمخرج البورنوغرافي روكو سفريدي لكي يقدم على ذلك. إنه يجد فيه مجرد زحلقة على الجدار نفسه، ومن بعيد. ليس صدفة ان البطل يتفرج على فيلم اباحي بيدوفيلي في وسط الرواية، ويحاول وصفه بطريقة اباحية تنم عن نقص في البوح، وبالتوازي مع ذلك، يحاول احيانا التسييس بطريقة مبالغ فيها تنم عن نقص في التسيس، كما يحاول أن يكون بيئياً بطريقة زائدة تنم عن النقص في القناعات البيئية.

أسلوب ويلبيك يفيد انه، وبشخصيته تلك، التي تبدو هي نفسها التي حكت رواياته السابقة، والتي ذات مرة حملت اسمه، لا يختزل أزمة ما يسمى "نظامه" أو "حضارته" فقط، بل أزمة تعلقه بهذه الأزمة أيضاً، والتي لا تتمحور حول الإفضاء به إلى الاكتئاب فقط، بل الى التشبث به أيضاً. لكن ويلبيك تغيّر. هكذا قيل. وها هو، وعدا عن وعي علاقته بالأزمة التي استهلكتها كتبه، يطرح الحل في روايته حيث قدم كل اسلوبه. الحل الذي يستدعي ضحكة الفكاهة اياها: "انظروا إلى هذا ماذا يستطيع أن يفعل، هاها"، فالحل هو: الإيمان الحب.

المفارقة الكوميدية ان ويلبيك، ومع تبشيره بالحب، يبين لأن الحب ما عاد يستلزم ليبيدو، ولا طاقة، ولا رغبة، كما لو أنه جثة متعفنة خارج الثلاجة! انه حب من دون وقوع، حب تعيس يشبه كلمة "احبك" التي يكتبها متظاهران بالعشق كل على جدار الأخر في فايسبوك، ومن بعد "الإعجاب" الاجتماعي بها، يضرب الموات بينهما. عندما يصير الحب هو الحل الويلبيكي، هذا يشير إلى أنه صار في خبر كان، وما استعادته سوى انتكاسة كاريكاتورية، تنطوي على رهابه، الذي سرعان ما تنتجه.

يبقى استفهام في بال قارئ ويلبيك، طوال روايته، وقد يكون موضوع رواية ما، وهو: في حال تسلمت السرد، إحدى النساء في روايته، فكيف ستروي؟ وماذا ستقول عن فلوران-كلود؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب