آخر تحديث:14:05(بيروت)
الجمعة 08/11/2019
share

عزيز الأسمر:لهذه الأسباب رسمتُ الثورة اللبنانية على جدران إدلب

أسامة الشهاب | الجمعة 08/11/2019
شارك المقال :
عزيز الأسمر:لهذه الأسباب رسمتُ الثورة اللبنانية على جدران إدلب ثورة العطر في لبنان
يحوّل الفنان السوري عزيز الأسمر، أسقف إدلب المدمرة، وجدارانها المائلة، والمباني المتهالكة من القصف، إلى لوحات فنية ناطقة، تخلّد معاناة الإنسان في ظل الثورات، فيقلب وجه الدمار إلى فن إنساني ثوري هادف، جاعلاً جداريته الفنية تطلق الروح في الدمار العمراني، الذي أفقده القصف كل ملامح الحياة.

بروح من التحدي اتخذ الأسمر، ابن مدينة بنش شمالي إدلب، من فن الغرافيتي، سلاحاً فنياً يواكب به أحداث الثورة السورية، فيرسم لكل حدث جدارية معبّرة، متنقلاً بين بلدات إدلب، بفنه وألوانه، يرسم لوحاته المعبرة على جدران أحيائها، متحدياً ملامح الحرب والدمار.

يقول الأسمر لـ"المدن"، أنه اختار الرسم على الجدران المهدّمة، لأنها توصل الرسالة بشكل أقوى وأوضح، وتظهر أنه كانت تحت هذا الركام حياة، وذكريات وجنى عمر، وكيف تحول كل ذلك أنقاضاً، بكبسة زر من المجرمين.

ويعتبر أن الظلم في سوريا وصل إلى حدود لم تعرفها أي دولة، وأن القتل والقهر والتهجير تخطى حدود الوصف والتصور، وهذا ما وضعه أمام واجب المشاركة والتضامن مع شعبه. ولأنه لا يحب السلاح والحرب، اختار أن يناضل بفنه، على الجدران، حيث يقول لـ"المدن": "هذه الجدران عانت ما عانينا، ولذا كان علي أن أرسم عليها معاناتنا".
يختار الأسمر مواضيع جداريته من أكثر القضايا تأثيراً بين صور الظلم الإنساني، وأكثر المواضيع تأثيراً في نفسية الناس، ثم يخلدها بلوحاته، ويمتاز بسرعة الأداء، حيث ينجز اللوحة مع الساعات الأولى لوقوع الحدث، وبقوة تعبيرية عالية، وهذا ما جعله يتفوق على أقرانه الفنانين السوريين الآخرين. ومن أهم لوحاته، جدارية للشهيد عبد الباسط الساروت، أنجزها بعد خبر استشهاده، لتتصدر العديد من المواقع السورية والعربية والعالمية، كصورة مرافقة لنبأ استشهاده، بدلاً من صور الشهيد الفوتوغرافية.

وعن أكثر اللوحات تأثيراً في نفسه، يقول الأسمر لـ"المدن"، أنه رسم جدارية بطول 30 متراً، دوَّنَ فيها اسماء 650 شهيداً، من مدينته بنش، فيهم الكثير من الأطفال والنساء، وكان يرى الناس من ذوي الشهداء دائماً يقفون أمامها، يقرأون الأسماء، ويذكرون شهداءهم. واللوحة الثانية لوحة الطفل الذي بترت قدميه في بلدة الهبيط، وراح يصرخ على والده "يا بابا شيلني". واللوحة الثالثة لوحة الجنين الذي قتل بشظية في رحم أمه، في مدينة خان شيخون، بعد غارة نفذها الطيران الحربي على بيتهم.
لا يقف الأسمر بجدارياته على قضايا الثورة والحرب فقط، بل يتابع قضايا الحياة السورية ايضاً، وقضايا الظلم والإنسان في كل مكان، ويقول لـ"المدن": "لا يقتصر رسمنا على الجوانب الثورية، بل يتعداه للمواضيع الإجتماعية، والمعيشية التي تواجه المواطن، كإنتقادنا لأي ظاهرة تزعج الناس من المؤسسات، كما لم تنحصر رسومنا في الجغرافيا السورية، وإنما طاولت القضايا المحقة في العالم العربي، وصولاً للعالم، من خلال عدد من اللوحات لقضايا دولية".

الحياة اللبنانية
عاش الأسمر 21 عاماً في لبنان، حيث كان يعمل في دار نشر، وعايش تفاصيل الحياة اللبنانية، وعاد منها إلى سوريا العام 2015، للمشاركة في ثورة بلده من الداخل، بعدما كان يرسم لوحاته على الورق في لبنان، إلى حين تتسنى له العودة. ومع إنطلاق ثورة لبنان، بدأ الأسمر رسم لوحات لها، على جدران إدلب، متضامناً مع الثورة اللبنانية كثورة بلده.

وعن رؤيته لما يجري في لبنان أكد الأسمر لـ"المدن"، أن ما يحدث نتيجة حتمية لتراكمات من القهر، وتردي الأوضاع الإقتصادية، والاستئثار بالحكم من طاقم سياسي يورث الحكم لأولاده، حاله كحال الدول العربية، مع فارق في ارتفاع سقف الحرية في لبنان. واعتبر أن ثورتهم محقة، ومطالبهم هي ذاتها مطالب الشعوب المقهورة، التي تنادي بالعدالة الاجتماعية، والقضاء على الفساد المستشري، ونهب ثروات البلاد.

أما عن سبب تضامنه مع ثورة الشعب اللبناني، فيقول الأسمر، أن شعب لبنان وشعب سوريا هو شعب واحد، تربطه الكثير من الصلات التاريخية والإجتماعية، وحتى صلات القرابة، فوجع لبنان هو وجع للسوريين، ونصرهم نصر لسوريا، والعكس صحيح. ويضيف أنه، خلال عيشه في لبنان، لامس طيبة هذا الشعب وكرمه، لذا تضامن معه بشعور صادق، وعبّر عن ذلك بقوله: "شعب لبنان شعب راق، ومحترم، وطيب، ويستحق العيش بكرامة، وحرية كشعوب الدول المتقدمة".

ويرى الأسمر أن التضامن مع ثورة لبنان له أثر إيجابي كبير في سوريا وفي لبنان، فعندما رسم جداريات لثورة لبنان، تحمل شعار الثورة اللبنانية "كلن يعني كلن"، وشعار "من بنش لبيروت عطر الثورة لا يموت"، لاحظ إعجاب الشعب السوري بهذه الجداريات، وتفاعله معها، كتفاعله مع لوحاته الخاصة بثورتهم، بل قد يتفوق تفاعل السوريين مع الجداريات اللبنانية عما أبدوه اتجاه الجداريات السورية، لسبب أنه كان بهذه الجداريات يعبّر عن موقفهم المتفاعل بقوة مع ثورة لبنان، والذي بدا واضحاً في كل مظاهرات إدلب التي جرت بعد إنطلاق الثورة اللبنانية، حيث لم تخلُ مظاهرة من شعارات وعبارات ولافتات تضامن مع ثورة لبنان. وبعض اللافتات حمل شعار الثورتين، ورسم العديد من هذه اللافتات لنشطاء مظاهرات إدلب، بطلب من الناشطين الذين اعجبهم تفاعله بفنه مع ثورة لبنان، والذي يلتقي برغبتهم بهذا التضامن.

وفي لبنان لاقت هذه الجداريات إعجاب نشطاء من لبنان، حيث كان بعضهم ينتظرها وينتظر صورها، من خلال تواصلهم مع نشطاء في إدلب، ومراقبتهم لفنان آخر في سراقب شرقي إدلب، رسم أيضاً لثورتهم، ومقارنة أي من الفنانين كان الأسبق والأكثر تضامناً معهم. واعتبر الأسمر أن هذه المتابعة، والمقارنة بينه وبين فنان سراقب، تعكس اهتمام النشطاء اللبنانيين، وتفاعلهم مع التضامن الفني والثوري السوري مع ثورتهم، واعتبر أن هذا التضامن بين الشعبين يؤكد وحدة الحال والمطالب الثورية، ويصب في أن الشعوب العربية تعيش الأوجاع ذاتها، ولا يفرقها سوى الحدود والسلطات.

الثورة السورية مازالت حية في نظر الفنان عزيز الأسمر، "ومخطئ من يظن أنها انتهت، رغم ما تواجهه من مطبّات وخذلان، طالما أن الحراك السلمي مستمر، والمظاهرات مستمرة، متحدّيةً أساليب القتل الوحشية، وصمت العالم". وينظر للتضامن مع الثورة اللبنانية على أنه تكملة لمسيرة الحرية، وتكامل بين رغبات الشعوب، وبذلك عنوَن إحدى جدارياته بعبارة "من بنش إلى لبنان ثورة ضد الطغيان"، ويرغب بأن لا تلاقي ثورة لبنان ما لاقته ثورة سوريا من أوجاع، ويرى أن بانتصارها أمل لنصر سوريا على الطغيان. وأكد ذلك بقوله لـ"المدن:"لا اعتبر أن ثورتنا فشلت، وتضامننا مع الثورة اللبنانية، من منطلق أن نجاحها يعزز صدق مطالبنا، ويجسد انتصار الحق على الباطل، على اعتبار أن المنظومة الحاكمة في الدولتين مترابطة، مع الفرق الواضح في حجم الإجرام، الذي نتمنى ألا يمر على الثوار اللبنانيين".

يثق عزيز الأسمر بثقافة الشعب اللبناني، وبأنهم أصحاب خبرة سياسية، استمدوها من حرب لبنان الأهلية، وأنهم لن ينزلقوا إلى مثل هذا المطب، بعد تجربتهم المريرة السابقة. ومع ذلك ينصح شعب لبنان ألا يعطي أهمية للولاءات الخارجية، وأن يتجنب أي تشرذم ديني أو حزبي يمزق صفوف ثورته، وأن يستمر في شعار" كلن يعني كلن". ويضيف أن الشعب اللبناني شعب واحد ضد سلطة واحدة، كي لا تعاني ثورته ما عانته ثورة شعبه. ويوضح لـ"المدن"، أن لوحاته الفنية المتضامنة مع لبنان كانت بهذا الصدد، في بوتقة الثورة الواحدة، والتي لا تشرذمها مرجعية دينية أو مذهبية أو حزبية، وأنه مستمر في تضامنه معها بموقفه وفنه وجدارياته، وأنها ستظل حاضرة على جدران إدلب.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها