آخر تحديث:13:30(بيروت)
السبت 07/12/2019
share

انتحارات الحراك "الأنانية"

وضاح شرارة | السبت 07/12/2019
شارك المقال :
انتحارات الحراك "الأنانية" على جسر الرينغ (المدن)
 
في معرض خروج شعبي وجماهيري (لبناني) عام إلى الساحات ومفترقات الطرق، وفي معرض موازٍ وملازم دعا المعتصمين والمتظاهرين إلى الإعلان غير المتحفظ ولا المقتصد عن شواغلهم ودواعيهم، والإعراب عنها إعراباً يستوفي تفاصيلها وظروفها وأوقاتها وأسماءها وفي صيغة المفرد وضمير المتكلم- أقدم ثلاثة رجال على الانتحار في يومين، 2 و4 كانون الأول/ ديسمبر الجاري. وحاول رابع حرق نفسه، وعاجله أهل بلدته بإطفاء النار. ففي الثاني، فاتحة الأسبوع الأول من الشهر، قتل ناجي الفليطي، العرسالي والعامل (قبل بطالته) في مقالع بلدته المتوقفة ووالد 3 أطفال وزوج امرأة ينهشها السرطان والمدين بـ300 ألف ليرة لبنانية، نفسه.
وفي الرابع، حذا حذو ناجي العرسالي داني أبو حيدر، البرج حمودي، ووالد 3 أطفال، ومعيل والده ووالدته، والموظف في شركة تجهيز كهربائي منذ 24 عاماً، والمتقاضي نصف راتب عن الشهر المنصرم بلغ 150 ألف ليرة لبنانية، والمدين بضعفي المبلغ إلى دائنين هم على الأرجح أصحاب محال بقالة وخضار. والمنتحر الثالث، في الرابع كذلك، هو أنطونيو طنوس، العكاري (من سفينة الدريب) والشرطي. ويقول الخبر إنه "عثر عليه في أحد البساتين جثة هامدة"، وبجنبه مسدسه الأميري، على صفة عثمانية تنسب العام، وشأنه وعمله أو وظيفته وآلة الوظيفة، إلى "الأمير"، صاحب الأمر والسلطة.

وناجي الفليطي، حين أقدم على شنق نفسه، انتحى غرفة صغيرة، "جانبية" (ما هو "الجانبي" في بيت قروي فقير؟)، في بيته. وقد يكون قضى من غير أن يسمع أهله، زوجته وأطفاله، "نأمة" أو نفساً. ولو وسعه الأمر، وهذا على سبيل التخييل، لصنع ما صنعه مارتان، الفلاح المسكين، في أنشودة جورج براسانس، فتوارى عن الأنظار، وحفر حفرة على حدة، وتوسّد الثرى وأهاله على نفسه، ولفظ أنفاسه وحده، ولم يحمِّل أهل قريته "أعباء" تشييعه ودفنه.


الشهداء
وعلى خلاف الفليطي العرسالي، عاد داني أبو حيدر من عمله في العاشرة والنصف صباحاً، على غير عادة، وقصد خزانة يعلق فيها بندقية صيد وأخرج البندقية. ويقال أن أهله حسبوا فعله تمهيداً لخروجه إلى الصيد. ولكنه خرج إلى شرفة منزله ببرج حمود، حيث الطرق ضيقة، والشرفات "إيطالية" بعضها في مقابلة بعض، والتقم فوّهة البندقية وقتل نفسه بين ذراعي أمه، وخضب دمه وجهها وشعرها وصدرها وذراعيها. ومالت الأم على ابنها، وعلى نفسها، في بيتها وحارتها وعلى الشاشات، مخضبة بدماء ابنها. واستنزلت اللعنات على من حمّلتهم، من السياسيين البارزين، التبعة عن مقتل ولدها، وتوعّدتهم بالموت قتلاً.
واقتصر خبر الشرطي على نواة ضئيلة تناولت الاسم، والعمل، وموضع القضاء، وآلته. والرجل الرابع، محاول الانتحار حرقاً، رؤي مشهد محاولته على شريط فيديو، وأغفلت، على ما أعلم، مواد تعريفه الأخرى.

ولمّا اجتمعت هذه الحوادث في "48 ساعة"، على ما عنونت إحدى الصحف المحلية خبرها، في سياقة "ثورة" يتنازع اللبنانيون على تشخيص صفتها: الاجتماعية المطلبية أو السياسية، وآن يبرز الخلاف بين نفاد الصبر الحراكي وبين التمهّل الرئاسي الرسمي بعد مضي شهر ونصف الشهر على ابتداء التظاهرات والاعتصامات. وتظلل ذاكرة المعتصمين والمتظاهرين ومعهم "الناس" والإعلام عموماً صورة محمد البوعزيزي، التونسي والمنتحر حرقاً في شتاء 2010، من وراء بدايات "الثورات العربية" وروايتها المكرسة والمتعارفة- حمل اجتماع هذه الوجوه في وقت حاضر واحد على تعليل الحوادث في مرآة الوقت الحاضر وتعليل الوقت في مرآة الحوادث المجتمعة.

والأقرب إلى الإعلام الحركي والاجتماعي ("السوشل ميديا"، على ما يكتب ويقال في عربية فصيحة من غير تردد)، متجنّداً في خدمة "الثورة" أم مماشياً بعض بنودها ومنتظراً انطفاءها، ربط حوادث الانتحار اللبنانية والظرفية، والانتحار عموماً من بعد، ربطاً مباشراً وعينياً بدواعٍ لا تقبل التعليل أو التوسيط: المنقوشة التي رجت ابنة ناجي الفليطي أباها شراءها وعجز الأب عنها، ونصف الراتب الذي تقاضاه داني أبو حيدر وصحبه تهديد مبطّن بالصرف من العمل (نفته الشركة المستخدمة)... وعلى هذا ضم "الثوارُ" المنتحرين الثلاثة إلى "مواكب الشهادة"، على قولٍ حزب اللهي صحافيٍ ثم تلفزيوني ثابت وملح، التي يترسّمون من طريق الاحتفال بها خطى الحركات القومية والدينية المسلحة. وأقاموا تشييعاً رمزياً، فطافوا بنعوش ثلاثة في موضع ساخن من مسارح الحراك، "الرينغ" (محل "جسر فواد شهاب"، من قبلٍ سحيق)، مساء الرابع من الشهر.


الاحتجاج
وحملُ قتل النفس على شعور وعواطف وأحكام مدركة ومعلومة، قد تبدو صارخة في أحوال الجوع والفقر والمرض والحاجة (المرأة التي شهرت بيع كليتيها في ساحة الحرية ببيروت)، مثل هذا الحمل تخمين لا رقيب عليه. واستشهاد اليونان، وكثرة المنتحرين فيها في خضم أزمتها الطويلة، يغفل الأرجنتين والبرازيل واليمن. ويغفل انحسار الانتحار في أحوال الحرب، وبلوغه ذرى إحصائية في الشمال الأوروبي، وتعاظمه في دوائر مهنية مثل الاتصالات أو الشرطة في فرنسا تيليكوم والسترات الصفر... فمن يستنطقه التخمين وينوب عنه المستنطق الناطق، عاجز عن الكلام، وعن التصديق والتكذيب. و "كلامه" المفترض، والمستخرج غالباً من تسلسل الحوادث القريبة والمتصلة، يشبه شبهاً قوياً مقالات الناس الأحياء، المنخرطين في روابط وجماعات وانشغالات بتّ المنتحرون علاقاتهم بها بتّاً مأساوياً قاطعاً. وعلى هذا، فالمنتحرون حجة نحتج بها، نحن الجماعات الأحياء والساعين بين أظهرها (أظهر الأرض والحياة الاجتماعية)، على صدق قضايا هذه الجماعات وحاجات أصحابها وأفرادها، على قضايانا وحاجاتنا.

والاحتجاج بالذين قضوا، وعلى الأخص قضوا "طوعاً"، على صدق قضايا جماعية واجتماعية وسياسية وربما "ثقافية" (إدانة "أديان التوحيد" الانتحار)، لا يطعن في جواز إدراج الحوادث هذه في سياقاتها، على وجه التقريب على الدوام، ولا في ردّها إلى حيثياتها الذاتية، المعنوية والمادية. ولا ينزع الإدراج عن الأفعال (وأصحابها) روعها وحدة سؤالها الناس الأحياء عن تدبيرهم معاشهم وسياستهم اجتماعهم. والملاحظات التالية على الفليطي وبو حيدر وطنوس، وعلى ملابسات انتحارهم الظرفية والحاضرة، لا تتعدى الأبواب الثلاثة: الملابسات والظروف والآن، أي سطح الحوادث.

1) تتناول الملاحظة الأولى، السطحية إذاً، حصول الحوادث بأطراف السكن اللبناني، الريفية والمدينية. فالأربعة، (الثلاثة+ العكاري الغفل) أقاموا في بلاد حدودية طرفية: أقصى الشمال الشرقي، والشمال الريفي، والضاحية الشرقية الشمالية من بيروت. ويبدو الأمر غريباً، قياساً على أحوال الانتحار المشهورة. فالانتحار "الأناني"- على ما يسمّيه أحد أوائل دارسيه، الفرنسي إميل دوركهايم، وعلى خلاف الانتحار الغيري على المثال "الإسلامي" في شقّيه المذهبيين- مسرحه الأول هو المدن. ويعزوه دارسوه- دوركهايم وموريس هالباكس، الفرنسي كذلك، ويان باتوتشكا التشيكي، وبودلو واستابليه الفرنسيان- إلى نشوء النزعات الفردية والذاتية الشخصية، وغلبتها على الأبنية الاجتماعية (النواتية والتعاقدية)، وإلى انفراط الأجسام والكتل الجماعية والعصبية. والمدن هي حواضن هذه النزعات. فتستقبلها من وجه وتحض عليها، من وجه ثانٍ، وتلزم بها، ثالثاً، وتجمع الضواحي، المؤتلفة من الهجرات والنزوح، الصفتين: الفردية (الأنا- نية) والجماعية.


العلانية
2) ويلاحظ حصول الانتحار في ظرف انتقالي. فقتل الطفيلي نفسه في وقت تلى حيازته عملاً في مرفق بلدي ومحلي اضطر إلى الإقفال والبطالة. وسعى بوحيدر في موته عمداً حين إيقانه بخسارته جزءاً من مورده أو مورده كله، وتَثَبّته من دوام الخسارة. (ولا علم لنا، لي، بأحوال العكاريين الآخرين). ويتفق عامل الظرف الانتقالي والتعليل الاجتماعي التقليدي. وهو يذهب إلى أن العامل الثابت، كالفقر "المستدام" أو المرض العضوي المزمن والمُقعِد أو إعالة مرضى في مثل هذه الحال، قلما يدعو المصابين به إلى السعي في الموت. وذلك على خلاف الانقلاب من حال ضِيق إلى حال أشد ضيقاً وتكلفة أو الانتقال إلى حال يسرٍ وشهرة ووحدة، وهي حال بعض "الفنانين". وينبغي زيادة شرط أو سمة: افتقار من ينوي الانتحار إلى  آصرة تدرجه في كيان مشترك ومتماسك، ليس بالضرورة عصبياً أو دينياً، وقد يكون معنوياً وزمنياً تاريخياً (إنسانوياً). والفردية والمدينية هما داعيان بارزان إلى الانتحار لأنهما مسرحا الانتقال، وقيامه من سير المعاصرين والمحدثين مقام النسيج والمثال الغالب. ويبهظ تكلفة الانتقال اضطرارُ المنتقل إلى تحمّل أعباء من تشدّه إليهم روابط الدم والتبعة أو المسؤولية والأخلاق.
3) وكان يفترض في المنتحرَيْن، قياساً على الدراسة التقليدية، وكلاهما والد ثلاثة أطفال وفي سن الاكتهال (بين 35 سنة و41، إذا صدق الإعلام السريع) أن "يترددا" أو يرجئا فعلهما. والحق أن هذا ما لا علم لنا به، فلا نعرف إذا سبقت الانتحار محاولة أو محاولات لم تبلغ غايتها. فالأسرة التامة والكثيرة العدد أو الأولاد تعصم، في ميزان إحصاء الاحتمالات المتوسطة، من التصميم على قتل النفس. وهذا ما كان ينبغي على الإقامة الريفية والطرفية أن تتولاه، ولم تتولّه. وقد يكون "السبب" في الأمر غلبة "الانتقال"، أي اقتصاد السوق الرأسمالي، على دوائر المجتمع اللبناني كلها، بأريافها ومدنها وضواحيها. فعلى الأجسام الجمعية، على رغم بعض التماسك المتبقي والفاعل في مجالات دون مجالات، أن تنزل عن شطر من تحصينها آحادها. فتلقي بهم إلى دوامة الانفراط الاجتماعي قبل إنشاء سدود في وجه ارتخاء الأواصر الجامعة، مثل الآصرة الوطنية السياسية ("الدولة- الأمة" ودولة الرعاية وضماناتها...) والروابط الجمعية والطبقية (الجمعيات "الثقافية"، والنقابية والتعاونية...)، إلى مرافق تجديد الحياة والعمران البنيوية.


4) وإذا لم يَغفل المراقب عن اضطلاع منصات العلانية الكثيرة، قبل 17 تشرين الأول/ أكتوبر، وفي الأثناء، بإشهاد الأفعال والأقوال والآراء والعواطف والانفعالات على الملأ العريض، اضطر إلى مقارنة حوادث الانتحار الأخيرة، أو بعض وجوهها، بهيئة العلانية هذه. ومحمد البوعزيزي، في هذا المضمار، عَلَم غير إرادي على المسألة. فوحده أنطونيو طنوس، الشرطي العكاري وصاحب المسدس الأميري، انتحى جانباً ليموت في بستان على حدة من الطريق العام. ويليه في الحدة والعزلة ناجي الفليطي، على رغم إبهام معنى "الجانبية" في صوغ الخبر. وقد يكون كناية حييّة عن حياء الرجل وعن موضع في البيت تستحسن الآداب الأبوية والقبلية الإغضاء عنه، وتولى أهله بعده إشهار فعله. ولا غموض في سعي الآخرين في رمي انتحارهما قفازاً جارحاً وناقماً بوجه "الحياة"، أي الخلق، المجتمع، الناس، الأسرة، الدولة، صاحب العمل... فالرصاص والنار من عدة الإعلان المدوي والشاهق النبرة عن الفرح والأسى، ودعوة لا تردّ إلى الشراكة فيهما والاحتفال بذرائعهما ومناسباتهما، من ولادة وموت وخطبة وزواج وزيارة وحلف وتكريم وسفر وعودة... ويشبه الانتحار العلني، من هذا الوجه، جهر اللبنانيين، على أشكال وصور لا تُحصى، أمانيهم وشكاويهم وظلاماتهم وبراءاتهم وانتماءاتهم ومنابتهم. وتدخل هذه وغيرها في بابين متصلين: باب الابتداء والولادة، وباب الانتهاء والانصرام، على رجاء الاستئناف (أحياناً...).
 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها