آخر تحديث:12:58(بيروت)
الثلاثاء 26/11/2019
share

خليل حنون... يوم كان سائق سيارة الاستقلال المكشوفة

محمد حجيري | الثلاثاء 26/11/2019
شارك المقال :
خليل حنون... يوم كان سائق سيارة الاستقلال المكشوفة خليل حنون وإحدى سياراته
كتب الشاعر والإعلامي اللبناني خليل حنون في صفحته الفايسبوكية: "أتذكر في يوم الاستقلال جدي، خليل حنون، الذي كان فخوراً بأنه "شوفير (سائق) الاستقلال". والحكاية أنّ الرئيسان بشارة الخوري ورياض الصلح، بعد وصولهما الى السلطة، كان يحتاجان سيارة كشف (ديكابوتابل) من أجل المرور في المناطق والأحياء بين الناس وتوجيه التحيّة لهم. كان خليل حنون، سائق التاكسي الوحيد الذي لديه سيارة كشف. بقي الرئيسان بحاجته إلى أن اشترت الجمهورية سيارة كشف خاصة للرؤساء... وخليل حنون من فرحته وافتخاره لم يسأل يومها عن مال أو وظيفة عند أحد من الرؤساء، واعتبر الموضوع "واجباً وطنياً". ويقول خليل حنون الحفيد: "يبدو جدي، الله يرحمه، أول واحد تعرّض للاستغلال في عهد الاستقلال. عشتم وعاش لبنان".

خليل حنون الجد، من مواليد 1907 وتوفي في 1998، في منطقة الزيدانية(بيروت) في مبنى لا يزال قائماً حتى الآن. أمين، والد خليل حنون، كان طباخاً في الجيش العثماني وطُرد وتعرض للمحاكمة لأنه في زمن المجاعة إبان الحرب العالمية الأولى، كان يهرّب للناس أكياس طحين. لاحقاً افتتح مطعماً في مكان أوتيل فينيسيا اليوم. اعتبره بعض الناس في أواخر حياته من "الأولياء الصالحين". لم يكن رجل دين، لكن كان يقرأ القرآن على "الملبوسين أو المتعبين نفسياً"، ويشعرون بالراحة من بعدها، بحسب ما يُروى عنه، وبحسب ما بعتقد الناس به. وقبل أن يصبح طباخاً، كانت لديه عربة (طمبر أو كاريتا) نقل ركاب بين بيروت ونابلس(فلسطين) في زمن كانت المنطقة تسمى "ولاية بيروت"، وهذه الأسباب جعلت الابن خليل حنون يكون سائقاً في بداية شبابه، أيام سيارة الفورد أبو دعسة، وبقي لآخر حياته تقريباً. كان من الأوائل الذين حصلوا على رخصة سوق ورقم رخصته 17...

عندما خضع خليل حنون لامتحان رخصة السوق، كان من الاختبارات أو الأسئلة المهمّة هي كيف تبدّل الدولاب إذا تعطّل (أو بَنشَر بالمعنى العامي)؟ ويومها لم تكن الرافعات أو العفاريت قد انتشرت، فكان الجواب هو "أن تضع تلّة رمل وفوقها حجر وتحرك الدولاب فوقها". وخليل حنون أيضاً من أوائل الذين جهزوا السيارة براديو، ففي البداية كان ممنوعاً على وسائل النقل استعماله، من يُضبط وهو يستمع إليه يعتبر مخالفاً (تعتبر الدولة أن الراديو يلهي عن التركيز، متل الهاتف الجوال اليوم).

عدا عن تشغيله سيارته الكشف في خدمة الرئيسين، عندما تأسست جامعة بيروت العربية في الطريق الجديدة، كان خليل حنون سائق رئيس الجامعة، ومع تقدّمه في العمر ووصوله إلى سن التقاعد لم يستغنوا عنه، أرادوا تكريمه، فعينوا سائقاً ثانياً على أساس أنه مساعد له، المساعد يقود السيارة وخليل حنون يعطيه التعليمات. 

يروي خليل حنون الحفيد، الكثير من الخبريات عن جده وسيارته، التي بسبب أنها من نوع كشف مرفقة بضجة الشارع، صمَّت أذنه اليسرى. خلال الحرب عندما كانت تحصل اشتباكات بين المسلحين في الأحياء البيروتية، كان يمشي "ببرادة" وسط القتال. "رأيت المنظر بعيني" يقول خليل حنون الحفيد. يضيف: "ذات مرة اشتبك المسلحون في منطقة الزيدانية، الناس يركضون شمالاً ويميناً، وجدي يمشي بهدوء كأنه في كوكب آخر، جدتي تصرخ من الشباك خوفاً عليه، وهو يمشي بهدوء بين أزيز الرصاص كأنه لا يسمع، المقاتلون توقفوا عن اطلاق الرصاص بانتظار أن يمر، استقبلته الجدة عند الباب تعاتبه خوفاً، فقال لها: "ما في شيء مجموعة من الأولاد عم يتزعرنوا".

خليل حنون مع نجله

عندما كانت السيارات قليلة في بيروت، كثيراً ما كانوا يطلبونه لمهمات رسمية. ومن الحوادث التي يذكرها خليل حنون عن جده، أنه في إحدى الليالي أتى إليه مدير الجمارك لينقله إلى نقطة حدودية حيث قبض حشيشة مهرّبة داخل شاحنة محملة بالجوز. الحشيشة موضبة داخل كل حبة جوز بعدما كسروها بعناية وألصقوها. وسبب كشف العملية أن أحد موظفي الحدود كان برفقة ابنه، الذي راح "ينق" يريد حبة جوز، تردد السائق في اعطائه لكنه فكر ان الولد إلى حين يكسر الجوزة سيكون قد غادر المكان وقطع مسافة، أعطاه حبة وهمّ بالانطلاق إلا أن الولد كسر الجوزة في أقل من الوقت المتوقع وفضح العملية.

أمور عديدة كان خليل جنون الجد، يركز عليها مع أحفاده، احترام النعمة، لأنه في صغره رأى المجاعة خلال الحرب العالمية الأولى، وسمع أخبارها في كبره... ولهذا حين كان يمشي على الطريق يتأمل الأرض وعندما يلاحظ قطعة خبز، كان يقبّلها ويضعها جانباً على حافة جدار، إلى درجة أنه خلال الحرب أصيب بشظايا قذيفة هاون وهو يلمّ فتات الخبز، واعتبر هذا "إشارة من رب العالمين".

والأمر الآخر الذي يركز عليه حنون، أن الحرب اللبنانية صدّعت العلاقة بين المسلمين والمسيحيين. فقبل الحرب لم تكن العلاقة على هذا النحو. والمقولة التي يرددها "الحارة يلي بلا نصارى خسارة"، وهو كان اشترى أرضاً في وادي الزينة العام 1964، بنى عليها بيتاً وزرعها مانغا وجوافة وقشطة وأكي دنيا وزيتون، يومها كانت المنطقة قليلة البيوت بل معدودة. شعر بالضيق عندما تهجّر أهالي الناعمة والدامور وجوارهما، كان مشغول البال على المهجرين ومصيرهم. يذكر خليل حنون الحفيد، أن أبو جورج، جار خليل حنون الجد في وادي الزينة، حمى أملاك جده عندما دخلت المنطقة عناصر من "القوات اللبنانية"، ولم يسمح لهم بالتخريب. والأمر نفسه فعله خليل حنون عندما دخل عناصر من "الحزب الاشتراكي"، فحمى بيوت المسيحيين. لكن ذات مرة، وفي ليلة "ما فيها ضوء قمر"، بحسب القول الشائع، سرق أحد الجيران الميليشياويين، كل البيوت، واتهم المسلحين الشيوعيين.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"