آخر تحديث:12:30(بيروت)
الإثنين 16/12/2019
share

ريتا أديب: ذكور السلطوية.. كائنات هزلية آيلة للانقراض

علاء رشيدي | الإثنين 16/12/2019
شارك المقال :
  • ريتا أديب: ذكور السلطوية.. كائنات هزلية آيلة للانقراض
    عروس وعريس
  • الرقص ريتا أديب
    الرقص ريتا أديب
  • ديناصورات ريتا أديب
    ديناصورات ريتا أديب
  • معلق ريتا أديب
    معلق ريتا أديب
في معرضها بعنوان "في ذكرى الأبوية"(*)، تنجح الفنانة السورية ريتا أديب في تقديم معرض مفاهيمي بإمتياز، حيث يمكن قراءة الأعمال الفنية التي تقدمها بالوسائط المتنوعة بين النحت، اللوحة، والتجهيز، والفوتوغراف، كتنويعات على موضوعة واحدة وهي السلطوية والذكورية، كما تكتب في البيان الخاص بالمعرض: "يتناول هذا المعرض مهمة السخرية من الذكورية، وذلك من خلال تسليط الضوء على هيمنة السلطة الأبوية وطريقتها في محاولة التهام الفراغات والسيطرة عليها".

تحضر السخرية بشكل واضح في مجموعة لوحات المعرض، أبرزها نسخة معدلة مستلهمة من لوحة "الرقص، 1910"، لماتيس والتي يصور فيها خمسة أجساد نسائية في حال من النشوة والرقص. في نسخة ريتا أديب تستبدل الأجساد الأنثوية بخمسة أجساد ذكورية، مرسومة بطريقة الغروتسك، حيث ترسم كل أعضاء الجسد الذكوري بطريقة مضخمة، الرؤوس، العيون، الأفواه، الأسنان، وباقي أعضاء الجسد، وتبلغ هزلية الحضور الذكوري ذروتها في هذه اللوحة حين ترسم الفنانة في داخل أفواه الرجال الخمسة عضواً ذكورياّ بارزاً خارجاً من الفم، وكأن اللسان والفكر الذكوري يختصر بإختزاله إلى القضيب المسيطر على التفكير البطريركي الذكوري.

لوحة "وحيد" تخصصها الفنانة لإدانة تكريس الذكورية في قانون الأحوال الشخصية السوري، والذي يولي الأهمية للأبناء من الذكور، بينما يلغي وجود المرأة في العائلة ولا يعترف بها، ولذلك رسمت في هذه اللوحة ذكراً يتوسط مجموعة من الإناث من حوله على طاولة، النساء يسعين لخدمة الرجل، يدرن في فلكه، ويحققن رغباته. منظور اللوحة وطريقة تموضع الأجساد أمام الطاولة تذكر بلوحة "العشاء الأخير"، لدافنشي، لكن الأشكال، الأعضاء، والكتل اللونية في لوحة ريتا أديب مبالغ في حجمها وفي تمددها على سطح اللوحة.

في لوحة "سيرك" تنعكس الأدوار بين الذكورة والأنوثة عما هي عليه في اللوحة السابقة. نجد حضور الأنثى الوحيدة تتحلق حولها عيون الرجال المتلصصة بنظرات شهوانية منفرجة على امرأة عارية، ضخمة الأرداف والأثداء والفم، تقف بطريقة بهلوانية على كُرة، كما هو عليه الحال في عروض السيرك. وتقول الفنانة عن هذه اللوحة: "أردت التعبير من خلالها عن حضور المرأة في الثقافة الذكورية، كونه حضوراً ترفيهياً، للفرجة، لإمتاع الذكر بأدائية تثير شهوته وتسليه، كونه حضوراً بهلوانياً، كما هو الحال مع عروض السيرك". 

داخل لوحة "المعلق" هناك منزل يضم، بالإضافة إلى أثاث المنزل، حضوراً ذكورياً يتمدد على كامل مساحة اللوحة-البيت، بينما ينطوي الحضور الأنثوي على زاوية رفيعة على يمين اللوحة-البيت، وذلك في إشارة إلى التقسيم الجندري للمكان في منازل الثقافة البطريركية حيث يحتل الذكر كامل المساحة في مقابل انطواء المرأة على مساحات الهامش، أو غير المرئي.

وتندرج هذه اللوحة في إطار سلسلة من لوحات المعرض تعالج توزع المكان الحميمي بين الذكورة والأنوثة.

في سلسلة لوحات "الديناصور" يظهر الكائن الذكوري على شكل ديناصور هزلي. نرى الديناصور وهو يرتدي بدلة رجالية بكرافات، ويظهر في وضعيات الاضطجاع أو الوقوف، مع قضيب ذكري متدل بين ساقيه. تختار الفنانة الديناصور للتعبير عن فكرتها بأن السلطة الأبوية آيلة للزوال فتقوم بتصويرها على شكل كائنات آيلة للإنقراض، وحشيتها مستفزة ومضحكة في الوقت نفسه، بينما الحضور الأنثوي هو أجساد هائمة بين القمع والمعاناة، بحسب تعبير الفنانة.

العمل النحتي "عروس وعريس" عبارة عن دمية لعروس وعريس، مثل تلك التي توضع على قوالب الحلوى في الأعراس، لكن الفنانة هنا تستبدل رأس العريس برأس ديناصور من البرونز. العمل النحتي الآخر الذي تقدمه الفنانة في المعرض يتخذ منحىً مختلفاً من حيث التعبير والأدوات المستعملة، وهو يحمل عنوان "اللجام، التاج، الجزرة"، ويجد المتلقي نفسه أمام لجام حديدي، وهو أداة استعملت في أوروبا في القرن السادس عشر لمعاقبة وتعذيب وإذلال المرأة. توضع هذه الأداة حول الرأس وتضغط بجزء حديدي مسطح على اللسان لمنع المرأة من الكلام، ثم يقودها الرجل في الأماكن العامة من خلال ربطها بحبل ليخبر العامة بأنه قام بتأديبها. قامت الفنانة بنفسها بإرتداء هذه الأداة، لمعايشة التجربة ذاتياً، وأضافت إلى معرضها أربعة صور فوتوغرافية، تظهر فيها تحت سلطة وسطوة هذا اللجام.

تتداخل الذكورية، السلطوية، بالثقافة البطريركية في أعمال ريتا أديب، التي توظف في معالجتها أسلوبية النقد، السخرية الهزلية، والغروتسك التضخيمي، لذلك تركز في لوحاتها على الأثر المضحك والمستفز في الآن عينه، لتدمج ألم اكتشاف الفكرة، أي السلطوية الذكورية ومعاناتها، والتعامل الساخر والهزلي معها في العمل الفني الواحد.

(*) يستمر المعرض في غاليري الرميل – بيروت حتى 31 كانون الأول 2019.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها