آخر تحديث:10:23(بيروت)
الأحد 03/11/2019
share

"ما بعد الخطيئة الأولى" لوليد السابق: احتمال الألم الدائم

عمر الشيخ | الأحد 03/11/2019
شارك المقال :
"ما بعد الخطيئة الأولى" لوليد السابق: احتمال الألم الدائم إنّها سيرة ثلاث حيوات، قاسمها المشترك هو وجود وعدم وجود هذا الرّجل، جابر
 
"ربّما أخذتْ الحياة شكلًا آخرَ، كحيواتٍ ربّما بعيدة في مجرّاتٍ بعيدة" عبر هذا الاستنتاج نسقط في متاهات "جابر"، ذاك الشّخص الذي تقوم على تحوّلات حياته، رواية "ما بعد الخطيئة الأولى" للسّوري وليد السابق (1970) الصّادرة عام 2018 عن دار الأداب اللبنانيّة.
قد يبدو خيال رجل، لكنّه واقع لحياة مؤجّلة أو نفيًا لذكرياتٍ يرسمها الآن وجود متضارب لوقائع لم يعد يدري صاحبها؛ أكانت سنواته الخاسرة تلك، أم محاولات البحث المضطربة في أسباب سكوت التفاصيل والبشر فجأة أمام عينيه.

منذ البداية يضيع "جابر" في قاعة "الامتحان الأخير" ولم يعد أحد يراه رغم أنّه يرى الجميع، لقد بات في منطقة العدم في العالم الحي، من هنا يبدأ التّجريب في بناءٍ سرديّ قائم على جدلية اللاوجود والصّمت، فالقدر قال لجابر "انتهت حياتك" في مشهد لمدينة بلا هويّة أو ألوان وأشخاص غابت أساميهم تمامًا، نغوص معه بحثًا عن خيوط الحكاية، فنقع على توصيف لأمكنة وشخوص وذاكرة كانت موجودة وسوف تتحكّم التّغيرات الطفيفة في تفاصيل القدر بتغيير مسارها من السماء إلى الأرض في "الـ ما بعد" و "الـ ما قبل" أمّا الآن فقد وصل "جابر" إلى خشبة الأزليّة برفقة صلوات جنائزيّة، وثمّة صوت مجلجل لرجلٍ عجوز يدعوه للجلوس أمام مسرح كبير ثمَّ يشير له الصوت "لا تفكّر كثيرًا في الحقائق؛ اترك قلبك يقدْك نحو الحقيقة. إنّ أوّل خطوة في فقدان الطّريق هي العقل" ويمثّل ذاك الصوت، ربّما، القدر، والعرض سيكون هنا بمثابة تجسيد تامّ لواقع جابر الذي توقّف في لحظة نهاية ما، لكن كيف ستكون الحكاية بعد ذلك؟

إنّها سيرة ثلاث حيوات، قاسمها المشترك هو وجود وعدم وجود هذا الرّجل، جابر، الذي سوف يرى كيف ستتغيّر حياته كلّها إذا غيّر وبإرادته الحرّة حدثًا صغيرًا، في زاوية ما من الحياة.
تقسم الرّواية إلى ثلاثة فصول، يحمل كلّ فصل منها ترقيمًا لحياة جابر(حياة أولى، حياة ثانية، حياة ثالثة) ويحيلنا الكاتب إلى ظرفين من السّرد، أحدهما صوت الرّاوي المتماهِ مع انهيارات الأحداث، والآخر صوت الأفكار والمحاكاة التي تدور بين جابر والأشخاص في انعطافاته المصيريّة أو العابرة. نراه يحاول اجتيازها في صراعٍ نفسيّ لا يخلو من تمرير الحوارات والجمل الشعريّة والفلسفيّة القادمة من سوداويّة مبرّرة أمام قسوة العالم ومعاناة الصّدق في الصّعود إلى وجه المأساة.

الحياة الأولى، كانت بمثابة رسم دقيق لطبيعة الشخصيّة وما تحمله من خصائص نفسيّة واجتماعيّة وعادات مبنيّة على مسار القلق المستمرّ من الآخر والمستقبل، هذا ما نلاحظه من الأحداث الأولى؛ فجابر لم يستطع جعل حياته "طبيعيّة"، مثاليّة، وسعيدة، وبالتالي لم يعدْ يشعر بالهوّة العميقة التي تفصله عن الآخر، لم يعد يحسّ بخساراته وانكساراته، في مواجهة نجاحات الآخر، بكلمة أخرى لم يعد يحسّ بقانون الاصطفاء الطبيعيّ الظّالم حيًّا في أحزانه. "حتى وإن كانت الحقيقة مختلفة تمامًا، فهذا ليس مهمًّا، المهمّ هو ما نفكّر فيه، ونقنع أنفسنا به، نتبنّاه كدين أو عقيدة وللمفارقة يصبح الخيال حقيقة، ووجودًا" ص 53 "اعملْ يا هذا، أنت هنا جزء من آلة عملاقة، آلة تبدأ حين يولد الإنسان وتنتهي بموته" ص 65.

هي إذًا ظروف الحياة التي تدفعه للعمل إلى جانب المكاشفة الباطنيّة التي تظهره شخصًا آخر في الواقع، ونموذجًا متحوّلًا في الحقيقيّة، نموذجًا لبرغي في ماكينة التدّجين اليوميّة والتي تشير بشكل ما إلى طبيعة الحياة في سورية مثلًا، ومدى الرّعب المخزّن في النّفس بحثًا عن لقمة العيش دون أيّ نظرة للذّات الذاهبة بانكساراتها إلى تحقير الإنسان واستعباده. "مازلنا -بلا شكّ- نجهل كيف تبع الملايين قوّادًا عسكريين، وأنبياء، وقطّاع طرق، وفنّانين، ورياضيين، تبعوهم وتركوا أناهم تذوب لتشكّل الآخر، الآخر الذي يقود القطيع" ص74.

ومن هنا ينتقل جابر في كلّ حياة إلى بوّابة بلا أسوار، ما إن يجتازها برفقة رجلين، يعود إلى المسرح إيّاه قرب الرّجل الكبير الذي يشاهد معه أين وقعتْ الخطيئة الأولى وكيف تقود الرّوح الإنسان إلى أقدار غير متوقّعة "حين اجتاز البوابة لم يكن من سورٍ حولها، بل أحسّ به إحساسًا" ص 75. يصل هنا جابر إلى "الدّائرة الأبديّة" الدّائرة التي سينتهي إليها مهما فعل، تأتيه أصوات نادباتٍ ثلاث يتناوبن على إنشاد حياته. تشرح الأولى طفولته في البلدة البعيدة، وتكمل الثّانية نواحها متحدّثةً عن شبابه في المدينة القاسية، لتنهي الثّالثة النّشيد بموته وحيدًا غريبًا في المدينة.


هكذا، يحاول الكاتب تكوين مشاهد سينمائيّة مكتوبة، ويترك السيناريو لاحتمالات الخيال ومفاجآت النفس البشريّة وما تضمره أو تظهره لبقيّة بني البشر، كيف تغيّر صدفة ما لا علاقة لها بجابر -لا من قريب ولا من بعيد، هي خارج إرادته الحرّة- حياته كلها: "تضاء الخشبة من جديد، وبعد أن تفتح الستارة يبدأ المكان والزمان والأشخاص يخلقون من الفراغ" ص81.

وفي الحياة الثّانية، يتحرّر جابر من السلطة، بعد أن ماتت الحياة، يغادر بيته في البلدة البعيدة بعد أن عاد إليه حين تخرّج من الجامعة، لكن موت أمّه أنهى علاقته بتلك الذاكرة وقد ودّع والده بمشهد مؤلم، يتجلَّى في بكاء الأب أمام صمت جابر وعدم مقدرة الابن على البكاء لا حين ماتت الأم، ولا حين هجر بيت العائلة. لقد حمل بؤس الرحيل ليواجه مصيره هناك في المدينة الكبيرة حين تزوّج على أبواب الأربعين من العمر، أصبح لديه امرأة وطفل، لكنّ ظروفًا ما سوف تحطّم تلك العائلة الصّغيرة، يتجادل جابر مع السماء قليلًا لأنّ طفله يصاب بفصام نفسيّ حادّ بسبب فقدان صديقه في المدرسة إثر حادث دهسه بالسيّارة، يكون جابر شاهدًا عليه، ثمَّ يصبح شريكًا في الجريمة على نحو ما "أنت لن تقتلهم يا هذا، هم أموات مؤجّلون، أنت فقط ستختصر عليهم طريقًا طويلًا من الأسى" ص 129.

إنّ "الحاجة" التي جعل منها الكاتب مسبّبًا رئيسيًّا لتدهور الحياة الثانية، تدفعنا للتساؤل عن إمكانية تحويل الإنسان إلى وحش دون أن ينتبه فقط لأنّه "فقير" أو لأنّه لا يعرف كيف يكون كاذبًا أو لصًّا أو نصّابًا. هذا السقوط الموجع لجابر يتركه أمام مرثيّة ذاتيّة لا تنقذه من آلامه بل تزيد من الأنين" فيما مضى، كان إنسانًا كامل الإحساس بإنسانيّته. صحيح أنّه فقير، لكن لا شيء يؤرق نومه إلّا جوع وعوز. وفي الغد، سيؤرقه أمر آخر: أمر سيلتصق به إلى الأبد" ص147.

يحدث كلّ ذلك وجابر يرى حياته أمامه، والرّجل الكبير يقول له: "لا أستطيع أن أمنع الألم، فإن منعته فإنّي أمنع الحريّة" ص 156.
أمّا في فرضيّة الحياة الثّالثة، نفاجأ أنّ والدة جابر لم تمتْ! وقد كان يعيش حياة ممتعة في البلدة، بل وكشف عن مخطّط اغتيال كان لامرأة مسؤولة في الدّولة، سوف تصبح فيما بعد زوجته وتنشله من كلّ ذلك التّعب والألم، لكن جابراً ها هنا يعيش ثنائيّة أكثر ألمًا ربّما، عن الحياة مع امرأة سلطة، وكيف سوف يرمّم داخله الضّعيف، فقد أصبح ابن البلدة النّائية زوجًا ومسؤولًا مثل زوجته، لكنّه لوشايةٍ ما، لصدفةٍ غير متوقّعة يتركه الظنّ يحمل سلاحًا ليقتل مجدّدًا، لكن هذه المرّة ستكون النّهاية، وسيذهب جابر إلى مسرح آخر هو دائرة الأبديّة التي ترسم على وجهه ابتسامة الرّحيل إلى مكانٍ آخر لا خيال فيه ولا حقيقة سوى التّراب.

تحمل رواية وليد السابق هذه، قراءات فلسفيّة وبلاغة توصيف لأدقّ لحظات الصّدمة، إلى جانب معالجة دراميّة ذكيّة قائمة على التشويق المتصاعد وتنوّع المناخات وفرص الأمل والتّعاطف مع الأحداث من زوايا تخيليّة مفتوحة وأخرى تستغرق في كآبة الرّوح البشريّة وعبثيّة أقدارها، ورغم ذلك يبدو مقترح رواية "ما بعد الخطيئة الأولى" الفنيّ نافذة هامّة لوجهة نظر أدبيّة عن العدالة على الأرض وما قد تتركه الأقدار من مصادفات تشوّه ذاك الميزان، حيث لا نعلم كيف تُجزى فيه النّفوس حسب ما تعمل!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها