آخر تحديث:12:25(بيروت)
الإثنين 18/02/2019
share

يان تيرسن يصوِّت "كل" الأمكنة

روجيه عوطة | الإثنين 18/02/2019
شارك المقال :
يان تيرسن يصوِّت "كل" الأمكنة لطالما وجد يان تيرسن في ربط فنه الموسيقي بالأفلام أمرا مزعجا وغير محق
لطالما وجد يان تيرسن في ربط فنه الموسيقي بالأفلام، أمراً مزعجاً وغير محق. فمع أن صيته قد ذاع بسبب تأليفه الموسيقى التصويرية لعدد من الأفلام، وعلى رأسها "آميلي"، و"غوود باي لينين"، بالإضافة إلى الشريط الوثائقي "تبارلي"، الا ان تيرسن يجد فعله هذا مضجراً، إذ يفضل الانصراف إلى إنتاج ألبوماته التي بلغ عددها العشرة بعد صدور ألبومه الأخير، All، منذ أيام. وفي هذا الألبوم، يبدو تيرسن ساعياً إلى تسديد الضربة القاضية ضد الاعتقاد السائد بكون موسيقاه هي موسيقى بصرية، والاستماع إليها يساوي المشاهدة. 

يقوي تيرسن ضربته القاضية لذلك الاعتقاد باستكمال ما بدأه في ألبوم سابق، وعنوانه "ووزا"، الذي اعتمد فيه الجمع بين العزف والأصوات الحية، بحيث انه ينطلق من هذه الأصوات لكي يضع ألحانه لها، أو لكي يضعها معها. في ألبومه الجديد، يستند تيرسن إلى التقنية ذاتها، التي من الممكن القول انها تجعل موسيقاه حية أيضاً، لكن حيويتها لا تتعلق بإيقاعها مثلاً، إنما تسجيلها لما يدور في مكان محدد، أكانت جزيرة "ووسان" في البحر الكلتي، أو حي تمبلهوف في برلين. وبهذا، هي موسيقى مكانية، ومكانيتها هذه لا تشير إلى انها مجرد انعكاس صوتي لذلك المكان، بل هي خريطة أو "جغرَفَة" له، وبالتالي، الاستماع إليها يصير بمثابة تجوال فيه، أو عيش في قربه. 


من هنا، لا تعود موسيقى تيرسن بصرية، تحيل إلى مشهد من هنا أو من هناك، بل تدفع إلى التنقل أو الحركة عبرها، كما لو أنها هي المكان الذي تصوّته، والذي تتيح زيارته عند الاستماع إليها. وفي هذا السياق، وعندما أخرج تيرسن بعض مقطوعات ألبومه الجديد في فيديوهات، استخدم صوراً تضاريسية، بحيث أنها ليست لقطات فيلمية، أو لقطات وقائعية، إنما هي صور مكانية بالمعنى التام، أو المجرد. 

غير أن موسيقى تيرسن، ولكي تستوي على نحوها المكاني، لا يكفي ان تتزود بالأصوات الحية في هذا الرجاء أو ذاك، ولهذا، يوفر لها مبدعها طاقة محددة، وهي طاقة الإنباء. فكل مقطوعة موسيقية تنبئ بشي ما، لكنها كلها تنتهي إلى الفقد الذي يشكل أساساً من أسس الجو الخاص بالمؤلف. في هذا السياق، لا مناص من القول أن موسيقى تيرسن، وعندما تصوّت مكاناً، لا تفعل ذلك كأنها تكتشفه لتقيم فيه، إنما تكتشفه في سبيل انصرافها منه، وعندها، تنبئ بالفَقد. فما هو مفقودها؟

ليس ما امتلكته في هذا المكان، ثم ضاع منها، بل ما أتت بحثاً عنه في المكان نفسه، ولم تجده، فتأكدت أنه محبوس في مطرح من المحال الوصول اليه. موسيقى تيرسن هي رحلة دائمة إلى ذلك المطرح، دأب على تحرير المحبوس فيه. فالمفقود موضوع تحرير أكثر من كونه موضوع إيجاد. 

لقد قال يان تيرسن مرة إن الموسيقى هي "أصوات، أصوات". وبهذا، بدا أنه يبسط ممارستها، الا أنه كان يدافع عنها. فالموسيقى هي أصوات، وهذه الأصوات، فعلها الأولي ان تصل إليه، وتردد على مسمعه عبارة "من هنا، من هنا"، مشيرة إلى طرق مفتوحة، فيلحقها، يربطها ببعضها البعض، فتعرّفه على أمكنة، قبل أن تعود وتصرفه منها. "كل" الأمكنة، التي يزورها تيرسن في ألبومه الجديد، يسمع على تخومها تلك الأصوات، ويتعقبها، أو يتعقب أصحابها، ما دامت الترجمة الأخرى لعنوان الألبوم عن لغة البريتانيين، وتيرسن منهم، هي "الآخرون". يمضي صوبهم، يعقد الصلات معهم، يصير في أمكنتهم، يكتشفها، وعندما يسمع أصواتاً أخرى، يعاود المضي إليها من جديد. فحين رحل تيرسن من باريس إلى جزيرته، تركها لأنه ما عاد سمع فيها أصواتاً، ولأن هذه الأصوات أتت اليه من بعيد. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"