آخر تحديث:12:04(بيروت)
الأحد 29/12/2019
share

"الثورة تضجّ": وثائقي صوتي "لا مركزي"

حسن الساحلي | الأحد 29/12/2019
شارك المقال :
"الثورة تضجّ": وثائقي صوتي "لا مركزي" ثورة الصوت
من العوامل الأساسية التي سمحت في تحول الحراك اللبناني إلى إنتفاضة فعلية، مشاركة المدن والمناطق منذ اليوم الأول في الاحتجاجات، وهو أمر لم يحصل في تاريخ لبنان، ربما منذ الثورات العامية التي شهدتها بعض مناطق الجبل في القرن التاسع عشر. 

ساهم هذا الخروج المتزامن للبنانيين إلى الساحات وتبنيهم مطالب متشابهة، في ولادة مشاعر من التآزر خففت من ثقل الصور النمطية التي تحملها كل منطقة عن الأخرى، ما دفع البعض للتسرع وإطلاق شعار انتهاء الحرب الأهلية، الذي سيثبت بطلانه بعد اسابيع، مع عودة الإصطفافات السابقة وظهور بذور صراعات جديدة عززتها الإنتفاضة نفسها. في الوقت نفسه، اظهر تداول مقولة انتهاء الحرب، قدرة الحركات الشعبية على تخيل عالم جديد، تُطمس فيه الصراعات السابقة، وتخلق فيه امكانيات لواقع بديلً عن القائم فعلياً، كأن الإنتفاضة أعطت اللبنانيين عطلة من الحرب الأهلية عوضاً عن إنهائها فعلياً.

اليوم، ومع تراجع الإنتفاضة وانحسارها ضمن مناطق وشرائح معينة، تأتي الحاجة لإعادة قراءة ما حصل خلال الأسابيع الاولى من الإنتفاضة، لفهم اسباب التراجع وتطوير اساليب جديدة للمواجهة في حال عودة الزخم الإحتجاجي مثل الأول. من هنا، تأتي أهمية الوثائقي الصوتي "من الشمال إلى الجنوب: الثورة تضجّ" الذي يمكن رؤيته كنموذج مثالي لفهم ما حصل من وجهة نظر لامركزية، خاصة انه أنتج اساسا لتوثيق خطابات المنتفضين في المناطق وطرق تعبيرهم ومطالبهم "التي اتسمت يومها بشيء من الوضوح"، بهدف العودة إليها مجدداً عند وصول الإنتفاضة إلى مرحلة ضبابية.

أنتج الوثائقي الصوتي الباحثة الإجتماعية لمى قبانجي، والسينمائية (تعمل في المونتاج) كارين ضومط، ويغطي المرحلة الممتدة من 20 تشرين الثاني إلى 12 كانون الاول التي تعتبر الأكثر كثافة من ناحية الزخم الإحتجاجي. يحاول الوثائقي بحسب المنتجتين"توثيق التعبير الثوري الشعبي لتبقى البدائل السياسية والإقتصادية على علاقة وطيدة بمطالب الناس وأحوالهم الاجتماعية".

يبدو خيار الصوت مثالياً لمقاربة الإحتجاجات، لأنه يجرّد نسبياً فعل التظاهر من المشهدية البصرية التي تريد التلفزيونات ووسائل التواصل فرضها على حساب المضمون (المشهدية العددية وما صار يسمى بـ"فولكلور التظاهر")، كما أنه لا يحتاج إلى موازنة ما يسمح بقدر كبير من العفوية التي تقلّل منها عادة سياقات الإنتاج المحددة سلفا (مثلا في حالة الافلام الوثائقية السينمائية). يعزز هذه العفوية، عدم انتظار ضومط وقبانجي انتهاء الإنتفاضة لصناعة الوثائقي، بل اختيار انتاجه خلال اندلاعها وبدون اخذ مسافة عنها، بما إنهما جزء منها وتشاركان باستمرار في الإحتجاجات. 

كرمالك ضنية
يبدأ الوثائقي بهتاف يبدو لحنه أقرب إلى التهويدة، يعدد اسماء المناطق اللبنانية مع مطلب معين لكل واحدة: "كرمالك ضنية عم نطلب الحرية... كرمالك مرجعيون رح نسقط ميشال عون..."، مؤكدا بذلك الطابع التآزري والعابر للمناطق الذي تتسم به الإنتفاضة بشكل عام. البداية من صيدا، وتحديداً ساحة إيليّا التي، تعتبر تقاطعا لمجموعة طرق رئيسة توصل المدينة بالجنوب. أكثرية الساحات التي زارها الوثائقي هي تقاطعات رئيسة، ما ينطبق على ساحة المطران في كفرمان وساحة النور في طرابلس، والرينغ في بيروت.

يبقى اهم ما قدمته صيدا للإنتفاضة هو الثورة الطلابية التي بدأت كرد فعل على قمع طلاب مدرسة راهبات عبرا (قدمت صيدا ايضا تقليد قرع للطناجر الذي سينتقل إلى المناطق الأخرى لاحقا). يوثق الفيلم شهادات لطلاب شاركوا في الإحتجاجات التي حصلت بشكل عفوي، وانضم إليها جميع طلاب مدارس المدينة الذين يصل عددهم وفق احد المشاركين، عشرة آلاف تلميذ. بسرعة انتقلت الثورة الطالبية إلى مناطق اخرى ستشهد بدورها تظاهرات مشابهة، ما شكل رافعة للإنتفاضة يومها بعد أن كانت التظاهرات قد تراجعت لأيام، كما ساهمت في خرق التحريم الذي فرضه السيد حسن نصر الله على المشاركة ضمن المناطق الشيعية.

يضعنا الوثائقي ضمن أجواء التظاهرات، من خلال اضافة طبقات صوتية تعطي طابعاً واقعياً: اصوات الناس واحاديثهم الجانبية، الهتافات، الخطابات العامة، الأغاني، وأصوات الباعة. تحضر بشكل موازٍ، أصوات الطناجر والآلات الإيقاعية، لتعزز الجماليات الصوتية والموسيقية، ولتخلق مزاجاً معيناً يربط اجزاء العمل ببعضه.

طرابلس
ينتقل الوثائقي إلى إحتجاجات طرابلس التي تظهر الأكثر تنظيماً بالمقارنة بالمناطق الأخرى، بفضل مجموعة يعود إنشاؤها إلى ازمة النفايات في 2015، تضم وفق أحد الأعضاء أكثر من 1000 متطوع. ينشط آخرون في تنظيم فعاليات ومحاضرات على هامش ساحة النور، تهدف لزيادة الوعي العام بالقضايا المرتبطة بالإنتفاضة، بينما تبرّع عدد من هؤلاء بمكتبة تضم كتباً سياسية واقتصادية. تركز المقابلات التي اجراها الثنائي ضومط وقبانجي بشكل عام على  منتمين إلى الطبقة الوسطى والتيارات المدنية الناشطة في المدينة، بينما لا تظهر الفئة الشعبية التي تشكل غالبية المنتفضين، سوى في الهتافات والأغاني التي يرددها المحتجون.


احدى السمات العامة لشخصيات الوثائقي أنها تتنوع بين مدنية "إصلاحية"، تتبنى خطاباً يركز على محاربة الفساد وإرساء دولة القانون، مقابل شخصيات تبدو أكثر يسارية وثورية (بعضها نسوي) ترفض اختزال الانتفاضة بمطالب مثل اسقاط الحكومة او الإصلاح، بل تفضل سياقاً اكثر ثورية، وترى أن المعركة ضد النظام لا يمكن فصلها عن المعركة ضد "رأس المال" ممثلاً بالمصارف التي اوصلتنا إلى ما نحن عليه. 

ضد ساحة الشهداء
ينتقل الوثائقي بين جل الديب، كفرمان، صور، بعلبك، والرينغ (كل ساحة تجذب سكان المناطق والبلدات المجاورة لها) من دون زيارة ساحة وسط بيروت التي يوجه لها أحد المتظاهرين نقداً حاداً بما تحويه من فولكلور ثوري وأغانٍ وطنية، تعيد الإنتفاضة إلى ما قبل 17 تشرين الأول. تظهر بقعة الرينغ الأكثر وعياً سياسياً، حيث يقدم أحد المشاركين فيها برنامج عمل للمرحلة القادمة يتداخل فيها السياسي والإجتماعي والإقتصادي.
 

تبدو أغاني كل ساحة شبيهة بمزاج المجموعات الموجودة فيها، فمثلا في الرينغ تنشط النسويات في أغاني تخلط الصراع ضد الذكورية بالصراع الرأسمالي، لكن بألحان تبدو أقرب لتلك التي يغنيها اعضاء الكشافة. تستعيد مجموعات أخرى ألحان الأغاني الفلسطينية الثورية التي رددها اليسار خلال الحرب، بينما نسمع في بعض المناطق هتافات تحمل ألحاناً كانت موجودة في الثورة السورية، وفي بعلبك ينشد أحد المحتجين أبياتاً من الغناء الشعبي لكن بتحوير كلماته لتصبح متلائمة مع الصراع ضد النظام.

تظهر المقابلات التي أجراها الثنائي في المناطق، وجود فئات جديدة من اللبنانيين الذين كانوا سابقاً من الطبقة الوسطى لكن تراجعت اوضاعهم اليوم وفقدوا وظائفهم، بالإضافة لفشلهم في إيجاد مقابل للإستثمار في تعليم أبنائهم في مدارس وجامعات مكلفة مادياً. كما يظهر الوثائقي وجود فئات من الحزبيين السابقين الذين لم يستفيدوا من أحزابهم، لا في إيجاد وظائف بالدولة ولا في الاشغال الحرة والعلاقات العامة، ويظهر بشكل خاص في جل الديب. وأثبتت الثورة الطالبية سواء المتعلقة بالمدارس أو بالجامعة اللبنانية، أنها حجر أساس في انتفاضة المناطق ويعطيها الوثائقي مساحة كبيرة، حيث يتحدث اكثر من طالب في الجامعة اللبنانية عن الفساد الموجود في هذه المؤسسة وعن المطالب التي يحملها للبلد بشكل عام والتي تتقاطع مع مطالب سكان المناطق.

تبدو الإنتفاضة في الوثائقي، استمرارية للتحركات التي شهدتها بيروت ضد النظام الطائفي وخلال ازمة النفايات، كما لنشاط الحركة النقابية وتظاهرات سلسلة الرتب والرواتب وغيرها. يضاف اليها التركيز في التظاهرات الجديدة على السياسات الإقتصادية والمصارف، في الوقت نفسه، تظهر فئات الموظفين والطبقات الوسطى (قبل تدهورها) رافعة لهذا الحراك الإحتجاجي والمسيطر الرئيسي على مخيلته السياسية، وهذا ما بدا واضحاً في المقابلات التي أجراها الوثائقي بشكل عام.  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها