آخر تحديث:13:11(بيروت)
الإثنين 18/11/2019
share

حكّام لبنان وسلّة اللوز

أسعد قطّان | الإثنين 18/11/2019
شارك المقال :
حكّام لبنان وسلّة اللوز ساحة رياض الصلح (المدن)
يحار الساسة في لبنان ماذا يفعلون في انتفاضة الناس، ولسان حالهم يقول: "زمَّرنا لكم فلم ترقصوا، نُحنا لكم فلم تلطموا". نريد أن نحاوركم، لا تريدون الحوار. نريد أن نشكّل لكم حكومةً يترأسّها فلان، لا تقبلون بالحكومة. نعطي أوامر للجيش كي يتصرّف معكم بحضارة، لا كجيوش الأنظمة التوتاليتاريّة، تقطعون الطرق وتشعلون الدواليب. نضع خطّةً اقتصاديّةً ستدرّ عليكم اللبن والعسل في أسابيع، ترفضون الخطّة وتطالبون باستقالة الحكومة. نعلن على رؤوس الأشهاد وفي كلّ المحطّات التلفزيونيّة أنّ مطالبكم محقّة، وأنّنا نتبنّاها بلا تحفّظ، فتهرعون إلى السفارات تستجدون منها الدولارات كي تموّلوا مظاهراتكم وأعواد ثقابكم وإطاراتكم وبوسطاتكم. ماذا تريدون أيّها الشعب الناكر الجميل؟ نبذل في سبيلكم الغالي والنفيس وأنتم باقون على كبريائكم وعنجهيّتكم وعنادكم.

كيف هبط على أهل الحكم في لبنان كلّ هذا الحبّ العذريّ دفعةً واحدة؟ كيف صاروا مغرمين بالشعب الذي استغلّوه وقسّموه وأفقروه وجوّعوه ونهبوه وأذلّوه؟ بكلمات فيروز حين سكنتها ناطورة المفاتيح: "هلّق صرت تحبّ الناس؟ كانوا يروحوا رخاص عندك. ديك المي راح بسلّة لوز». الجواب بسيط. إنّه الخوف أيّها السيّدات والسادة. الخوف يصنع المعجزات. الخوف من غضب الناس؟ نعم. الخوف من انتقامهم؟ نعم. الخوف من الكارثة الاقتصاديّة التي تحيق بالبلد؟ نعم. ولكن هناك ما هو أخطر من ذلك وأكثر هولاً. إنّه الخوف من الأشياء التي لا اسم لها، من اللغة التي لا لغة لها، من أحاسيس لم تتشكّل بعد، من خطوط لم ترتسم بعد، من طلاسم تشبه المربّعات في لوحات كاندينسكي، من ثقوب سوداء في الرقعة البيضاء التي تغلّف الدماغ وتغلّف العيون. إنّه الخوف من المجهول الذي لم يتّخذ شكلاً بعد، وإنّه الخوف من الخوف الذي لم يولد بعد.

أهل الحكم في لبنان يكذبون على الشعب. يدّعون أنّ مطالب الناس محقّة من جهة، ويعمدون إلى إسكاتهم عبر الترهيب والتهويل والاعتقال والقمع والضرب من جهة أخرى. ولكنّهم في الواقع يكذبون على أنفسهم، لأنّهم ما زالوا يحاولون تفادي هذا المجهول الذي يسير إليهم بخطىً ثابتة كالعنكبوت الرقطاء التي تحاصر كلّ شيء وتبتلع كلّ شيء. من ينصّلهم من المجهول الذي لا اسم له؟ من ينجّيهم من العنكبوت التي تعصى على مفردات اللغة؟ هناك، في آخر النفق، ينتظرهم المجهول، وتنتظرهم لعنة كلّ الذين نزفت أرواحهم على أبواب المستشفيات، وينتظرهم دم ديك المي الذي قضى رخيصاً بين ساحة الناس وقصر الحاكم... قضى بسلّة لوز.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها