آخر تحديث:13:29(بيروت)
السبت 02/11/2019
share

الأغاني الوطنية في الساحات.. متى نثور عليها أيضاً؟

حسن الساحلي | السبت 02/11/2019
شارك المقال :
الأغاني الوطنية في الساحات.. متى نثور عليها أيضاً؟ ساحة الشهداء
تعيش الأغنية "الوطنية" انتعاشة موازية لما يحصل في الشارع منذ 17 تشرين الأول. عشرات الأغاني الجديدة أو المستعادة، احتلت الساحات وهيمنت على الآذان، واضعة إيانا وجهاً لوجه أمام ذاتٍ وطنيةٍ ملتبسةٍ وضبابية. أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها "خارج الموضوع".  


يمكن تقسيم هذه الأغاني إلى أجزاء عديدة. الأكثر حضوراً بينها، ظهر في الأصل خلال فترات مضطربة أمنياً، كفترة معارك الجيش مع "داعش"، أو الحروب التي خاضتها المقاومة (قبل "حزب الله" وبعده) مع إسرائيل، وخروج الجيش السوري من لبنان. يبدو موقع هذه الأغاني غريباً في سياق الثورة اللبنانية، بسبب ارتكازها حصراً على التعبئة وتمجيدها للقوة، التضحية، الهوية التي تكتسب أهميتها بإهانتها الآخر، والقيم المرتبطة بالحرية والتحرير التي لا تملك صلة مباشرة مع ما يحصل اليوم في الشارع (جوليا بطرس، معين شريف، جوزيف عطية، عاصي الحلاني...).

تأخذ الأغاني الموجهة للجيش اللبناني حيزاً كبيراً من هذه المجموعة. ترافق صعود هذا النمط مع ازدياد ملحوظ للمواد البصرية التي تثير تعاطف الناس مع المؤسسة العسكرية: فتيات يقدمن الزهور للجنود، عسكري يبكي خلال مواجهة مع متظاهرين، مجند يعانق مواطناً... طبعاً هذا الدفق البصري وتزايد حضور هذه الاغاني، أتى بشكل موازٍ لارتقاع أسهم الجيش في الساحات، وتزايد المطالبات بتسلمه القيادة السياسية.

تعتمد هذه الأغاني بشكل عام على الأداء الجماعي، الإيقاعات الحماسية، الأصوات المستوحاة من التدريبات العسكرية، والألحان التي تعزز الدفق الشعوري والعاطفي تجاه الجنود، بصفتهم مواضيع دائمة للتضحية، النزاهة، والقداسة. في هذا المخيال، كل جندي يمثل "الوطن" بأكمله، ويعتبر موقعه منافياً بشكل "بديهي" لكل ما هو فاسد وملوث ولا أخلاقي (بعكس السياسي الذي يمثل العكس)، ما يبرر النظرة التنزيهية إلى الجيش وقائده الذي يُرى كـ"مخلّص" وحيد من الأزمة.

هناك أيضاً أغان وطنية تبدو أقرب للأغنية الرومانسية منها للتعبوية. في هذا النموذج يصبح الوطن شبيهاً بالحبيب المجروح، أو الحبيبة التي تعاني بسبب ما يفعله بها السياسيين، أو الأم التي لم تعد قادرة على تقديم حضن لأبنائها الذين بدأوا بتركها والهجرة إلى الخارج. تبدو أغنية الفنان اللبناني - الكندي، مسّاري، "قلبي انكسر"، الصادرة منذ أيام، مثالاً واضحاً عن هذا المزج بين العاطفي والوطني: "أنا اللي قلبي انكسر، خلوني عيش بندم، روحي سكنها الزعل، شعبي وحبيبي انغدر"، قبل أن ينتقل للإنكليزية ويقول: It hurts to see my mama cry (يؤلمني رؤية أمي وهي تبكي)، ويقصد طبعاً بسبب الأزمة التي يمر بها لبنان.


أنتجت الثورة أيضاً أغاني تروج للتكافل الديني والمناطقي، بعضها يذكر أسماء المدن والبلدات المشاركة في الثورة، بشكل شبيه لما يحصل في الهتافات التي تطلقها المناطق لبعضها البعض خلال التظاهرات (حصل الأمر نفسه في الفترة الأولى من الثورة السورية)، وذلك للتأكيد على أن الثورة تمتلك شرعيتها، وهي تمثل الأطياف والملل كافة الموجودة ضمن المجتمع اللبناني.


لكن طبعاً لا مفر هنا من الإنزلاق للإبتذال مجدداً، حيث تُظهر فيديوهات هذه الأغاني أشخاصاً من طوائف مختلفة يتعانقون، ويتأبطون أيادي بعضهم البعض، ونسمع أصوات المؤذنين بشكل متزامن مع أجراس الكنائس... ولا مبالغة في القول إن السلسلة البشرية التي رأيناها منذ أيام (امتدت من صور إلى طرابلس) كانت تطبيقاً عملياً للأفكار التني تنقلها هذه الأغاني.


يبقى الجزء الأقرب للراهن ضمن أغاني التظاهرات "السائدة" في الساحات، تلك التي صدرت خلال العام الماضي، كرد فعل على الأزمة الإقتصادية التي كانت ولا تزال تمر بها البلاد. ارتفعت أسهم هذه الأغاني في الشارع لأنها رُسّخت في أذهان الناس كنماذج معادية للحكم بسبب تعرضها للمنع أو التنديد من قبل رموز في السلطة، مع أن مواضيع هذه الأغاني كانت متداولة في الإعلام، وأصحابها يمتلكون علاقات وثيقة مع أفراد من الطبقة السياسية.

من هذه الأغاني مثلاً "من أين لك هذا" لمحمد اسكندر، التي تسببت بدعوى قضائية على صاحبها وابنه بسبب تسمية "مصرف الإسكان" بشكل مباشر في الأغنية، و"طار البلد" لراغب علامة التي دفعت النائب حكمت ديب للرد عليه قائلاً "إن رأسه يفترض أن يقطع بعد هذه الأغنية"، فقط لأنه اعترف بوجود أزمة إقتصادية في لبنان، مع أن علامة أيضاً معروف أنه من الفنانين الأكثر تزلفاً لرموز السلطة.

الجامع بين كل هذه النماذج السابقة، أنها خاوية، ولا تقول سوى ما قيل وما أصبح مبتذلاً. فعلياً، يمكننا سماع هذه الأغاني في أي ظرف: مهرجان حزبي، أو تظاهرة مُعارضة للأحزاب. في مناسبة وطنية، أو في حدث محصور في فئة أو طائفة. في مباراة كرة قدم أو خلال حرب عسكرية! المشكلة ليست بالضرورة، ارتباط المغنين بالسلطة، فحتى المغمور منهم لم يقدم أفضل من ذلك، ولا تزال الأعمال الجديدة تتحدث بالضبابية والعمومية نفسها الموجودة عند السابقين، كأن هناك حاجزاً بين هؤلاء والواقع (لذلك نجد اليوم أن الأغاني القديمة لا تزال حاضرة في الشارع وتحاول تعويض الفارق. من النماذج التي تستعاد اليوم في الساحات: "اني اخترتك يا وطني"، "منتصب القامة"، "موطني"، "بكتب اسمك يا بلادي"، "إذا الشعب"، "شو هم الأرض"، "بيروت ست الدنيا"، "وحياة اللي راحو"، "يا لبنان بحبك لتخلص الدني"...).

وهناك مجموعة من الأناشيد التي ولدت مع الحراك، سعت إلى قول شيء لكنها ولدت ميتة. وبعضها سعى إلى أن يكون "النشيد"، لكنه وقع في ركاكة وكليشيهات الكلمات والاستعجال في اختيار موسيقى كلاسيكية مُعاد توزيعها لا تلائم بالضرورة كلمات النشيد، ولعلها أيضاً لا تحاكي أياً من أمزجة الشارع المنتفض.

وهناك أيضاً إنتاجات موسيقية لفنانين شباب منخرطين في الثورة بشكل مباشر، في تنظيم تظاهراتها والتواصل بين مجموعاتها، أو شباب هم من جمهور الثورة والمتظاهرين. لكن، لسبب ما، لم تنتشر هذه الانتاجات بما يكفي لتعمّ الساحات عبر مكبرات الصوت، أو لتصبح أيقونتها، رغم الجهد النوعي فيها، وهذا ما يطرح التساؤل حول بقائها في دوائر "النخبة" وشبكاتها الاجتماعية، النخبة ليس بالضرورة بالمعنى الطبقي (خصوصاً الطبقة الوسطى)، إنما بالمعنى الثقافي ومن منظار الذائقة الموسيقية. من هؤلاء، فنان الراب الطرابلسي "الراس" (مازن السيد) في أغنية "شوف"، وغيره.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها