آخر تحديث:14:53(بيروت)
الأربعاء 13/02/2019
share

الافتتان الثقافي بالثورة الخمينيّة

محمد حجيري | الأربعاء 13/02/2019
شارك المقال :
  • 0

الافتتان الثقافي بالثورة الخمينيّة عودة الخميني
في العام 2009 قال السياسي أبو الحسن بني صدر، إن السبب في الخلافات بين التيار الوطني الليبرالي واليساري، وبين التيار الديني، يعود إلى أن "خميني باريس" كان غير "خميني طهران"، موضحاً في حديث لـجريدة "الشرق الأوسط": "في باريس كان الخميني محاطاً بالمثقفين والمفكرين.. فيما في قم وطهران كان محاطاً برجال دين". ومن قم إلى طهران، بدأت قصة الخلاف بين تيارات الثورة الإيرانية، تزايدت عمليات الاغتيال من الطرفين، وشلّت الدولة، وأُعدم الآلاف من حزب تودة(الشيوعي)، ولم يبق من بدايات الثورة إلا صور تشير إلى تعدد التيارات التي شاركت في الثورة. في العام 2019 سيقول بني صدر لـ"رويترز": "إن الخميني خان مبادئ الثورة بتولّيه الحكم إثر إسقاط الشاه محمد رضا بهلوي، لكنه لم يكن وحده المسؤول عن عودة الدكتاتورية"، وكان بني صدر على متن الطائرة، المتوجهة من باريس إلى طهران العام 1979 وكانت تقل رجل الدين وقائد الثورة لاحقاً الخميني، وفي العام التالي أصبح بني صدر أول رئيس منتخب للجمهورية الإسلامية الإيرانية. لكنه اضطر في وقت لاحق إلى الهروب من إيران، وهو يعيش اليوم في المنفى في فرنسا. عندما ننظر إلى صورة الخميني عند عودته إلى إيران بعد 15 عاماً من المنفى، تراه مُحاطاً بمجموعة من أقرب حلفائه، بينهم نجله. وعند البحث عن مصائرهم، نُواجَه بمفارقة أن معظم هؤلاء قد توفي أو قُتل في السنوات اللاحقة. هؤلاء كانوا المنتصرين لحظة الثورة الإيرانية، لكن، وكما يقال عادة، "الثورات تأكل أبناءها"! والذي حصل إن "الأصولية التوتاليتارية"، كما يسميها الباحث حمود حمود، دعت جون إيسبوسيتو وجون فول ليكتبا مرة عن سجن إيفن، هذا السجن الذي تغيّر سجّانوه، لكنه السجن الذي بقي هو هو، سواء في عصر الشاه ("ظل الله" على الأرض) أو في عصر الخميني ("روح الله" على الأرض)، ويضيف حمود في مقالة بعنوان "الخميني و«الاستثناء الأصولي ..."، "إذا كان سجن إيفن، سيء السمعة، قد أُفرغ من سجناء بهلوي (الشاه)، فإنه امتلأ مرة أخرى بسجناء الجمهورية الإسلامية".





على أن الخميني الذي نفته دكتاتوريات الشرق(الشاهية، والبعثية)، وحضنته الحرية الغربية، حين عاد إلى طهران، مارس قمعه للحريات على أكمل وجه. والسؤال الذي ما زال يراود الكثيرين حتى الآن: كيف خدع الخميني مثقفي الغرب والعرب؟ أو كيف خُدعوا به؟! تؤكد الدلائل أن الخميني – عندما كان في فرنسا، قُبيل اندلاع الثورة وسقوط عرش الشاه- لم يكن معبوداً لعوام الشيعة و"المستضعفين" فحسب؛ بل كان "ساحراً" لأبرز المثقفين اليساريين في الغرب، وهذا ما يؤكده كتاب "الخميني في فرنسا/ الأكاذيب الكبرى والحقائق الموثقة حول قصة حياته وحادثة الثورة"(*) للكاتب هوشنك نهاوندي، الذي تولى وزارة التعمير ووزارة العلوم وكان رئيساً لجامعة طهران في عصر محمد رضا شاه. وفي فصل بعنوان: "معبود اليساريين والسّذّج"، يروي نهاوندي القصة التالية: "بعد ظهور آية الله الموسوي الخميني على المسرح ووضعه على طريق الوصول إلى السلطة، وحتى قبل أن يصل على مرتبة "الإمامة" في فرنسا، وقبل أن يُستخدم هذا اللقب المصطنع تقريباً في كل مكان، ويكتسب بُعداً رسمياً في إيران، انضم كثير من "مفكري" الغرب، بخاصة فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، إلى قافلة مادحي الخميني بلا قيود، خصوصاً اليساريين الفرنسيين الذين صنعوا منه صنماً". ويتابع: "أجرى ميشيل فوكو زيارتين لإيران لإظهار دعمه للخميني وللحركة الإسلامية المتطرفة، الأولى في أيلول/ سبتمبر 1978، والثانية في نوفمبر من العام نفسه، عندها كان الخميني قد استقرّ في نوفل لوشاتو، كما ذهب للقاء الخميني وكتب مقالات في مدحه، نشرها في الصحف الأوروبية المهمة، من منطلق عبارته "لا بد من أن نتواجد حينما تولد الأفكار". تعرض فوكو لانتقادات قاسية بسبب مقالاته عن إيران والخمينية. فقال عنه مكسيم رودنسون إن أي حكومة إسلامية محكوم عليها بالانزلاق نحو نوع من "فاشية متحجرة". فيما ادعت إيرانية منفية ناشطة في الحركة النسوية أن اهتمام فوكو بـ"الروحانية" أصابه بالعمى، مثلما أصاب غربيين كثيرين غيره".

فوكو
قيل الكثير عن مقالات فوكو إلى درجة الاستنفاد، وربما اختصر المشهد مقال الباحث الفلسفي اللبناني فارس ساسين في حديث سابق لـ"المدن": "لم أفاجأ بموقف فوكو من الثورة الإيرانية. عندما اندلعت الثورة، كنت وكثيرون معها. منذ العام 1969 وحتى 1979 تعرفت إلى إيرانيين كثر، سواء في الجامعة في فرنسا أو في الحياة العادية، كان معظمهم ضد الشاه، من الأوساط الفقيرة وصولاً إلى الأوساط الميسورة. كانت الانتفاضة ضد شاه إيران ونتيجة فرضه من الأجانب عبر انقلابات عديدة نظمتها الاستخبارات الأميركية. من هنا، كان ثمة تعاطف فعلي مع الشعب الإيراني، لكن أحداً منا لم يكن يتصوَّر أن الثورة الإيرانية ستنتهي في أيدي الملالي. كانت الانتفاضة الإيرانية في البداية ثورة شعب متقدم. عندما زار الدبلوماسي والصحافي أريك رولو، إيران، وكتب سلسلة مقالات عنها، استنتج نظريه شبيهة بنظرية كان يقولها طه حسين عن مصر، وهي أن ثمة ثلاثة مصادر للشعب الإيراني والثقافة الإيرانية: المصدر الأول الإسلام، المصدر الثاني الإمبراطورية الفارسية، والمصدر الثالث هو الغرب. علاقة إيران بالأخير قديمة جداً، وهم معجبون بالجامعات الأوروبية والثقافة الغربية، فأن تتحول الثورة الإيرانية ثورةَ ملالي فهذا أمر غريب!".

ولم يقتصر "الافتتان" الثقافي بالخمينية على الغربيين، بل وصل إلى بعض يساريي بيروت. ففي مطلع الثمانينات كان الكاتب والمحلل السياسي حازم صاغية واحداً من جمهرة شبان يافعين أطلقوا قبضاتهم في الهواء هاتفين بحياة ثورة إيران الخمينية وحياة قائدها. لكن زخم الهتاف لم يدم طويلاً، فـ"الرفيق" صاغية، هو من قلّة تراجعت عن هذه الحماسة، وعاد وكتب عن مناصرته للخمينية وانفصاله عنها في مقال نشره في ملحق "تيارات" في جريدة "الحياة" بعنوان "حين كنت خمينياً"، قائلاً "بين اندلاع التظاهرات في طهران ضد الشاه وسقوط أبو الحسن بني صدر، أُصِبت بالخمينية. فحين وصل آية الله مظفراً من فرنسا، رفعت الجريدة عالياً مُظهراً المانشيت، وهتفت وأنا في وسط الشارع لحسن... الذي كان في بيته في الطابق الثاني: لقد انتصرنا. لقد انتصرنا.
كان السلوك هذا يستحضر الولد فيّ، الولدَ المُـصرّ على أن يبقى ولداً.
والحال ان خمينيتي جاءت كأنها رفعٌ لحرارة شخصية رافقتني منذ نعومة الأظافر، وكانت دائماً تقودني إلى الأشد تطرفاً والأكثر راديكالية. والماركسية في أواخر السبعينات اللبنانية كانت بدت باردة وعاجزة...". وسرعان ما أصبح صاغية أكثر ميلاً إلى الليبرالية والفردية (بعد القومية واليسار والإسلاموية) وينتقد بشدة كل الأنظمة الشمولية والكُلّانية.

وما كتبه صاغية عن مرحلة عابرة في تأييد الثورة الايرانية، لمّح إليه الروائي الياس خوري، إذ كتب في "القدس العربي" مقالاً بعنوان "عن داعش وأخواتها" قائلاً: "أحدث انتصار الثورة الإيرانية العام 1979 حالة من الزهو الثوري في أوساط المجموعات الشبابية اللبنانية والفلسطينية في بيروت، وامتلأت المدينة بشعار: اليوم ايران وغداً فلسطين، الذي تحوّل الى ملصق ملأ حيطان المدينة.
في ذلك الزمن كانت الثورة الفلسطينية وحلفاؤها اليساريون اللبنانيون، يعيشون أزمة الأفق السياسي، بعد الدخول العسكري السوري الى لبنان، واغتيال كمال جنبلاط،(..)  
جاءت الثورة الإيرانية كمفاجأة مذهلة بلبلت كل الحسابات، وكمؤشر مبكر على سقوط اليوتوبيا الشيوعية التي سيتم استبدالها باليوتوبيا الإسلامية". لكن يبدو أن معظم الكتّاب يحاولون حذف تلك المرحلة من سجلهم الثقافي، وربما الأكثر رسوخاً كانت تلك القصيدة التي كتبها أدونيس بعنوان "تحية لثورة إيران" ونشرتها جريدة "السفير" في صدر صفحتها الأولى، واليوم ننظر الى القصيدة باعتبارها "صدمة"، حتى أن البعض لا يصدق أن أدونيس كتبها، وتقول القصيدة التي يسميها هذا الشاعر مقطوعة:
أفقٌ ثورةٌ والطغاة شتات
كيف أروي لإيران حبّي
والذي في زفيري
والذي في شهيقي تعجز عنه قول الكلمات؟
سأغنّي لقمّ لكي تتحول في صبواتي
نار عصف، تطوف حول الخليج
وأقول: المدى، والنشيج
أرضي العربية – ها رعدها يتعالى
صاعقا خالقا
وحريقا
يرسم المشرق الجديد، ويستشرف الطريقا.
شعب إيران يكتب للشرق فاتحة الممكنات
شعب إيران يكتب للغرب:
وجهك يا غرب ينهار
وجهك يا غرب مات
شعب إيران شرق تأصّل في أرضنا، ونبيّ
إنه رفضنا المؤسس، ميثاقنا العربيّ.


القصيدة في نظر خصوم أدونيس أشبه بسقطة تاريخية لا تقل عن هفوة ميشال فوكو وتمجيده الخمينية. فكلما قال أدونيس موقفاً، ذكّروه بالقصيدة، وهي ‏تدور، جوهرياً، على العلاقة بين "الغرب" و"الشرق". وزاد من حضور هذه القصيدة، تلك المواقف الأدونيسية "المفاجئة" في بعض القضايا الحساسة. فقبل أيام، نشر الناقد السوري صبحي حديدي مقالة بعنوان "تحديث بيروت وتهذيب أدونيس"... عن الكاتب الأميركي روبن كريسويل، وفيه سرد للمحطات التي تجعل الكتاب يتذكرون قصيدة أدونيس. يقول حديدي ما معناه إن كريسويل يلاحظ أنّ أدونيس لم يكتب قصيدة مؤيدة للثورة السورية، ولم يؤيد الحراك الشعبي (على غرار موقفه من انتفاضة تونس، مثلاً)؛ بل كتب صراحة (في أواخر أيار/مايو 2011، حين كان أكثر من 1000 قتيل مدني قد سقطوا برصاص أجهزة النظام) أنه لا يتفق مع مظاهرات تخرج من المساجد. ويقرّ كريسويل، أنّ "الكثيرين من ناقدي أدونيس وجدوا ازدواجية في استجابتَيه. لماذا ساند الثورة الإيرانية، التي أقرّ أدونيس تماماً بطابعها الديني بل شدد عليه"، يحاول كريسويل تهذيب أدونيس، وتشذيب تناقضاته، وتجميلها؛ ضمن سُبُل عديدة، "يتناسى كريسويل رسالة أدونيس الرجيمة إلى بشار الأسد، ومخاطبته كـ"رئيس منتخَب"، ومناشدته أن يتدخل لإنقاذ البلد، وكأنّ هذا الذي كشّر عن أنياب مجرم الحرب هو المخلّص الأوّل!" ويعدد حديدي سقطات أدونيس، بدءاً بعلاقاته مع النظام السوري، وصداقاته مع "رجالات السلطة" والضباط، ويذكّر كريسويل بأنه يتعامى نهائياً عن كتاب أدونيس وخالدة سعيد "الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب"(**)؛ هذا من دون أن ننسى قصيدته "قالت الأرض"(***) في مدح القومي السوري أنطون سعادة، قبل أن يبدل في بعض تعابيرها، فيجعل الدم - وردة. بمعنى آخر، المسيرة الأدونيسية هي صنيعة الولاءات الايديولوجيات والقوميات، واذ كان كثرُ من رفاق أدونيس ذهبوا نحو ليبرالية جديدة أو ثورية مطلقة، فهو بقي في الدائرة الملتبسة، أو كما سميت "ازدواجية الموقف".

وبغض النظر عن الموقف الأدونيسي، يمكن القول إن الثورة الخمينية قلبت موازين المنطقة الشرق أوسطية رأساً على عقب، ولم تساهم إلا في زيادة التوترات و"النواصب والروافض"، و"الإخوان" و"القاعدة"، والعودة الى ثقافة التشادور وتصدير الثورات والغزوات من لبنان الى سوريا واليمن والعراق، وعسكرة المجتمعات وتأبيد لغة السلاح، وسلسلة اغتيالات في بيروت بدءاً بالباحث الفرنسي ميشال سورا الذي مات بين يديّ سجانيه عام 1986، مرورا باغتيال الصحافي الشيوعي سهيل طويلة، والتمثيل بجثته في العام نفسه... وإصدار فتاوى إهدار الدم كما حصل في فتوى إعدام الكاتب سلمان رشدي العام 1989، بسبب رواية "آيات شيطانية"، ثم أعلن صاحب الرواية بعد 30 عاماً على الفتوى "لا أريد أن أعيش متخفّيا" بعدما عاش 13 عاماً بإسم مستعار وتحت حماية دائمة من الشرطة.

واليوم في خضم الانقسامات، وتصدع الشرق الأوسط، هناك افتتان آخر لدى بعض "المثقفين الاستراتيجيين" بالثورة الخمينية، افتتان فيه من الفجور ما يكفي، ولعل أبرز صوره "صاروخ أمين حطيط".  


(*) صدر عن مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية...
(**) صدر في بيروت سنة 1983، عن دار العلم للملايين.
(***) صدرت في طبعة طبق الأصل عن منشورات دار الجديد.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"