آخر تحديث:11:30(بيروت)
الخميس 05/12/2019
share

محمد خضير... علي النجار والرسم الشافي (*)

المدن - ثقافة | الخميس 05/12/2019
شارك المقال :
  • محمد خضير... علي النجار والرسم الشافي (*)
    يرتمي الحنينُ الأسود طائراً مثخناً بالجراح
  • من أعماله
    من أعماله
حاور الفنان العراقي المغترب علي النجار (مواليد بغداد 1940) أوراقه بأحبار سود، بل دعَكَ نوازعه عليها وصبّها صبّاً بتوقيتات نصّية مرافقة، طيلة شهر تشرين الثاني الماضي؛ ثم أرسل ما يقارب العشرين نُسخة منها للمنتفضين في ساحة التحرير ببغداد، بواسطة "فايسبوك"، تضامناً معهم. اما اليوم فهو يوسع زاوية التضامن، ويزمع عرض أصول تلك الرسوم في معرض شخصي في السويد تحت عنوان Broken Zome (دار ننار، مالمو، اعتباراً من السابع من كانون الأول الجاري). والعنوان يعني (اللقطة الكبيرة المسلطة على حدث بعيد) كما استفسرت من الفنان. وكنت أظن الفنان يسلط لقطته المكبرة على موقعنا كما يسلطها على "قبة" فيشرخها كما شرخ النحات اسماعيل فتاح الترك قبة الشهداء في القرن الماضي، ليستخرج منها المعنى المجازي الآخر Broken Dome.

لكن مهمة علي النجار تتحدد بغاية مختلفة. فهو إذ يحيل النصَّ الى موقع بعيد، إنما يستخرج منه شكلاً بلا ملامح معروفة سلفاً ويطبعه على الورق بتحريف شديد الخصوصية، قبل أن يعيد إرساله، ويضعه تحت تصرف المنتفضين البعيدين عن زاويته السويدية. أما هنا، من زاويتنا "الجريحة" فنحن نتوق فعلاً للاقتراب وتوحيد زاويتي النظر إلى تلك الأعمال التي أتحفنا الفنانُ بظلال منها. لقد استبقنا معرضه وألقينا على نُسَخ الرسوم المرسلة ما نعتقده نظرة فاحصة ودقيقة. رأينا غموضاً وإسراراً يكتنفان ذلك الإرسال التضامني. ثمة موانع لا تزال قائمة بين بلدان الغربة والوطن، وسيرى المتلقّي البعيد عن الأصول التصويرية للنُسخ خيالاتٍ أميبية تتطلع للبلوغ والاستواء، تنشد حياةً؛ ومثلها الفنان ينشد اعترافاً ومشاركة كاملة وقبولاً بلا منازع، وراء الموقع الذي انزوى فيه اضطراراً.



مهما طالت الرحلة، فأشكال علي النجار الناتجة عن هذه العملية الشعورية المعقدة، ستعثر أخيراً على مناصها/منصتها التي أُكرِه على مغادرتها العام 1997، فتنتشلها الأيدي المتظاهرة في ساحة التحرير من حيرتها وغربتها. تصل الرسائل المدعوكة منهكة، أشكالاً محروقة، ظلالاً متداخلة، أمعاءَ منزوعة من جوف طائر، لكنها حالاً تريق بريقها الحبريّ ما أن تمس السطح المبسوط لصورة الوطن المحمول على الأيدي (أو أنها تشرخ قبة الوطن ما أن ترتطم بسطحها بقوة).. يرتمي الحنينُ الأسود طائراً مثخناً بالجراح، هاوياً على جموع الطقس الخريفي الثائر. المسافة القديمة على حالها، والفنان يطل من ثقب العالم على البؤرة السوداء ذاتها، التي غادرها قبل اثني وعشرين عاماً، بحتمٍ لا زوغ منه، لكن الاستقبال سيؤوّل هذه البعثات النصية على غير توقّع الفنان.. قامت الساعة لكن الدقائق بطيئة لاتمام القيامة الكبرى. توقفَ الزمن بين ماض لعين وحاضر أكثر لعنة. والحساب عسير: أيها الرسم المشتاق!

تتمثل مشكلة فناني الغربة الاضطرارية، من دون استثناء، بصعوبة العودة والاندماج ثانية في مركز الاضطراب الدائم منذ هجرتهم منه. فهم إذ يعودون بنُسَخ محدودة من أعمالهم الفنية، يضمرون أقصى ما يمكنهم من الكتمان والتخفي شرطاً لهذه العودة. يطلون اطلالة (قسرية أيضا) باستعداد مشروط بالاختصار والتقشف التصويري واللوني (أيقونات وملصقات ونمنمات) يتناسب والحالة العاصفة التي لا تتلبث أن تتحرك من مكان الى آخر، ولا تصطبر على التأمل والتحليل طويلاً. أما الفنان علي النجار فيعود بلا احتراس أو مباهاة ذاتية؛ إنه باختصار شديد يريد استنقاذ/ استطلاع ما فقدَه من مصادر توثيقية كوّنت مطالع تجربته التخييلية التي تعثرت في مهاوي الوطن الحارقة. إن إرساله وثيقة بحد ذاتها تتوطد بقوة الفن، لا بإرادة الجسد الذي حارب القدَرَ السلطويَّ كما تحاربه الجموع اليوم باندفاع شديد. تطايرت إرساليات الفنان كحبات المطر على الرؤوس المشغولة بالهتاف والتحدي. شظايا من روحٍ تنشد الشفاءَ والإيواء (نختار أربعة منها كفافاً) انغرزت في الوجدان المتموج كقصبات في مهب الريح.



في ظني، لن يشترط الإرسالُ الفني الإيجابي حالات التظاهر والتثوير الجماهيري، فالأثر الفني المنتقل سيحمل معه احتياطات الرفض والقبول، وغموض الشكل وتجريده المضموني واللوني؛ فمهما كانت حالة التعاطف الاستقبالية، إلا أن الأثر يثير فضولاً واستطلاعاً أقل استرسالاً مع تجربة جماهيرية متنامية. إنه مُرسَل ليحفّ مكاناً أصلياً ومنشأ قديماً وأرواحاً هائمة كانت ستستقبل الفنان برحابة وتوفر له إشباعاً، لو أنه انتقل كلياً مع معرضه إلى قلب الحدث العظيم؛ الا أن الوسائل المتغيرة للاستقبال والتأويل جعلت الانتقال جزئياً ومؤقتاً، بحسب الاستطاعة.

جاءت الآثار لتحفّ معهدَ الفنون الجميلة أو ما تبقى منه، وبوابات بغداد القديمة، مقاهيَ وأزقةً وجوامعَ وأسواقاً وحدائق وقاعات عرض لوحات الرسامين الرواد والمجددين؛ وكلها موثق في ذاكرة لا تشيخ، بينما يعكسها الزمنُ المرآوي علامات سائرة للاندثار . وإزاء الزمن الدائري، جدارياته المرفوعة فوق الرؤوس، تتحرك الآثار لا الشخوص نفسها، وهذا أيضاً بقدر الاستطاعة. ستمر التظاهرة تحت نصب الحرية، وقد تتغافل عن تلك الآثار، لكن الرسام العائد بنسخ أعماله الظلية، سيرفعها مجهولاً كمعلوم، ومعلوماً كمجهول. فلطالما كانت المعلومية الإشهارية سبباً في طرده، مرضه وسجنه، تزوير وجوده الأصلي، فهو لا يكترث لدرجتها الحضورية أو المعنوية. حسناً، ما ضرّه لو عاد متخفياً وراء الظهور، بعيداً من العيون، مثل برق خاطف للأبصار. يجرّب الفنان التظاهر مع جموع سائرة إلى مجهول مثله ومثل رسومه، وقد يكفيه هذا التماهي لسدّ الفجوات في وجدانه المجروح منذ إفاقته على غربته وعزلته الجليدية.

والحقيقة إنها أكثر من إفاقة، وأكثر من انتقالة مكانية، يهمنا منها المكان الأخير. إذ حين أشرقت الشمس بضوء باهت على جدران الثلج والغابات المتجمدة في السويد، استيقظت الكائناتُ التي صاحبت الفنان رحلته الطويلة: طيور وزواحف وعيون الواقع والحلم. وحين اصطخبت لوحاته بحركاتها الهوج ونزقها العراقي سمحَ للحلم أن يتغلب على اليقظة القصيرة، ويحوّر أشكالها كما يريد. (وكان يوم أن تاقت أشكال لوحاته المعتمة الى دفق ضوئي أقوى واستمداد لون شرق_ أوسطي أكثر إشراقاً، نقلَها إلى مناخ شمال_أفريقي، المغرب تحديداً، فخرج منه بتلوينات "هاجس حنين سكنَ ذواتنا التي هجرت منابع الضوء، سعياً لأمانٍ مرتجى" كما صرح الفنان بعد معرضه في مدينة الرباط المغربية العام 2006). أما اليوم، فإن اللوحات المنفّذة بالحبر تعود إلى موطن القهر و"الأمل المرتجى" لاستمداد ضوء النهارات البغدادية، والصحبة الصاخبة، فهذا هدفها الأخير. إن عودتها أثراً/ حبراً خيرٌ من عودتها روحاً ممزقة، وأملاً مكسوراً. وليس للظرف الطارئ أهمية غير أن يعيد للأشكال الحيوانية النزقة هدوءها واستقرارها في حضن البلاد. فهي ستتلقى "لقاحاً" مستخلصاً من نفس مرضها المزمن الذي اضطرها للهجرة الى بلاد بعيدة. نعم. آنَ للكائنات المرسومة أن تتطعّم بلقاح العافية والاطمئنان. لكن الساحات صاخبة، والشوارع مقطوعة. الوقت لا يوافق رجعتها إلا بقدر الاستطاعة.

الرسوم السّود تعود مع لقطة الرسام المكبرة، وتأبى الرجوع. لكن من يُشفي الرسام من أبدية التيه والحرمان الضوئي؟ هل نقول إن اللوحة التي نرسمها لتعوضنا علاجاً شافياً، قد تضاعف عودتُها الى أصلها شقاء وبُعداً؟ تغرق في حبريتها السوداوية؟

ومَن منّا _نحن المستوضئين بضوء طقسنا الخريفي _ صار على إدراكٍ بتوق الرسوم الشقية لضوء النهار؟ ألا من متظاهرٍ يقول: تكفينا هذه الرسوم كي نؤسس بدايات جديدة لطيراننا فوق الحدود، أو إقامتنا في وطنٍ غاطس في كوابيسه الحبرية؟

(*) مدونة نشرها القاص العراقي محمد خضير في صفحته الفايسبوكية، وننشرها بإذنه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها