آخر تحديث:12:26(بيروت)
الجمعة 27/12/2019
share

المعري يبكي أهله

تهامة الجندي | الجمعة 27/12/2019
شارك المقال :
  • المعري يبكي أهله
    معرة النعمان الاشباح
  • معرة النعمان (تويتر)
    معرة النعمان (تويتر)
  • ما تبقى من رأس المعري (خالد العيسى)
    ما تبقى من رأس المعري (خالد العيسى)
  • المعري لعاصم الباشا
    المعري لعاصم الباشا
  • المعري لعاصم الباشا
    المعري لعاصم الباشا
قبيل أعياد الميلاد ورأس السنة بدأت الطائرات الروسية والسورية حملتها المسعورة على إدلب، لتقنص لحظات الفرح القليل، قبل أن تدمر المباني السكنية والأسواق ومخيمات النازحين والمراكز الطبية، وتزهق المزيد من أرواح المدنيين، جلّهم من الأطفال والنساء، وأولئك الذين حاولوا النجاة من هول الإبادة الجماعية، بعضهم لم يجد واسطة تقله إلى مكان آمن، وبعضهم وُجد، لكن القذائف لاحقته واحترق على الطريق. 

لا داعي للقلق! يدّعي الجانبان الروسي والسوري. مسار أستانا يواصل خطوه على أجساد حواضن الإرهاب، ومنطقة خفض التصعيد الأخيرة ترزح مجددًا تحت النار، لتنفيذ بنود اتفاقيات سوتشي، وفتح الطريق الدولي "M5" الواصل بين شمال سوريا وجنوبها، تمهيدًا لإعادتها كاملة إلى حضن الأسد. وضامنو الاتفاقات المشينة، إما يراقبون المجازر بصمت، أو هم ضالعون في القتل والتهجير، و"وحدها السماء مفتوحة للسوريين بلا تأشيرة أو حدود".

تجرح قلبي صورة المرأة المقعدة التي تجلس في العراء وسط الدمار، تضم بيد قطتها، وبيدها الأخرى تمسح دمعتها. أظنُ أن الصورة التُقطت في معرة النعمان، المدينة التي ذاقت الأمريّن في الحملة الأخيرة، وبدت في شريط الفيديو الذي نشرته منظمة "الخُوذ البيضاء" في مواقع التواصل قبل يوم واحد من عيد الميلاد، وكأنها مدينة أشباح، مدمرة وخالية من السكان. 

تمر أمامي صور الدمار، ولا أعثر على أثر لتلك المدينة الوادعة التي قضيت فيها أسعد لحظات طفولتي. الحارة القديمة ذات البيوت العربية المتلاصقة التي تتوسطها المضافة. المئذنة التي تطل على فسحة الدار، وتبدو ساحرة حين يمتزج لونها الترابي بألوان الفجر والغروب. الشارع الحجري والسوق الطويل والحمام العام الذي تفوح منه رائحة الغار والبيلون. خان مراد باشا الذي بُني العام 1595، وأصبح متحفًا أواخر ثمانينيات القرن العشرين. المركز الثقافي الذي وضع حجر أساسه طه حسين تكريمًا للضريح الذي يضم أبا العلاء المعري منذ قرابة ألف عام. تمثاله النصفي الذي نحته فتحي محمد قباوة العام 1944، وزين قاعدته بعبارة "شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء".

معرة النعمان مدينة عريقة، حافظت على طابعها الأصيل، وهي مركز أكبر المناطق وأهمها في محافظة إدلب، وتتبع لها إداريًا ناحية كفرنبل وخان شيخون وسنجار والتمانعة وحيش. خرج أهلها في مظاهرات سلمية حاشدة ضد النظام منذ بداية الثورة السورية، وعلى ترابها سقط أول شهداء الحرية في عموم المحافظة، غسّان البش الذي أُصيب بطلق ناري يوم 29 نيسان 2011، ومن بعده قدمت المدينة أكثر من ألف شهيد قبل أن تتحرر، وينسحب الجيش النظامي أمام "الجيش الحر" في 9 تشرين الأول 2012. وكان عدد قتلاها كبيرًا مقارنة بعدد سكانها الذي يقل عن 150 ألف نسمة.

حادثة إطلاق الرصاص على تمثال المعري وقطع رأسه في مدينته "معرة النعمان" أواخر فبراير/ شباط 2013، كانت بمثابة الإعلان عن بداية تسلط الجماعات الإسلامية المتشددة على الحياة المدنية في مختلف المناطق المحررة، وفرضها لأشكال من الحكم والأحكام التعسفية، لم تخطر في بال أي ممن خرجوا للتظاهر في بداية الثورة مطالبين بالحرية والكرامة، كالسَّبي والجَلد والرجم في الساحات العامة، وفرض الأتاوات والمكوس، وإلزام الإناث بالحجاب وبالمكوث في المنازل.

وبصرف النظر عن الجهوزية العالية للجماعات المتشددة في قتال قوات الأسد، فإنها تحمل مشروعًا بعيدًا من تطلعات الثورة السورية، وغريبًا عن روح المجتمع السوري، أثار حفيظة واستنكار الكثيرين في المناطق المحررة، وأسفر عن معارك وحملات قمع عنيفة ضد المعارضين، راح ضحيتها خيرة مقاتلي "الجيش الحر" وأهم الناشطين السلميين، لم يكن أولهم مخطوفيّ دوما الأربعة، ولن يكون آخرهم اغتيال ناجي الجرف ومن بعده رائد الفارس.

كان أهالي معرة النعمان من أوائل الذين رفضوا تسلط "جبهة النصرة" بكل مراحلها وتشكيلاتها وأسمائها اللاحقة، مثلهم مثل باقي السكان في محافظة إدلب التي باتت تسيطر عليها "حكومة الإنقاذ"، وتجعل الغرب يقف صامتًا ومترددًا في حماية حوالى أربعة مليون إنسان، ثلاثة أرباعهم هجروا مرارًا وتكرارًا، لأنهم معارضون لنظام الأسد، يرفضون العودة إلى مناطق نفوذه خشية الاعتقال والاغتيال أو سوقهم إلى جبهات القتال.



أستعيد فصول المأساة الإنسانية، وأتأمل طويلاً في سيرة معرة النعمان، ويحضرني قول شاعرها: "أرى العنقاء تكْبُرُ أن تُصادا فعانِدْ مَنْ تُطيقُ له عنادا". يطل على مخيلتي تارة رأس المعري المقطوع، وأخرى الرأس العملاق الذي نحته عاصم الباشا بارتفاع يزيد على ثلاثة أمتار، وكأنه صرخة احتجاج بحجم النُصب ضد كل اشكال القمع والتطرف وغياب العقل، صرخة أطلقها فنان وكاتب سوري معارض في خريف العمر من منفاه، بعدما اعتُقل في بلده، وفقد أخاه في سجون الأسد، كما فقد معظم منحوتاته التي أودعها حديقة داره في يبرود وغادر، حين اجتاحتها جحافل الجيش النظامي للتنكيل بالمتظاهرين السلميين.

كانت المنحوتة الضخمة أول مشاريع منظمة "ناجون" المستقلة التي أسسها الفنان فارس حلو في منفاه، لدعم النتاج الثقافي والفني للمهجرين السوريين بتمويل سوري، وحين أُنجز المشروع أعلنت المنظمة أن المنحوتة مهداة للمعتقلين والمختفين قسريًا، وأنها ستبقى في أوروبا، وستنُصب في أكثر من مدينة، وكأنها مظاهرة متنقلة إلى أن يحل السلام وتتحقق العدالة في سورية، وتتمكن المنظمة من إعادتها إلى مكانها الطبيعي في معرة النعمان.

قبل أيام كتب عاصم الباشا على صفحته في فيسبوك: "المعري محفوظ عند جاري فرناندو قبالة بيتي. مضت أيام ثلاثة لم أزره، كيف أقول لهم أنهم يقتلون أهله؟ وأنا عاجز مقهور". أقرأ المنشور، وأرى أبا العلاء يبكي من الوجع والحنين، ولا أدري إن كانت الدموع تسقط من عينيّه أم من عيني...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها