آخر تحديث:10:33(بيروت)
الأحد 17/02/2019
share

بريد إلى هدى بركات

أحمد شوقي علي | الأحد 17/02/2019
شارك المقال :
بريد إلى هدى بركات هدى بركات
عزيزتي هدى،

في خلال مشاهدتي فيلم "لارس فون ترير" الجديد، "المنزل الذي بناه جاك"، توهمت أن مشهدًا مرَّ على الشاشة، تموت فيه إحدى ضحايا القاتل المتسلسل، الميتة نفسها التي ماتتها العجوز الأوروبية في روايتك(*)، ليس لأن "جاك" قتل عجائز كثيرات خنقًا، وإنما لأن فيلما بهذه القسوة، على الرغم من أنه ليس أفضل أفلام "فون ترير"، ستكتمل بشاعته بعجوز تموت وقد بالت من الخوف مثل عجوزكِ.

عزيزتي هدى، لأنه، وبشكل ما، سرت عدوى روايتك "بريد الليل" إليَّ؛ أكتبُ، مثل أبطالها، خطابًا، أو ما يشبه الخطاب. هذه الرواية تشبهنا، أعني نحن الذين قرأوها، لذلك تنفذ إلينا عدواها بسهولة، تماما مثلما ينفذ الحنين من "خطابات الليل" إلى الذين تقع في أيديهم فيحاكوها بكتابة خطابات جديدة.

في الحقيقة، لا أعرف من يشبه الخطابات، كاتبها أم الذي قرأها فحاكاها، لأنني، وهذا غريب، صرت مع الخطاب الثالث، أقرأها بلسان الذي وجدها وليس كاتبها الأصلي، وكأنني أتعرف على الرسالة/ الحكاية من وجهة نظر الذي عثر عليها، لكنني، وبالرغم من ذلك، عرفتك، بسهولة، من بين أبطال روايتك، تلك المرأة الخمسينية، التي سافرت لتقابل حبيبا قديما، أنت تشبهينها، ليس لأن ثمة تقارباً بينكما في العمر، وإنما بسبب الذكرى التي روتها عن تناولها "الأكيدنيا"، لم أكن أعرف ما هي الأكيدنيا، استخدمتُ غوغل! في مصر نعرفها بالبشملة، يبيعها رجل يسرح، في الغالب، بعربة كارو أمام المدارس، ويبيع معها التفاح البلدي الصغير والدوم والحرنكش والنبق وكوز العسل. وبسبب ذلك التفاح الأخضر الصغير، لم أفكر يومًا في شراء البشملة، لأن ما سواهما على عربة البائع المتجول(السريح) لا يوجد في غير عربة البائع السريح، والتفاح الذي ليس صغيرًا، وليس أخضر اللون، يشتريه أبي من محل الفاكهاني. ثمة رابط صنعته، في طفولتي، بين ذلك التفاح وبين العوز، فلو أن الأطفال طالوه كبيرًا، ناضجًا ومسكرًا، ما قبلوا بذلك المُر الذي يشترونه بالواحدة من عربة الكارو، ولذلك السبب صنفته كطعام أدنى، ومثله البشملة، يكفي اسمها لوضعه ضمن ذلك التصنيف!

لم يكن والدي غنيًا، ولكن الأطفال يحبون إحساس الرفاهية، ربما، لو كنت أعرف أن لها اسمًا آخر مثل "الأكيدنيا"، لغيرت رأيي، وتعرفت إلى حلاوة طعمها الذي وصفته بطلة الرسالة الثانية في "بريد الليل"، ذلك الوصف على لسان تلك المرأة، يشبه تماما شعورك لدى تناول البسبوسة في زيارتك الأخيرة للقاهرة، قلتِ "كتير طيبة"، وفي لبنان نسميها النمورة، وأنها تذكرك بطفولتك، عندما كانت أمك تمنعك من أكلها لأنها طعام الفقراء.

هل اختلقتُ حكاية البشملة، لإضفاء تشابه ما على القصتين؟

...  ولكن تلك المرأة كانت تستعيد من ذاكرتها حلاوة الأكيدنيا، بالضبط، مثلما استعدت أنت حلاوة النمورة، تلك المرأة تشبهك، وهذه معضلة كبيرة واجهتني في بداية الرواية. لأنه يحدث، ببساطة، أن تتأثر القراءة بمزاج صاحبها، وما يدريني ألا تؤثر الكاريزما، التي تملكينها في الواقع، على تلقيَّ للرواية.

إن الوعي بتلك المسألة مؤذ للقراءة، يقتل متعتها، وقد حدث، للأسف، أن انتبهت إلى منشور كتبه أحد الأصدقاء على فيسبوك، يخص لغة السرد في "بريد الليل"، يرى الصديق أن ثمة تشابها في لغة الرسائل، وكنت قد انتهيت للتو من قراءة الرسالة الأولى، معجبا، ليس فقط باللغة السردية، وإنما بتركيب الجملة ذاتها؛ وهذا ما أقصده بالوعي المؤذي، ذلك التحري الذي تتبعته بعدها مع كل رسالة، وكل جملة وجدت بينها وبين سابقتها تشابه في البناء. تخيلي!

أمر طبيعي أن يتشابه بناء الخطابات الخمس، فالرسالة الموجهة، تفترض حوارًا بين كاتبها ومن يخاطبه، لكن ثمة تشابه ثان يظهر، خصوصا، بين لغة الرسالة الأولى والتي تليها... تلك الصدف التي خلقتِها كي تنتقل الرسالة إلى آخر تحفزه فيكتب مثلها، ليست صدفًا بالمرة، هكذا أرى. إن عدنا للخطاب الأول الذي كتبه شاب عربي إلى حبيبته الأوروبية، وحُفظ بطريقة ما داخل دفتر الهاتف في غرفة أحد الفنادق، والذي ربما مكث فيها كثيرًا قبل أن يلتقطه أحدهم، وربما أيضًا قرأه كثيرون لأنه كتب بلغة أجنبية، لم يحتفظ به سوى تلك المرأة الخمسينية، وحدها من تأثر بمحتواه، ومثلها التقط كل صاحب رسالة، رسالة الذي سبقه، لأن ما فيها يشبههم، أتخيل لو أن هؤلاء الخمسة مروا في غابة، تسقط الرسائل من أشجارها، لم يلتقط كل واحد فيهم سوى الرسالة نفسها، التي وجدها بالصدفة خلال أحداث الرواية، هذا التشابه الذي يوحدهم، لم يكن فقط بسبب اللغة ولا الهوية ولا المصير، وإنما بسبب اجتماع ذلك كله، فكلهم هاربون/ مهاجرون من جحيم أوطانهم، ومطاردون. كشفت الحياة في دواخلهم الطيب والرديء، حتى استطاعوا التعرف على أصواتهم أنجاسًا وملائكة، وهكذا، وبالطريقة نفسها تأثرت لغة الرسالة الثانية بالأولى، وبدت مترددة تماما مثل سابقتها، لكن ذلك التأثر يتلاشى مع كل رسالة تالية، لم تعد في حاجة لأن تحاكي الأصل، حتى يستحيل في النهاية إلى صوت متفرد في خطاب أخير، كان طبيعياً أن يصبح الوحيد الموجه بغرض الوصول.

عزيزتي هدى بركات، إن كاتبا آخر (لعله أنا، مثلا)، يتصدى لكتابة رواية تطرح هذه القصص التي احتوت عليها "بريد الليل"، كان لينفق، مئات الصفحات في رصد الواقع القاسي لهؤلاء الهاربين من الحرب، ومن وطأة الثورات العربية، ذلك الذي أوجزته ببراعة في عدد قليل من الصفحات، وكان ليثرثر (مثلما أفعل الآن،) بدلا من اختصار رسالته في جملتين: "هذه الرواية جميلة لأنها تشبهنا، نحن الذين قرأوها"، لكن عذري أنني لا أكتب خطابًا أوجهه إليك، لأنه بحسب روايتك، كل الرسائل المشوشة والمترددة، التي كتبت بغير يقين في وصولها، وصلت، أو حصلت بشكل ما على رد فعل تجاه محتواها، وإن لم تنجح في الوصول إلى وجهتها، أما الرسالة الوحيدة، الأخيرة، التي أرسلها صاحبها إلى جهة محددة لم يصله رد عليها أبدًا. ورسالتي هذه مشوشة ومترددة.

المخلص

أحمد


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها