آخر تحديث:14:17(بيروت)
الخميس 26/12/2019
share

"الجنون طليقاً" لواحة الراهب: سوريا الجنون والاجرام

علاء رشيدي | الخميس 26/12/2019
شارك المقال :
"الجنون طليقاً" لواحة الراهب: سوريا الجنون والاجرام تصمم الروائية على بناء علاقة تداخل بين الواقع والتخييل
لطالما اعتبر النقاد أن الأدب البوليسي العربي لم يشكل نوعاً روائياً مستقلاً بذاته، كما هو الحال مع الرواية السوداء في الأدب الأميركي والفرنسي. في روايتها الثانية "الجنون طليقاً" تختار الممثلة والمخرجة واحة الراهب، تحقيق رواية بوليسية – نفسية، لكنها تضيف أيضاً الأبعاد السياسية والإجتماعية المتعلقة بالتجربة السورية كإطار للحكاية.

تنطلق الحبكة الأساسية للرواية من وصول طاقم تصوير سينمائي إلى مشفى للأمراض العصبية والعقلية واقع على أطراف العاصمة، وذلك لتصوير فيلم، لكن المشفى الواقع في المناطق الثائرة يتعرض للحصار، مما يحول داخل المشفى عالماً سردياً مغلقاً على نفسه، تنحصر الحكاية بين أقسامه، إدارته، وأحداثه، بالإضافة إلى طاقم التصوير السينمائي المحبوس أيضاً في داخله، ما يذكر برواية "الطيران فوق عش الورور"، 1962، كين كيسي.

تصمم الروائية على بناء علاقة تداخل بين الواقع والتخييل، وعلاقة تداخل بين النص السينمائي الذي يتم تصويره في الحكاية، وبين النص الروائي بين يدي القارئ. فسيناريو الفيلم المراد تصويره، هو الرواية التي نقرأها. لقد أراد المخرج "ناجي" لفيلمه أن يغرق في الواقعية، ولذلك استعان بالسيناريست "نزار"، للإنغماس في واقعية مفرطة، واتفقا على إبقاء النص قابلاً للتعديل في كل لحظة، بحسب معطيات الواقع المتتالية وأحداث أيام التصوير داخل المشفى. إنه سيناريو بنهاية لم تكتب بعد، متروكة للتعديل بحسب مجريات أحداث أيام تصويره.

في فيلم "بيرسونا"، 1966، أنغمار برغمان، والذي يجري أيضاً في مشفى للأمراض العصبية، تتبادل النزيلة والممرضة الأدوار، فتتحول الممرضة إلى الهستيرية بينما يزداد توازن المريضة في المقابل مع سير أحداث الفيلم. في رواية "الجنون طليقاً"، تقود رغبة تصوير فيلم واقعي في المشفى، إلى أن تتماهى الممثلة "دينا"، ما أمكنها، مع دور المرض العقلي والجنون على أسلوب التمثيل عند ستانسلافسكي، ويقول المخرج لدينا: "المهم أن تركزي على الشخصية وأحداث فيلمنا، لا تدعي أي شيء يشوش على تقمصك لها. أريدك أن تعيشي الحالة بواقعية قصوى، أن تتنفسي هواء الشخصية ذاته، وأن تحتكّي بالمريضات، لتلتقطي منهن خصوصية ما.. كاراتكر حقيقي لتتقمصي تفاصيله". وليست رغبة الأداء الجيد وحدها ما يقود "دينا" إلى التماهي مع المريضات العقليات، بل أيضاً هو تورط أخلاقي وإنساني معهن، وذلك حين تتعرف على حكاياتهن. فما هي حكايات الحالات التي اختارتها واحة الراهب لتجعلها نموذجاً للجنون؟

في أكثر من حديث معها، أوضحت الراهب أن ما دفعها لإختيار الجنون موضوعاً لروايتها هو أن: "الجنون والعقل باتا في عالمنا المعاصر على حافة واحدة". في كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" يبين ميشيل فوكو أن تعريفا كل من العقل والجنون، خضعا لمعايير نسبية بين العصر والآخر في تاريخ البشرية. انطلاقاً من هذه المقاربة جعلت الراهب، الشخصيات المصنفة مريضة عقلياً أو مصابة بالجنون، هي: فتاة قتلت زوج أمها الذي كان يغتصبها، أخرى منعها أهلها الزواج بحبيبها بسبب فقره ودفعوا به للإعتقال بإتهامه بالمعارضة السياسية، حالة أخرى هي الأخت التي وقفت في وجه فساد أخيها الوزير فأودى بها إلى المشفى. في الخلاصة، هن حالات من الوعي الأخلاقي موجودة في المشفى.

هذه حكاياتهن خارج المشفى، أما حياة المريضات داخل المشفى فهي الحكاية مع الإدراة. كما شخصية "تينكر" في مسرحية "تطهير"، 1996، لسارة كين، يدير "فؤاد" المشفى في رواية "الجنون طليقاً"، منذ 25 عاماً بسادية ويخضع المريضات لنزواته الجنسية المنحرفة، بينما تلعب رئيسة الممرضات دور المساعدة له في عمليات الإستغلال الجنسي للمريضات، مستعملة الأدوات الطبية لهذا الغرض مثل الحُقن، المسكنات، التخدير، والتنويم، وبهذه الأساليب تُجبَر المريضات على الجنس مع المدير.

ضمن هذا الشرط، حيث الجنون هو الظلم والقمع، يصبح الدفاع عن المريضات دافعاً أخلاقياً، لكنه في الوقت عينه إنحدار في إتجاه الجنون. فحين تعلم الممثلة "دينا" بحكايات المريضات، وأسلوب التعامل معهن، ومنعهن من الإستماع إلى الموسيقى والتعبير والرقص، تدخل في معركة الدفاع عنهن أمام الإدارة، وشيئاً فشيئاً تذوب الفروق بين الممثلة وبينهن، وتتنامى داخلها أسئلة عن عقلانية ذاتها أو جنونها.

وطوال الفصول الأربعة للرواية، يرسم لنا الخارج، أي خارج المشفى، عالماً أيضاً من الجنون، العنف، عالماً شائناً ولاأخلاقياً. في الفصل الرابع والأخير، ينجح الممثل "مجد"، من طاقم الفيلم، في الخروج من المشفى وعبور حواجز النظام، لكنه يقابل مسلحاً مصاباً يروي له حكايته، وحكاية هذه المسلح هنا تختزل الرمزية عن الخارج. هُجّر المسلح من مدينة الرقة بعدما مات أفراد عائلته بسبب قصف قوات التحالف، ثم وللبقاء على قيد الحياة قرر الإنتماء إلى تنظيم.

تبدو المؤلفة راغبة في هذه الحكاية الوحيدة من خارج المشفى في الرواية، كاختصار لحال البلاد في الخارج. فتروي سيرة حياة هذا المسلح، المليئة بالعنف والموت والتشدد الديني، كأن الكاتبة تقول لنا هذا هو الخارج. ويقول المخرج "ناجي" عن العنف بين الداخل والخارج: "هذا الكم من العنف والقتل وهذا التسارع في الأحداث، من ذا الذي سيصدقه؟ العنف هنا وهناك، في الداخل وفي الخارج! بلد ذاهب إلى نهايته بقدميه".

الجانب البوليسي في الرواية، يبدأ من الصفحة الأولى، مع سلسلة من الجرائم تقع داخل المشفى أثناء تصوير الفيلم. وكما أي حبكة بوليسية، تدفع شكوك القارئ إلى عدد من المشتبه فيهم على امتداد الرواية، لنكتشف في النهاية أن المجرم هو السيناريست "نزار"، الذي أقدم على أفعاله لتدعيم نص سيناريو فيلمه بأحداث واقعية تماماً، بناءً على إتفاق مع المخرج على تطوير الجانب الواقعي لسيناريو الفيلم إلى الحدود القصوى. في حكاية فيلم "المختلين السبعة"، 2012، لمارتن ماكدونه، يقوم "بيللي" بسلسلة جرائم ليجعل السيناريو الذي يكتبه صديقه مارتي يعج بالأحداث المهمة والمثيرة. وفي رواية "الجنون طليقاً"، السيناريست "نزار" هو نفسه من يقود سلسلة الأحداث والجرائم ليجعلها في السيناريو خاصته.

ولأن "الجنون طليقاً" لا تتوقف عند حدود الرواية البوليسية-النفسية، بل تسعى للإحاطة بقضايا سياسية وإجتماعية سورية، فإن الرواية تمنح صفحاتها الأخيرة للمجرم "نزار" لتبرير أفعاله، فيُدين واقع العنف الذي تعيشه سوريا كاملةً منذ أحداث حماه 1982، حيث رأى "نزار" عائلته تتعرض للقتل والتنكيل، ومدينته تتعرض للدمار، ومن ثم يروي ما قاساه من التهجير والإستغلال، وأخيراً ما يشهده الحاضر السوري من جنون العنف والقتل: "لا تقولي مجرم، لست أنا المجرم، أنا ابن هذا الإجرام كله الذي ولدنا وتربينا فيه، ابن الخوف والغضب وكبت الإنتقام، تربينا على الحرمان والكبت". ويضيف "نزار" أخيراً أن قمع الحريات أيضاً، يؤدي إلى تعلم العنف والقتل وينمي الرغبة في الإنتقام.

في الخاتمة، تنقلب الأدوار بين مريضات المشفى وبين إدارته. تنتقم النزيلات من رئيسة الممرضات القاسية، ومن مدير المشفى المغتصِب، وبعد أن يهربن إلى الخارج، إلى المدينة، تقول لنا الساردة في جملة أخيرة بأنهن: "خرجن إلى فوضى يُعدّ جنونهن أمام انفلاتها عقلاً نيّراً".

(*) صدرت عن دار نوفل.



شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها