آخر تحديث:14:33(بيروت)
الأربعاء 13/02/2019
share

نحو الإنتهاء من الحب وظلاميته

روجيه عوطة | الأربعاء 13/02/2019
شارك المقال :
نحو الإنتهاء من الحب وظلاميته الحب لا الحرب
منذ فترة يُلاحظ ذيوع أطروحة في عالم الفن، وهي تظهر في محصلة تناوله لزمننا الراهن، ومفادها: الحل هو الحب. وهذه الأطروحة، التي تعبر من فيلم كليمان شنيدر عن الثورة الفرنسية، إلى الأغنية الأخيرة لـ"مشروع ليلى"، تبدو ميتة من قبل أن تولد.

ذلك، أن الرأسمالية المريضة - يجب سماع استغاثاتها، لا مواصلة التوهم بأنها في صحة جيدة- قد سبقت هذا العالم إلى الحب، وتبنّته، فقضت عليه، جاعلةً منه فخها. 
تبنيها له هذا، بدأ في ماضيها البعيد، عندما جرى الإعلاء من شأنه على حساب العديد من العواطف، التي تسجل حدة الرغبة، ومروحة تقلباتها، من الاحتدام إلى الخبو، بحيث تحول إلى محتكر لهذه العواطف، كما أنه صار المعلم الوحيد للرغبة، التي غدا تنوع تقلباتها يساوي حصرها في تصورات بعينها. على هذا النحو، أضحى الحب سيد العواطف ورغبتها، إذ لا يمكن عيشها، الشعور بها، الحديث عنها، سوى من بابه، من جهته، فمثلما أنه يشير إليها، فهي تشكل ظلاله.

كما احتكرت الدولة السياسة وحيلها، والمجتمع اللقاء ومعاشراته، والثورة الخروج وانشقاقاته، احتكر الحب، كدولة ومجتمع وثورة، الرغبة وعواطفها. لهذا، قد يصح فهم شعار الحركة الهيبية الشهير في السبعينات، "مارسوا الحب، لا الحرب"، كنصيحة تقدمها دولة الحب لدولة السياسة. قال حكام الأولى لحكام الثانية: فلنكن أوجكم!

وهذا ما  كان الراحل جيري روبين قد قاله بطريقة صريحة في حين مضيه من الهيبية إلى "اليوبية"، أي من النضال التحرري إلى الإستثمار في شركة "آبل": "أفضل طريقة لمصارعة الدولة هي الحلول مكانها". من هنا، الوحيدون الذين أدركوا ذلك، ومع أنهم كانوا يسعون إلى دولة الثورة، هم الرفاق في حركة "البانك"، إذ كافحوا الهيبيين من خلال إطاحة الحب. ذمّوه، وفي بعض الأحيان، منعوه بينهم أيضاً. لذا، حين سُئل عنه قائد "السكس بيستولز" جوني ريتون، أجاب بكل قرف: "الحب هو دقيقتان من الضجة والقرقرة".

لكن، مسعى الحب في تبوّء ذروة الدولة، بما يعني كمالها ونهايتها، قد تم. فلما نزل عن رأسها ذلك المستبد (أو المحترم، وفي الحالتين، البيدوفيلي)، ليأخذ مطرحه الراشد البارد، أو العجوز المراهق، كان الحب قد شرع في جعل سياسة الدولة استمراراً له، وهذا، لأنها صارت في خدمة مجاله، أي الاقتصاد وسوقه. في هذا المجال تحديداً، عرف الحب عصره الذهبي، بحيث أنه تسلّع. وهذا، ليس من خلال الإستناد إليه للترويج لأغراض خاصة به فقط، إنما عبر تحوله هو بالذات إلى سلعة مرتكزة على العرض والطلب أيضاً. قسم كبير من الراب سجل وضع الحب هذا. من أغنيات "سوبرم أن.تي.أم" في ضاحية سان-دونيه الفرنسية، إلى أغنيات روي شلش في سجن رومية اللبناني، بحيث كانت لازمتها هي الآتي: مات الحب.

لكن موت الحب هذا، لا يعني زواله، إنما، وعلى العكس تماماً، تحلله، تكاثره، ليصير أينما كان. فها هي القلوب تصل إلى هواتفنا من كل حدب وصوب كإيموتيكونات تافهة. وها هي عبارة "حب" أخذت مطرح المنادى، فما أن تقابل أحدهم حتى يقول لك "كيفك يا حب؟". ثم، ها هي هذه الشخصية اللدنة، التي تردد "أحب الجميع، والجميع يحبني"، تتزايد بيننا. وها هي الروايات لا يكاد سردها يبدأ حتى ينقلب فجأة إلى معرض اقتباسات عن الحب على الطريقة المستغانمية، أو بالأحرى على إرادة ابتذالها.

كل انتشار الحب هذا يشير إلى تفتت جيفته، وفي الوقت نفسه، إلى التمسك بها. تطبيقات المواعدة، والمدربون عليها، يستغلون الوحدة التي قذفتنا إليها الحداثة المتفاقمة، والتي يحاول كثيرون اليوم مقاومتها بنوع من التوبة عن الفردية، من الانتكاس إلى البنى التقليدية، أو إلى صورها الكاريكاتورية على وجه الدقة، تعينهم في ذلك التفكرات المتجهمة لجوردان بترسون طبعاً. لكن الإستغلال ما كان ليجري لولا التمسك المستمر بالحب، والتمسك هذا يتأرجح بين كونه سفاهة رومانسية وجبناً رجعياً.

ما يعبّر عن هذا التمسك هو ثنائي الطبقة الوسطى في حالتين متداخلتين على الأقل. 
الأولى، عندما يجعل الثنائي من جيفة الحب سبيله إلى إنشاء البؤرة الاجتماعية للإقتصاد، وبهذا، يواصل عمل تطبيقات المواعدة ومدربيها في تحقيق حلم الحب أن يكون ذروة المجتمع، ذروة احتكار كل لقاء ومعاشراته، بعد حلمه بأن يكون ذروة الدولة. إلا أن فعل هذا الثنائي  يصل، وبسرعة مطلقة، إلى درب مسدود، بحيث أنه، وما أن يكوِّن تلك البؤرة، حتى يبدو أنها لا تلزم سوى لتسيير حركة المال داخلها، يعني لإبرام إستهلاكها عارياً، الذي لا يضعها على اتصال بإجتماع واسع، لأن هذا الإجتماع، وببساطة، ليس موجوداً البتة: "كنت أشاهد مسلسلات نتفلكس وحدي، صرنا نشاهدها معاً". وتظهر تعاسة هذا الثنائي، والذي غالباً ما يكابر على كون الحب الفعلي هو الحب عن المصلحة، في السوبرماركت، حيث، وما أن يقف أمام رفوف السلع، حتى يضطرب، يختنق. إذ تستيقظ جيفة الحب بين طرفيه، وتحضهما على إفتراس كل هذه السلع، وذلك، لكي يطعماها.

الحالة الثانية، تتعلق بشراهة هذه الجيفة أيضاً، بحيث أن الثنائي إياه، الذي يقوم بالتمسك بها، لا يقدر سوى على إطعامها، وبهذا، ينكر تعفنها وتفتتها. فكل هذا الخطاب الذي يتستر ببعض المقولات التحررية السطحية، متحدثاً عن "علاقة مفتوحة"، و"تثليث العلاقة"، و"تربيعها"، و"تجديدها"، أو الذي يحمل إلى جلب أطفال، وحيوانات، من قطط وكلاب وطيور، وأغراض، لتقاسم الإكتئاب معهم، أو لإلقائه عليهم، ليس إلا آلة ذلك النكران، آلة للحفاظ على جيفته.

حَلُم الحب بأن يكون ذروة الدولة، وذروة المجتمع، ولم يحقق ذلك سوى بموت كثير. لكن هذا الموت، لم يمنعه من السعي إلى تحقيق حلم ثالث، وهو حلم أن يكون ذروة الثورة. فتتواصل ظلاميته عبر تلك الأطروحة الفنية التي تفيد بأنه هو الحل، ولهذا، تتكئ تلك الظلامية على كونه الحدث الأهم، وعلى ألا معنى للعيش بدونه. لكن هذا الحدث مقتول سلفاً، بحيث أن وقوعه، الوقوع فيه، لا يؤدي سوى إلى إحياء جيفته، إلى إعادة إنتاج موتها. فهل هو يقع فعلاً؟ 

على إثر تعاظم قوة ضمير "أحِب" الذي يأمر الأعزب في أي مدينة تجتر حداثتها، تماماً، كما يأمر ضمير "تزوج" الأعزب في أي بلدة تجتر عاداتها وتقاليدها، وهذا، لكي يؤكد ان للمحيطين بهما نفعهما. وعلى إثر تعريف الحب الذي درجه الفنان الأردني أدهم نابلسي، مقدماً إياه كغيبوبة تؤدي إلى الاقتراض لشراء سيارة في أغنيته "هو الحب"، وبهذا، يتخطى "الغرام المستحيل"، الذي أعلنه أستاذه وائل كفوري. وعلى إثر انعدام "الحب من أول نظرة"، الذي كان علامة على كون الحب يقع في المجرد ثم يتجسد بين شخصين، وليأخذ محله "الطحش" أو "الكراش"، فيدلان على أن حب أي منهما لغيره ينطلق بتحطيمه، بحيث أن الإثنين يعيشان في فقاعتهما السميكة. وعلى إثر إشارة جرائم الحب إلى استعصاء وقوعه لدرجة الاستعاضة عنه بالقتل ثم بالانتحار... على إثر هذا كله، من الممكن القول بأن الحب لا يقع، أو، وعلى سبيل المبالغة، بالكاد يقع حتى يكشف عن انعدام وقوعه. تماماً كما تتحرك أو تتكلم الجيفة في عيون المُهلوِسين بها، في عيون النكروفيليين، الذين لا يتوقفون عن حب الحب.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب