آخر تحديث:13:43(بيروت)
السبت 07/12/2019
share

لم يمُت الفلّيطي، لكنّه قتل نفسه...

أسعد قطّان | السبت 07/12/2019
شارك المقال :
لم يمُت الفلّيطي، لكنّه قتل نفسه...
في الساحات ناس، ناس كثيرون، ثوّار وعجقة.
فوق الساحة خشبة مسرح. على الخشبة أهل السلطة يلعبون مسرحيّتهم الأخيرة، دورهم الأخير، فسادهم الأخير. لكنّهم يلعبونه بمهارة، بدقّة، بتقنيّة. حفظوا النصّ جيّداً، تمرّسوا بالدور، تدرّبوا عليه أكثر من ثلاثين سنة. وها هم يلعبونه إلى آخر تفاصيله، حرفاً حرفاً، وفاصلةً فاصلة. لا يعبأون بالساحات، لا يعبأون بالمتفرّجين الذين قرّروا ألاّ يعودوا متفرّجين. لقد تدرّبوا سنوات كثيرةً على التمثيل البارع. والممثّل البارع لا يعبأ. يصير عالم ذاته. وأهل السلطة صاروا عوالم ذاتهم. يلعبون مسرحيّةً لا عنوان لها سوى العهر. ويتبادلون أدوار العهر كما يتبادل الناس الورود والهدايا في ليالي الأعياد. يتفاءلون. لقد بدأت الناس تتعب وتستعدّ لقدوم الأعياد.

فوق المسرح ظلّ كبير. ظلّ يخيّم بظلّه على الخشبة حيث ما زال أهل السلطة يتبادلون الهدايا، ويتبادلون الورود. إنّه ظلّ رجل مات قبل أيّام قليلة. لم يمت، لكنّه قتل نفسه. لم يقتل نفسه صدفةً، بل انتحر. لم ينتحر لأنّه مريض بالعتمة والفراغ كما يفعل الناس في النروج والسويد. انتحر لأنّه لا يملك ألف ليرة يعطيها لابنته. هذا الخيال ليس خيالاً، هذا الظلّ ليس ظلاًّ، بل له إسم وكنية وبيت خالٍ من الورود والهدايا، لأنّ أهل السلطة يتبادلونها ولقد سرقوها كلّها: إسمه ناجي الفلّيطي. هو شهيد الثورة على طريقته، على طريقتنا، على طريقتكم كلّكم لأنّ أهل السلطة يدفعون بلداً بكامله إلى الانتحار، وشعباً بكامله إلى حبل المشنقة.

يتّسع ظلّ شهيد الثورة، الذي قتل نفسه، فوق خشبة المسرح، يغطّي الساحة الملأى بالثوّار والناس. هل سيهطل المطر؟ نعم سيهطل المطر. سيهطل المطر ولكنّه لن يمحو شيئاً. فالجريمة هنا، والصوت المخنوق هنا، والحنجرة المنقبضة على ذاتها هنا. والبنت هنا، والألف ليرة التي لم يعطها أبوها إيّاها، لأنّ رجال المسرحيّة الأخيرة سرقوها منه، هنا، ذكراها هنا، وغيابها الذي صار حضوراً هنا. والخشبة هنا، والمتفرّجون الذين ما عادوا متفرّجين هنا. والثورة هنا، والشمس هنا، والمطر هنا.

وأنا أراهم هنا، يمتطون الزغاريد، يمتشقون الحزن من جيوبهم الفارغة، من ثيابهم الرثّة، ويتّجهون إلى الخشبة لأنّهم قرّروا ألاّ يعودوا متفرّجين. يحطّمون خشبة المسرح، ويردّون للظلّ الممتدّ فوقها كرامته المنهوبة، حياته المنهوبة، ثمّ يردّون له الموت الذي نهبه الانتحار. بعدئذٍ يرقصون، يرقصون طويلاً، يرقصون كثيراً، فتختلط أسياخ المطر الهاطل بالشمس المنبثقة من وجوههم المتعبة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

أسعد قطّان

أسعد قطّان

أستاذ جامعيّ

مقالات أخرى للكاتب