آخر تحديث:18:41(بيروت)
الخميس 07/11/2019
share

ثورة التلاميذ على "رئيس الصف"

رشا الأطرش | الخميس 07/11/2019
شارك المقال :
ثورة التلاميذ على "رئيس الصف" اعتصام الطلاب أمام وزارة التربية (علي علوش)

لعل مَن كبروا في لبنان خلال الثمانينات من القرن الماضي، يذكرون وظيفة "رئيس الصف". كنا في المرحلة المتوسطة، وكان التلاميذ ينتخبون "رئيساً" من بينهم، أو يُعيّن هذا "الرئيس" من المدرِّس(ة)، للاضطلاع بعدد من المهام، ومن بينها حراسة الصف لدى تغيّب أي من المعلّمين أو خروجه من غرفة التدريس لبعض الوقت. والحراسة هذه مفادها الحرص على هدوء التلاميذ في غياب الراشد المسؤول، وتدوين اسم كل من يتكلم أو يشاغب أو يضجّ أو لا ينكبّ على التمرين الصفّي المُعطى لتمرير الوقت. وهناك أيضاً مهمة توزيع أوراق الامتحانات المصححة على الرفاق، أو جمع الفروض المنزلية المُنجزة، وربما كتابة التاريخ كل صباح على اللوح، أو المساعدة في عملية أخذ الحضور/الغياب صباحاً. وإن تفاوتت مهام "رئيس الصف" من صف إلى آخر، ومن مدرسة إلى أخرى، وبين مختلف المراحل التعليمية، فقد كان طابعها الغالب والأعمّ هو العمالة. أي أن "رئيس الصف" ليس سوى منتدب من التلاميذ، لتنفيذ سياسات السُلطة التربوية، وليكون يدها اليمنى، وهو أيضاً المُخبِر الذي تُجنّده لحفظ النظام حينما لا يكون الأخير مشرفاً مباشراً على استتباب الأمن. "الرئيس"، الذي يختاره "مواطنوه"، أو ينزل عليهم بالمظلة (لا فرق!؟)، لا يمثّلهم وقضاياهم وشجونهم، بل يؤتمَن على أجندة السلطة، ويُكلَّف – إذا لزم الأمر – بقمع زملائه والوشاية بهم في سبيلها. ووحدها السلطة تحدد ملامح الصالح العام وكيفية تحقيقه وحمايته، في أحيان محدودة بالتشاور مع الأهل، لكن من دون أن يكون للتلاميذ، كمكوّن أساس فيه، رأي أو صوت.

ولم يبدأ جيلنا بفهم معني الحركة الطلابية، والمَطالِب، وانتخابات مجالس الطلاب، وكيف نعترض أو نواجه أو نقاوم، إلا في الجامعة، حيث اختبرنا أيضاً، وللمرة الأولى في حياتنا العامة البِكر، سطوة الأحزاب والطوائف والثلّة السياسية/الاقتصادية حاكمة لبنان. ولئن تزامن دخولنا الجامعة مع انتهاء الحرب الأهلية، فإن تركيبة الحرب ظلّت حيّة ومتغلغلة كفاية في النوادي الطلابية، واستمرت ظهوراتها في مواسم الانتخابات الجامعية، مع تبدلات موازين القوى بحسب المراحل. وصفقات المال والسياسة التي كانت تُعقد خارج الحرَم الجامعي، ما فتئت تتسلل إليه عبر وكلائها من الطلاب والأساتذة والإداريين. وقد استمر هذا الأمر وتفاقم، في الجامعة اللبنانية خصوصاً، وجامعات لبنان عموماً، حتى الأمس القريب.   

اليوم، أتذكر وظيفة "رئيس الصف"، وأبتسم وأبتسم.. وأدمع.

أتذكر معها منع الكلام في السياسة داخل المدرسة، بحجة درء المشاكل والحساسيات بين الطلاب، والاغتراب المُبين عن كتاب التربية المدنية. وتحضرني نصوص القراءة التي تقدّس الفقر وتبشّر بالقناعة به فِعلاً وطنياً وأخلاقياً، تماماً كما تكرّس المدينة رمزاً للفساد والتلوث والرذيلة، فيما الريف هو الخير السرمدي بأثرٍ من الجهل الطيّب. ولا تُنسى التقسيمات الجندرية البائدة: "حنان الأم" التي لا تضطلع إلا بالأعمال المنزلية وتربية أولادها، و"تعب الأب" الذي يخرج للعمل والفاعلية وينفرد بقراءة الجريدة ومعرفة التاريخ والسياسة، ثم البنت التي تريد أن تصبح ممرضة أو معلّمة، والصبي مهندساً أو محامياً.

تلاميذ المدارس في لبنان، اليوم، ليسوا فقط جزءاً مبهراً من ثورة شعب. هم أيضاً قطاع، ينجز ثورته الفرعية من ضمن لوحة بهيجة كبرى. ثورة على كل ما يُلقّن لهم من قيم السلطة وأخلاقها. ثورة على الأبوية التي يحتكّون بصلفها بشكل مباشر، وهي نفسها الأبوية المهيمنة على الحياة السياسية والاجتماعية في لبنان. ثورة على الفساد والإجرام. وهي آفات لا يعانيها آباؤهم وأمهاتهم من دونهم.

إدارات المدارس التي تهدد تلاميذها بالطرد وبشهادات البكالوريا.. أبوية وفساد ومحسوبيات. إعلام السلطة الذي يفبرك "دلائل" على أن التلاميذ مُوجَّهون من أطراف خارجية، بل عدوة.. أبوية ومُجرِمة، إذ لا تكتفي بالكذب الوقح والإدانة والتخوين، بل هي تقول أيضاً إن التلاميذ والطلاب لا يتحركون إلا إن جاء مَن يحرّكهم من بُعد، أي أنهم بلا إرادات وبلا عقول وبلا ذوات.

تلاميذ المدارس يرعبون مهندسي الثورة المضادة. فهم يافعون، لم يدخلوا الحياة بعد، وبالتالي لا سجلات حزبية أو مليشياوية لهم، ولا يمكن أن تُنبش لهم صحائف فساد أو "إرهاب". فكيف يُحارَب النقاء؟ بل كيف يُحارَب النقاء حين يكون بهذه القوة والشكيمة والوعي؟

وطلاب الجامعات يصيبون طغمة "كلّن يعني كلّن" بالجنون: أليسوا هؤلاء الذين، إن كانوا فاعلين، فبتوزّعهم على الأحزاب التي نعرفها ونجيد التعامل معها، بالتسويات والرشاوى حيناً، وبالقوة والابتزاز أحياناً؟ أليسوا المشهد المصغّر عن المشهد اللبناني الأعمّ؟ كيف صاروا فجأة ثورة على هذا كله؟

الطلاب الهاتفون في ساحة الجامعة اللبنانية في الحدت نادوا بمسرح وطني، بمعدات للمختبرات، بقنينة مياه أو سندويش لا يضطرون للسير إلى خارج الجامعة لشرائهما، بصفوف لا تدلف مطراً في الشتاء ولا تتحول أفراناً في الصيف، بقبول الشخص الكفء في التخصص أو المنصب المناسب، وحتى بحقوق أساتذتهم في التثبيت وتقاضي الرواتب والتقديمات المتأخرة منذ ثلاث سنوات. الأساتذة أقوى بطلابهم وتلاميذهم. والأهل، الذين حذروا إدارات المدارس من طرد التلاميذ المشاركين في التظاهرات، أقوى بأبنائهم.

نادى طلاب "اللبنانية": "يا حقوق نحنا معاكي للموت.."، و"يا علوم.."، و"يا فنون..". طلاب الحدت بدوا، أمس، انعكاساً في مرايا بعلبك والهرمل والنبطية. تحدوا الطغمة المستبدة بفضائهم الجامعي، بعالَمهم حيث يفترض أنهم يصنعون مستقبلهم، أي مستقبل البلد. ليست هينة التظاهرات في الحدت. وليس بلا معنى النداء لشدّ أزر "الحقوق" و"العلوم"، كتعاضد مع طلاب هناك شربوا مُرّ الهيمنات الحزبية وفسادها. فقد زفّت ساحات الانتفاضات، طرابلس والنبطية وبعلبك، عرائس للثورة، ليس لأن اجتماع الآخرين ليس عرساً، لكن اجتماع تلك المدن أصعب وأخطر على المتظاهرين، وأكثر إيلاماً لأعداء أشرس وأكثر استحواذاً وبطشاً.

طلاب LIU – جامعة عبدالرحيم مراد – اضطلعوا اليوم بدور "رئيس الصف". لكن لا بأس، فالثورة من أجلهم أيضاً، و"المَنصب" أصلاً في حُكم الملغى.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب