آخر تحديث:13:58(بيروت)
السبت 28/12/2019
share

"الباباوان" لفيرناندو ميريليس: بروباغندا التعاطف

شادي لويس | السبت 28/12/2019
شارك المقال :
"الباباوان" لفيرناندو ميريليس: بروباغندا التعاطف hلفاتيكان مؤسسة خيرة، لا لأنها طاهرة بل العكس، الاعتراف بدنسها هو ما يطهرها
للبروباغندا تاريخ طويل يكاد أن يكون تاريخ الفن نفسه، فالجميل لطالما أثبت أنه أفضل الوسائل للإقناع. والبروباغندا، بمعناها الأبعد من مجرد الدعاية السياسية المباشرة والعمدية، أي كمدى واسع من الأدوات غير الواعية بغالبيتها، تعمل دون قصدية لترسيخ القيم والمعاني والمعايير والمؤسسات القائمة، وصياغتها جمالياً وتكرارها، وجعلها حاضرة دائماً بوصفها الطبيعي والبديهي.

بحسب تعريف فضفاض كهذا، فإن صور الإله الملك على جدران المعابد، وموسيقى موتسارات الكنسية، مع اللوحات الشخصية والعائلية لملاك الأراضي الهولنديين وأغاني الإذاعة المصرية عن الحب أو الوطنية، تضحي جميعها وجهاً من وجوه البروباغندا لسلطة الدين أو العاهل للملكية الخاصة والإيديولوجيا الفردية أو الحب الغيري.

في فيلمه "الباباوان" يقدم المخرج البرازيلي فيرناندو ميريليس، نموذجاً ملفتاً للبروباغندا الممتعة، بمعناها الضمني العميق ومتعدد الأوجه. يبدأ الفيلم من وفاة البابا يوحنا بولس العام 2005، والخلوة الانتخابية التي تلتها لاختيار وريث الكرسي الفاتيكاني. للوهلة الأولى يبدو خط الأحداث سردية شكسبيرية مثالية، حول عقدة استلام السلطة والصراع من أجلها.

البصمة المسرحية واضحة، فالفيلم مقتبس عن مسرحية "البابا" لأنتوني ماككارتين؛ الحوارات الثنائية الطويلة، تصميم المشاهد الداخلية كعرض من فصل واحد لممثلين فقط، مواجهة بين الخير والشر، أو بلغة المؤسسة الحديثة بين المحافظين والإصلاحيين، الحمائم والصقور. الألماني الشره للسلطة المتزمت والمزهو بنفسه جوزيف راتزنغر (البابا بنديكت السادس عشر لاحقاً) في مواجهة الأرجنتيني خورخي ماريو بيرجوليو (البابا فرانسيس حالياً) المتواضع خفيف الدم والقريب من الناس والذي لا يرغب بالمنصب البابوي.

كان لتلك المعادلة القطبية لصراع الأبيض والأسود أن تنتهي بشكل سيء فنياً، لو مُد الخط على استقامته، خاصة أننا نعرف تطور الأحداث مسبقاً. فبنديكت الذي يقوم بدوره أنتوني هوبكينز، سينجح في الوصول إلى السلطة التي سعى لها، ولكن لاحقاً سينتصر الخير باضطراره للتنازل عن المنصب بعد سلسلة طويلة من الفضائح المالية والجنسية، ويأتي بعده فرانسيس الطيب، الذي يقوم بدوره الويلزي جوناثان برايس، كما يجب أن يعود الحق لأصحابه في نهاية قصة مليئة بالعبرة الأخلاقية.


لكن ميريليس، مخرج الفيلم وصاحب "مدينة الرب"، سريعاً ما يتجاوز تلك العتبة الطوباوية، في انعطافة واسعة وتدريجية، بل وأكثر من انعطافة لاحقاً. إذ يتكشف الوجه الانساني لبنديكت المتزمت والكريه، رويداً رويداً، ليظهر كعازف البيانو المرح وهو يلعب أغاني الملاهي الألمانية قبل الحرب، أو كمسن وحيد ومعزول يأكل وحيداً يتابع مسلسلاً نمساوياً سخيفاً عن كلب يحل سلسلة من الجرائم، وهو يعيش صراعاً مع شكوكه الداخلية تمزقه الأسئلة الإخلاقية بخصوص الفساد المستشري في كنيسته.

فرانسيس القديس أيضاً، يطارده ماضيه، حبه الأول وهروبه من العالم، ولاحقا علاقته المشينة بالديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين، شعوره بالندم والعار تجاه مسؤوليته عن اعتقال رفاقه وتعذيبهم. بالتوازي تفقد علاقة الرجلين خطيتها، لا بتحول العداء لصداقة فقط، بل يتفهم كلاهما ضعف الآخر، سقوطه الإنساني الأصيل. ويتحول كلا منهما للدفاع عن الآخر أمامه، وبالنيابة عنه. تتبدل الأدوار فيضحى بنديكت راغبا في التنازل عن كرسيه الباباوي، وغريمه السابق فرانسيس هو من يتوسل إليه للبقاء.

في مصالحة تاريخية، ومشهد إنساني خفيف الظل يجلس الباباوان ليشاهدا مباراة الأرجنتين أمام ألمانيا في كأس العالم، بحماس طفولي بريء. يترك الفيلم مشاهديه بشعور عذب من الحب تجاه أبطاله، يتحول الجميع لأخيار في النهاية، لا لأنهم كاملين، بل العكس تماماً. بروباغندا البطل النبيل وممثل الخير المطلق بنسخها السوفياتية غير مجدية اليوم. بل البطل الذي يشبهنا، الضعيف والمتردد والداعي للشفقة، هو الاكثر حميمية والأقرب للتصديق. الفاتيكان مؤسسة خيرة، لا لانها طاهرة بل العكس، الاعتراف بدنسها هو ما يطهرها. صراعات المؤسسة الروحية الكاثوليكية تنتهي لمصالحة في النهاية، لصالح الخير بالطبع، جرائم اغتصاب الأطفال والتغطية عليها وفضائح الفساد المالي التواطؤ مع الديكتاتوريات العسكرية، كل هذا يمكن غسله ببساطة عن سمعة الكنيسة، واختزال المؤسسة وشخصنتها في عدد محدود من الأفراد ومن ثم أنسنتهم تقنية هائلة التأثير. ويتورط المتلقي في "التعاطف"، الشعور الغامر والأكثر حميمية في ما يمكن أن يصل إليه الفن. يمكن تسويغ التعاطف مع أفراد بمشقة أقل، عن تبرير التعاطف مع المؤسسات التي ينتمون لها، ولاحقا يتم دمج الأثنين معا.

يقدم "الباباوان" نموذجاً بديعاً لبروباغندا الإنسان الساقط، المفهوم الكاثوليكي الأصيل، في عمل قادر على إثارة حزمة من المشاعر المتناقضة وبعض الدموع والكثير من الضحكات التي تغسل القلب، وفي الوسط من كل هذا أو تحته، يتم ضمنياً ترسيخ المؤسسة القائمة جمالياً وغسيل جرائمها بهدوء ولطف يصعب مقاومته.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها