آخر تحديث:14:40(بيروت)
الثلاثاء 10/12/2019
share

بعد موزة كاتيلان: خيارة عمر كيالي.. وسقوط الفن المعاصر

المدن - ثقافة | الثلاثاء 10/12/2019
شارك المقال :
بعد موزة كاتيلان: خيارة عمر كيالي.. وسقوط الفن المعاصر موزة بـ120 الف دولار
"بيعت موزة ملصقة على الحائط كعمل فني، بـ120 ألف دولار"... للوهلة الأولى ظننا الخبر نكتة سمجة، لكن مع المتابعة والتدقيق عرفنا أن بعض هواة جمع الأعمال الفنية الأثرياء، أنفقوا المبلغ مبلغاً فعلاً على العمل الفني "الثمين" الذي "نفذه" الفنان الإيطالي ماوريتسيو كاتيلان في "آرت باسيل ميامي بيتش" بعنوان "الكوميدي"، وفقاً لتقرير لصحيفة "ديلي ميل" البريطانية.

وكانت امرأة فرنسية هي صاحبة الحظ التي اشترت هذا "العمل النوعي"، وفقاً لتقرير "آرت نيوز"، وكانت قد اشترت قطعاً من معرض ميامي من قبل، لكن "الكوميدي" كانت أول قطعة تشتريها لكاتيلان المعروف بأعماله المثيرة للجدل. فهو صاحب العمل الشهير "المرحاض الذهبي" والذي عنونه "أميركا"، ويقدر سعره بين خمسة وستة ملايين دولار، وقد سُرق في سبتمبر/أيلول من قصر بلينهايم في وودستوك جنوبي بريطانيا، وبات الآن خبر سرقته موضع شك، فقد يكون مفتعلاً وبالاتفاق مع الفنان نفسه. 

وبالنسبة إلى الموزة، فقد اشتغل كاتيلان على "الفكرة" مطوّلاً قبل العرض. وقال مؤسس المعرض، إيمانويل بيروتين، لـCNN، إن الموز يمثل "رمز التجارة العالمية، والدخول المزدوج، وشكلاً كلاسيكياً للعبث الذي نعيشه في عالمنا"، مشيراً إلى أن الفنان يحول الأغراض إلى فكرة بطابع مبهج وساخر في الوقت ذاته. ولم يوفر كاتيلان، للمشترين المحتملين، تعليمات حول ما يجب فعله عندما تبدأ الموزة بالتعفن! ووفقاً للمعرض، فقد طرح كاتيلان الفكرة للمرة الأولى قبل عام، حين فكّر في منحوتة تتخذ شكل الموزة، وفي كل مرة كان يسافر فيها، كان يحضر معه إصبع موز ويعلقه على حائط غرفته في الفندق ليجد الإلهام. وقد صنع نماذج عديدة، في البداية منحوتة من الصمغ، ثم من البرونز، ثم اهتدى في النهاية إلى الفكرة الأصلية وهي استعمال موزة حقيقية. لكن الممثل الجورجي، دايفيد داتونا، "الجائع"، انتزع الموزة من اللوحة وأزال قشرتها ثم أكلها.

وقال داتونا في حسابه في إنستغرام: "إنه عمل تمثيلي أديته، فأنا أحب أعمال ماوريتسيو كاتيلان، وأحببت هذه اللوحة التي أرى أنها كانت لذيذة بحق. وقال لوسيان توريس، أحد المديرين في المعرض الفني، إن "داتونا لم يدمر اللوحة. فالموزة هنا عبارة عن فكرة". وكلفت الشرطة حارس أمن بحضور عملية استبدال الموزة.


في اليوم التالي بعدما أكل داتونا، موزة كاتيلان الفنية، أقدم رجل على كتابة عبارة: Epstein didn’t kill himself، أي أن ابستين لم يقتل نفسه، وذلك باستخدام أحمر شفاه، على جدار لوحة الموزة. وبحسب "نيويورك بوست"، عندما اعتقل الأمن، الرجل الذي كتب على الحائط، ويدعى رودريك ويبر (46 عاماً)، تساءل الرجل: "لماذا لم يُعتقل رجل أكل موزة قيمتها 120 ألف دولار، ولا يمكنني الرسم على حائط؟!". وجيفري إبستين، هو رجل أعمال أميركي وُجّهت إليه تهمة الاتجار بالقاصرات بهدف الجنس، وقد وجد ميتاً داخل زنزانته في مركز متروبوليتان للإصلاح في مدينة نيويورك، في شهر أغسطس/آب الماضي، ويرجح أنه قتل نفسه شنقاً.

وبالعودة إلى الموزة الأغلى في العالم، فقد لاحظ حسام علوان في "فايسبوك" بما معناه أن المستهجنين لعمل ماوريتسيو كاتيلان لا يعرفون تاريخ الفن المعاصر. فالعام 1966 كان عام تفاحة الفنانة اليابانية يوكو أونو، من دون هذيان الـ120 ألف دولار. وجون لينون، مغني البيتلز الذي لم يألف عروض الفن المعاصر في ذلك الوقت، لفت انتباهه في أول معرض زاره ليوكو، مجسماً زجاجياً تستقر عليه تفاحة خضراء. لم يفهم لينون الغرض من العمل، وشعر بسخافته وعدم جدواه، فأمسك التفاحة وبدأ في أكلها، ليجد يوكو تقف في مواجهته صامتةً تنظر إليه باستنكار وغضب مكتوم. أعاد لينون التفاحة حيث كانت وضحك بسذاجة، لتضحك يوكو أيضًا. ثم بدأت قصة حبهما الأسطورية التي انتهت بالزواج... وبالمختصر، فإن ما فعله الفنان الإيطالي ليس جديداً بل مفتعلاً، وكذلك ما فعله الفنان الجائع الذي التهم الموزة، هو عراضة المعرض.

وتحولت فكرة الموزة مادة للتهكم والسخرية والاستهجان وشتم الفن المعاصر. أحدهم صمم الموزة واللاصق، مع لوحة "خلق آدم" لمايكل انجلو. وسنشهد لاحقاً الكثير من الإشارات إلى هذا العمل التافه...

ونشر العديد من الفسابكة تعليقات على الموزة.

فكتبت نسرين علام: "موزة وشريط لاصق، هل هذا عمل فني؟ منذ أعوام، قدّم تلفزيون بي بي سي، برنامجاً على غرار "إكس فاكتور" أو "ذا فويس"، لكن لاختيار فنان تشكيلي واعد، تكون جائزته أن يكون فناناً مقيماً لدى "ساتشي غاليري"، ويجدر هنا القول إن ساتشي غاليري من أشهر معارض الفن الحديث والمعاصر في بريطانيا، ويمتلكه تشارلز ساتشي، وهو مُثمِّن تحف ولوحات بريطاني من أصل يهودي عراقي (بالعربية ساتشي هي ساعاتشي). ويجدر القول أيضاً أن ساتشي غاليري هو المعرض الذي يضم الآن كنوز توت عنخ آمون في جولتها في إنكلترا. ضمّ المحكّمون في البرنامج عدداً من أعلام الفن التشكيلي المعاصر في العالم، ومن بينهم عدد من الحائزين جائزة "ترنر" المرموقة، والرسامة وفنانة الإنستليشن الشهيرة تريسي إيمين. تنافس في البرنامج عدد من الفنانين التشكيلين الواعدين الجدد فائقي الموهبة. لكن الفائز بالجائزة لم يأت بالعمل الإبداعي المبهر، بل كل ما قام به هو اختيار جذع شجرة له بروزات وتعرجات مميزة، وحمله من دون أي تعديل، ليكون جزءاً من إطار لبوابة بقية أضلاعها من الحديد. قال إن فكرته هي تطويع الطبيعة لخلق فن، وإن الطبيعة ذاتها تنتج أعمالاً فنية ليست في حاجة إلى إبداع إضافي من فنان. حينها صدم متابعو البرنامج، وأنا منهم، من اختيار المحكّمين. لكن لجنة التحكيم قالت في حيثيات منح الجائزة إن الفن المعاصر ليس فقط القدرة على الخلق، لكن القدرة على الخداع، أو القدرة على الإثارة والقدرة على إثارة الجدل، وهذا ما يحققه بالضبط جذع الشجرة ذلك. قالوا إن العمل يدفع إلى التأمل والسخرية في آن، وإن السخرية في حد ذاتها هي تعاطٍ فكري مع العمل وجوهره. لا أخفي أن الباب، الذي كان جذع الشجرة جزءاً منه، بدا جميلاً ومثيراً للتفكير ولافتاً للنظر، ولو كان معي من المال ما يمكنني من شرائه لاشتريته، لكن هل أعتبره فناً؟ لست أدرى، ربما أعتبره عملاً حرفياً يدوياً متقناً، لكن أعود وأسأل نفسي: ما العمل الفني؟ وما الحرفة؟".


وكتب Mekhaldi Med: "إلى أين يتجه المال بالفن؟ وما هو مصير الفكر والعقل الإنساني في ضوء ما يحصل؟ في كل مرة تفاجئنا وسائل الإعلام بأخبار تجعل عقولنا شاخصة أمام تلك المفارقات المثيرة جداً. هذا العمل الفني والمتمثل في موزة ملصقة على الجدار بالشريط اللاصق...
ما المعايير والأسس التي يقاس بها العمل الفني؟
إذا سلمنا بأن هذا العمل امتداد لمدرسة مارسال دوشامب، فهل وصل الحد بالمفهوم أو الفكرة إلى كل هذه القيمة؟ على كل حال، كان هذا الفنان المعاصر أكثر تهذيباً ولباقة من مارسال دوشامب.
أم أنه انحطاط في الفكر والتفكير، دفع بالمال إلى الرفع من قيمة ما لا قيمة له؟
في انتظار ما يفرزه المستقبل حول الفن، تبقى الجرأة في صناعة المشهد أهم مكامن الإثارة والتميز في كل عملية إبداعية".

(لوحة "خلق آدم")

وقال Omer Kayali ساخراً ومتهكما في تعليق طويل، مرفقاً بصورة خيارة ملصقة على جدار: "للجادين فقط!! تحفة فنية للبيع بقيمة (12$) او ما يعادلها بالليرة التركية.
للشراء يمكنك فوراً التواصل معي على الخاص أو بكتابة تعليق يحتوي(.) نقطة وأنا شخصياً سأقوم بالتواصل معك للاتفاق على التفاصيل.
صحيح أن ما يساوي تحفتي بالقيمة، تم بيعه قبل يومين بمئة ألف ضعف هذا السعر، حيث بيعت موزة مثبتة على حائط بلاصق فضي بمبلغ 120 ألف دولار، لكن السوق عرض وطلب وأنا مضطر لبيعها بهذا الثمن الزهيد ليس استخفافاً بفني معاذ الله، لكن لأني قطعت عهداً على نفسي أن أقدم فني دوماً للطبقة المسحوقة من الناس، وذلك لأرسخ قاعدة أساسية من كبرى مرتكزات الفن التي باتت تندثر في زمننا المعاصر، الفن للشعب، والشعب للفن. ولتسقط الطبقية والرأسمالية المقيتة التي تتاجر دوماً بقوت وذوق الناس... وتتدخل في كل تفصيل من حياتنا حتى في الخيارة!
المهم بلا طول سيرة، تتجلى روعة هذه التحفة الفنية في أنها مادة عضوية طازجة وليست نحتاً أو اصطناعاً، وهنا تكمن روعة الطبيعة بصفتها الخام من دون تكلّفات البشر المقيتة. علاوة على ذلك، فقد قمت بأكل نصف الخيارة، ما يعني أن نصف هذه التحفة الفنية يقبع في بطني الآن، وهذه اللفتة الفنية بأكل النصف، وحدها، تكفي لكي تستحق هذه التحفة السعر الذي أطلبه فيها. هذه التحفة شقت روحها إلى نصفين، نصف في بطن صانعها، ونصف سيكون في بطن شاريها، إنه انشقاق الأرواح، الانشقاق ذاته الذي نعيشه كل يوم في مغتربنا الذي لا يلبث أن يلتهمنا أو يبيعنا بثمن بخس لأول زبون...".


 شخابيط
وكتب Amr Qandil: "بيعت (موزة) وعليها لاصق على جدار، كعمل فني بمبلغ 120 ألف دولار.. ربما تراه أحد الموضوعات التي تشغل الفن المفاهيمي، أو تراه عملاً فنياً عظيماً يقدم فكرة ماورائية، وتبدأ في التخمينات العديدة التي تنتشر كما النار في الهشيم. وربما ينظر العامة باستغراب ودهشة لهذا الأمر..
وجهة نظري، وهي فقط رأي شخصي لا يستند إلى أي شيء علمي أو متخصص، وبما أن الفن هو شيء نسبي يقبله البعض ويرفضه الآخر... هذه ليست المرة الأولى، فقد سبقت ذلك لوحة من "الشخابيط"، وغيرها، وهي مجرد شيء مفتعل أو بروباغندا تسويقية يستغلها بعض الأثرياء ويساهم فيها بعض المشاهير، وإن كانوا في الأصل فنانين حقيقيين.
والحقيقة لا أرى في هذا ما يوحي بقيمة العمل الفني، فهي بمثابة فرقعة إعلامية ووميض في السماء يرى صداه الكثير من الناس، لكنه سرعان ما يختفي ويختفي أثره، مثله كمثل الأغاني التي تنتشر فجأة وتحقق أعلى نسب مشاهدة ويدندنها الناس لفترة وجيزة، ثم تختفي فجأة.
ربما ترى أني أبالغ إن قلت أنه إفلاس عن تقديم شيء جديد فعلاً يستحق الإشادة والاهتمام، أو فشل محاولة ميلاد مدرسة فنية (حقيقية) جديدة، فبالتالي نجد اللجوء لأمور غريبة لعمل حراك إعلامي للفت الإنتباه وجذب الأنظار عنوة.. ومن المؤكد أنه المستفيد الوحيد من حديثنا وحواراتنا هذه الأيام (لكن مش خسارة فيه) 😁
في المقابل، نرى أعمال رواد المدارس الفنية، سواء التقليدية أو الحديثة، أو حتى المعاصرة، مثل موناليزا دافنشي، وداوود مايكل أنجلو، وإضاءات رمبرانت، وصرخة مونش، ونجوم فان غوخ، وانطباعية مونيه، وتكعيبيات بيكاسو، وتجريديات كاندنسكي، ومربعات موندريان، كل هذه الأعمال الفنية التي عاشت وستعيش مئات السنين.
قد يكون أبلغ تعبير في وصف الفن المعاصر، ما كتب على جدران بيروت في الأسابيع الماضية: يسقط الفن المعاصر".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها