آخر تحديث:13:58(بيروت)
الثلاثاء 12/02/2019
share

"طيف ألكسندر ولف" لجازدانوف.. الاستهانة بالحياة

وجدي الكومي | الثلاثاء 12/02/2019
شارك المقال :
"طيف ألكسندر ولف" لجازدانوف.. الاستهانة بالحياة يعثر الراوي على مجموعة قصصية، يصف كاتبها "واقعة القتل" من وجهة نظر الضحية
يمكن ببساطة أن نصف الرواية الجميلة الصادرة ترجمتها حديثاً في القاهرة بعنوان "طيف ألكسندر ولف" للروائي الروسي جايتو جازدانوف (1903-1971) بأنها خبيئة روائية مكتشفة، بعد ترجمتها للمرة اﻷولى على يد المترجم السوري هفال سوري.

مثل كل الروايات الجميلة، ﻻ يمكنك أن تحصر سر الجمال، في عنصر واحد، تتضافر عناصر عديدة لتضفي على العمل بهائه وقوته، والغالب أن الجمال في تعريفه، ﻻ يكون إﻻ باتساق كل العناصر وانسجامها معاً، واتفاقها على أن تكون ضمن لوحة كبيرة ملهمة وأخاذة.

في "طيف ألكسندر ولف" هناك البطل/الراوي، يحكي عن مشاركته حينما كان مراهقاً في حرب أهلية في روسيا. تبدأ الرواية في صفحاتها اﻷولى بداية مشوقة، بحكي وقائع ارتكاب جريمة قتل خلال هذه الحرب، وتعريف معنى القتل، إذا كان يقع في حرب، ثم يتطرق منها إلى الجريمة التي يرتكبها في حق خصمه الذي أطلق النار على فرسه، فتسبب في اصابتها، مما أثار لديه مشاعر العدائية تجاه هذا الخصم، وبات ينتظر أن ينهض ليعاود الهجوم، ويقتله فعلاً.

تبدو الرواية كأنها عمل ينتمي إلى فن الرواية البوليسية، التشويقي، لكن جازدانوف لا يترك قارئه أسيراً للاحتماﻻت، أو اﻻنطباعات اﻷولى، فسرعان ما ينحو بدفة عمله إلى مناقشة أفكار الموت والحياة. يشعر القارئ أنه بإزاء عمل بوليسي، ثم سرعان ما يعيد الحسابات، ويفكر مرة أخرى في سطور جازدانوف على أنها عمل فلسفي، خصوصاً حينما يدخل بنا في صفحات يقول في بعضها: "كنت في السادسة عشرة من عمري عند حدوث ذلك، وبالتالي فإن عملية القتل هذه كانت بداية حياتي الخاصة، ولست متأكداً حتى من أنها لم تترك أثرها ﻻ إرادياً في كل ما قدر لي معرفته ورؤيته في ما بعد".

ﻻ يترك الروائي الروسي قارئه، وﻻ يسمح له أن يتخبط، بل سريعاً ما يمنحه خيطاً تشويقياً جديداً، إذ يعثر الراوي على مجموعة قصصية، يصف كاتبها "واقعة القتل" من وجهة نظر الضحية، كأن القتيل شبح يعود للحياة، ويدوّن كيف فعلها قاتله.

يحكي جازدانوف عن محاوﻻت الراوي تتبع "طيف" كاتب القصص التي يجد فيها وصفاً لواقعة القتل، فيذهب إلى ناشر الكتاب، الذي يحمسه بكلمات أكثر تشويقاً، بقوله: "كان يجب عليك أن تحسن التصويب"، وتتحول الرواية عند هذا الموضع إلى مباراة بين القارئ والكاتب، الذي يفتل خيوطاً جديدة، يلف بها عنق قارئه وقدميه، كي ﻻ يفلت الكتاب، وفي الوقت نفسه يمنحه متعة هائلة. فالرواي يلتقي صديق ضحيته، ويروي له الواقعة من منظور آخر، يحكي له عن ذلك اليوم الذي خرج فيه ألكسندر ولف ليلتقي الراوي. يحكي الروائي عن المصائر، ونتعرف هنا على استهانة ألكسندر ولف بالحياة، وضيقه بها، لكنه تمسك بها على نحو مفاجئ حينما أصابته رصاصة الراوي. نتعرف هنا أيضاً على حتمية أن يكون أحدهم هو الضحية، واﻵخر هو القاتل، ثم ينتقل من هذه اللعبة، إلى قصة الحب التي تربطه بفتاة يلتقيها الراوي حينما يذهب لتغطية مباراة ملاكمة بين بطلين، أحدهما أوروبي، واﻵخر أميركي. الجميل في هذه الصفحات، ليس في الحكاية العادية عن قصة الحب، بل في روعة الوصف، ودقته، خصوصاً حينما يعبر جازدانوف عن أجواء الملاكمة، بلغة حكي شديدة الرهافة، والحساسية، في تلك المواضع التي يقول فيها: "كنت أرى بوضوح من حيث أقف لكمات دوبوا المتواصلة، وصوتها اﻹيقاعي الخامد الشبيه من بعيد بدبيب خافت، وغير منتظم، وكانت تصيب صدر جونسون المكشوف، الذي كان يتراجع دائراً حول الحلبة. كان هجوم دوبوا من الجموح بحيث إن انتباه الجمهور كله كان منصباً عليه فقط".

ثم في فقرة أخرى: "دوبوا متشجعاً بالجمهور، انقض على خصمه بمزيد من الشراسة، كانت تُرى كتفاه المدورتان اللتان تتحركان بسرعة، وحركة ساقيه الضخمتين الثقيلتين، ومن الجانب بدا واضحاً أن مقاومة هذه الماكينة الحية الكاسحة مستحيلة".

وفي فقرة ثالثة: "..ثم حدثت فجأة حركة خاطفة في الحلبة، لشدة سرعتها لم يلحق أحد بكل معنى الكلمة أن يلحظها، ودوَّى على الفور الصوت اﻷصم لجسد ساقط، ورأيت دوبوا يهوي بكل ثقله على اﻷرض. كان هذا غير متوقع وغير محتمل، حيث دوى عبر الباليه دي سبور الضخم برمته هدير الحشد المتزامن، الشبيه بهبوب ريح عاصفة".

من الشخصيات التي ﻻ تُنسى بسهولة في هذه الرواية، هي "يلينا نيكولاييفينا"، الفتاة التي يلتقيها الراوي على أعتاب مباراة الملاكمة، وتطلب منه مساعدتها في حضورها، وتنشأ بينهما قصة حب جميلة، تكون ركيزة أساسية من حبكة الرواية. يلينا نيكولاييفينا، تظل شخصية مثيرة للإعجاب، ومتعددة الطبقات، وذات بصيرة، وجميلة، وتظل قصة الحب التي تأتي في منتصف الرواية، هي عمودها الفقري، وهيكلها الذي يشد كل ضلوعها. فلنعد إلى الحوار الرائع بين الراوي، ويلينا، خلال لقائهما الثاني، إذ قال لها بعدما أغلق عينيه: 
"- تذكرت العبارة التي قالها الملك سليمان..
-أي عبارة؟
- قال الملك سليمان إن هناك ثلاثة أشياء لا يفهمها
- ما هي..؟
- درب اﻷفعى على الصخرة.
- هذا حسن.
- ودرب النسر في السماء.
-أيضا حسن.
-ودرب قلب المرأة إلى قلب الرجل".

من المواضع الجميلة في قصة الحب هذه، هي تلك التي يصف فيها الراوي علاقته بيلينا، إذ يقول: "لم أستطع أﻻ ألحظ أن الصفة المميزة الرئيسة لعلاقتي بها كانت في ما بدا، عدم وجود لحظة واحدة لم أشعر خلالها بشعور حاد مستمر: إن لم يكن الرغبة في قربها فرقّتها، وإن لم تكن رقتها فسلسلة متعاقبة كاملة من المشاعر اﻷخرى أو الحاﻻت النفسية، التي لم أكن أعرف أي كلمات للتعريف بها وﻻ أي إمكانية ﻹيجاد هذه الكلمات".

رواية "طيف ألكسندر ولف" لجايتو جازدانوف، من الأعمال الشاهقة في اﻷدب الروسي التي تمثل ترجمتها كشفاً أدبياً جميلاً ومهماً، يمنحنا معرفة جديدة عن اﻷدب الروسي وقوته الهائلة.

(*) صدرت الرواية مترجمة في القاهرة عن دار الكرمة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها